اخر المقالات: مساعي تنزيل استراتيجية التنمية المستدامة بالمغرب || الأغذية التي “تختفي” يمكن أن تطعم 48 مليون شخص في افريقيا جنوب الصحراء || للأرض قيمة حقيقية. استثمرها ||  منتدى سياسي رفيع المستوى معني بالتنمية المستدامة لسنة 2018 || مكافحة التصحر والجفاف أمام خطورة زيادة الرقعة الصحراوية || النزاعات والكوارث تزيد تشغيل الأطفال في الزراعة || حفظ المحيطات لتحقيق التنمية المستدامة || البلاستيك صديقنا اللدود || “جزر الحرارة الحضرية”: كيف نحمي مدننا من ضربات الشمس؟ || كيف يحقق العرب الأمن الغذائي؟ || أجمل التكوينات الجيولوجية في الحدائق العالمية  || استدامة الغذاء في عالم متغير المناخ || التغلب على التلوث البلاستيكي ||  خطر تغير المناخ على انتاج الشاي || حماية النظم الإيكولوجية البرية || أهمية التنوع البيولوجي || إجراءات تنزيل البرنامج الوطني لجودة الهواء بالمغرب || حماية النحل ضرورة لمستقبل غذائنا || التلقيح بالنحل أهم خدمات الأنظمة البيئية يستوجب جذب انتباه صانعي القرار || مبادئ التوجيهية الطوعية الجديدة الغابات في المناطق المدارية ||

آفاق بيئية :أدير تيرنر

صادف كثيرون من زوار بكين مؤخرا مفاجأة سارة تمثلت في سمائها الزرقاء الصافية التي حلت محل الضباب الدخاني. وجزئيا، يعكس الهواء الأنظف حاليا سياسات قاسية: فقد جرى نقل المصانع المسببة للتلوث بعيدا عن العاصمة وغيرها من المدن الكبرى، وفي بعض الأحيان، أُغلِقَت أنظمة التدفئة التي تعمل بإحراق الفحم قبل توفير مرافق الغاز البديلة. بيد أن التغيير في بكين يعكس أيضا فهما متزايدا في الصين لحقيقة مفادها أن الاقتصاد الأخضر الحقيقي لا يَعِد بتحسين جودة الحياة فحسب، بل ويساعد أيضا في خلق فرص هائلة للقيادات التكنولوجية والسياسية.

تُعَد الصين الآن، بالأرقام المطلقة، الدولة الأكثر إطلاقا للانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي، وهي تمثل أكثر من 25% من إجمالي الانبعاثات العالمية. وحتى من حيث نصيب الفرد في الانبعاثات، تجاوزت الصين للتو المتوسط في الاتحاد الأوروبي، في حين لا تزال عند نصف مستوى الولايات المتحدة. ويعكس هذا نظام توليد الكهرباء الذي يعتمد على بنسبة 70% على الفحم، فضلا عن زعامة الصين العالمية في مجال الصناعات الثقيلة مثل الصلب، والأسمنت، والكيماويات. لكن الصين تُعَد بكل تأكيد المستثمر الأكبر على الإطلاق في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وهي تعمل الآن على إلغاء خطط زيادة الاستثمار في الفحم. وبينما تبني الصين اقتصادا منخفض الكربون، فإنها تتمتع بميزة هائلة في ما يتصل بالموارد.

يتضمن تقرير صادر مؤخرا عن هيئة الطاقة الدولية خريطة تحمل رموزا ملونة تُظهِر أي مناطق العالم تتمتع بالقدر الأكبر من موارد الرياح والطاقة الشمسية. وتكمن أكبر المصادر في الأقاليم الغربية في الصين ذات الكثافة السكانية المنخفضة وهي التبت، وتشنج هاي، وشين شيانح، ومنغوليا الداخلية. ومن حيث المبدأ، فإن تغطية 5% فقط من إجمالي مساحة الأرض هذه بالألواح الشمسية من الممكن أن تزود الصين بنحو 6000 تيراواط ساعة من الكهرباء سنويا، وهذا كاف لتلبية طلبها الحالي بالكامل من الكهرباء (ومورد الرياح هائل أيضا).

أنتجت مزادات حديثة في مواقع مواتية مماثلة ــ مثل شمال شيلي والمكسيك ــ عطاءات لإنتاج الطاقة الشمسية بسعر يقل عن 0.02 دولار لكل كيلوواط ساعة، وطاقة الرياح بأقل من 2.5 سنت. ويعرب المستثمرون الصينيون في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على حد سواء عن يقينهم من تمكنهم في غضون السنوات العشر المقبلة من تسليم الطاقة المتجددة للمناطق الساحلية المزدهرة في الصين بسعر أقل كثيرا من الأسعار الحالية للكهرباء المولدة بإحراق الفحم.

بطبيعة الحال، يتطلب تحقيق هذه الغاية استثمارات ضخمة: وقد أعلنت إدارة الطاقة الوطنية في الصين عن خطة لإنفاق 360 مليار دولار على الطاقة المتجددة بحلول عام 2020. ولكن نسبة إلى إجمالي المدخرات والاستثمارات في الصين (أكثر من 5 تريليون دولار سنويا) ونظام مصرفي يتجاوز مجموع أصوله 30 تريليون دولار، يُعَد تدبير مثل هذا المستوى من الإنفاق أمرا سهلا.

بينما تبني الصين نظام طاقة منخفض الكربون، فإنها ستجني ميزة صناعية كبرى. ومع انخفاض تكاليف الكهرباء المتجددة، يشير تقرير هيئة الطاقة الدولية إلى إمكانية إنتاج الهيدروجين بتكاليف أرخص أيضا، عن طريق التحليل الكهربائي بدلا من إصلاح الميثان، مما يخلق فرصا هائلة لإزالة الكربون من عمليات إنتاج الصلب والأسمدة والكيماويات، والاستخدام المحتمل للهيدروجين الأخضر في النقل لمسافات طويلة بواسطة الشاحنات والسفن. وفي اقتصاد عالمي بلا كربون، فإن الموقع المنطقي لإقامة قدر كبير من الإنتاج الصناعي سيكون حيث تتوفر طاقة الرياح والطاقة الشمسية الرخيصة.

وتلعب الشركات الصينية بالفعل دورا رئيسيا في كل التكنولوجيات الأساسية اللازمة لتزويد الاقتصاد الأخضر بالطاقة، بما في ذلك الألواح الكهروضوئية، وتروبينات الرياح، والبطاريات، والأنظمة المتطورة اللازمة لإدارة التفاعل بين إمدادات الكهرباء المتقطعة والطلب المتغير وفقا للتوقيت. كما يحتل دعم التكنولوجيا الخضراء مكانة بارزة في برنامج صنع في الصين 2025، والذي يهدف إلى دفع التصنيع الصيني إلى المعايير العلمية والفنية الرائدة على مستوى العالَم. وكلما سارعت السياسة الصينية إلى دفع التحول إلى الاقتصاد المنخفض الكربون، كلما كانت الفرصة التكنولوجية والاقتصادية أعظم.

وسوف تلعب كهربة النقل البري دورا حاسما في تحقيق هدف تحسين نوعية الهواء المحلي، فضلا عن الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عندما يقترن هذا بالكهرباء الخضراء على نحو متزايد. وبالفعل، تلعب شركات صينية كبرى دورا رائدا في تطوير السيارات الكهربائية، كما تُعَد المدن الصينية المشتري الأكبر على الإطلاق للحافلات الكهربائية. وعلى نحو مماثل، تستفيد سماء بكين المتزايدة الصفاء من حقيقة مفادها أن كل مركباتها ذات العجلتين التي تعمل بمحرك تدار بالكهرباء، وليس البنزين. وتستثمر شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى، مثلها في ذلك مثل الشركات المنافسة لها في الولايات المتحدة، بشكل مكثف في تكنولوجيا القيادة الذاتية وأنظمة تشارك الركوب.

وفي مجال النقل الكهربائي، تتمتع الشركات الصينية أيضا بوضع جيد مثل نظيراتها الأوروبية والأميركية يسمح لها بالإبداع والمنافسة على المستوى العالمي. وعلى النقيض من هذا، قد يستغرق الأمر سنوات عديدة لمضاهاة الخبرات التي اكتسبتها شركات صناعة السيارات الغربية على مدار قرن من الزمن من إنتاج محركات الاحتراق الداخلي. ولهذا، فكلما تحرك الاقتصاد الصيني بسرعة أكبر نحو تعميم النقل الكهربائي، تصبح الشركات الصينية في وضع أفضل. وقد ذكرت الحكومة الصينية أنها تعتزم قريبا تحديد موعد نهائي لا يمكن من بعده بيع السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري في الصين. والرهان المعقول هنا هو أن الصين ستصدم العالَم بالإعلان عن موعد أقرب كثيرا من عام 2040، وهو الموعد النهائي الذي حددته كل من فرنسا والمملكة المتحدة، بهدف الفوز ليس فقط بهواء أنظف بل وأيضا ميزة تنافسية كبرى.

الواقع أن التقدم الصيني المعجل نحو الاقتصاد الأخضر من الممكن أن يحقق ميزة سياسية كبيرة أيضا. إذ يطمح الرئيس الصيني شي جين بينج إلى تحويل الصين إلى نموذج اقتصادي واجتماعي جذاب يقتدي به آخرون، لاغتنام الفرصة التي خلقها تشويه الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسمة الأميركية لتعزيز “القوة الناعمة” الصينية. صحيح أن العديد من سمات النظام السياسي الصيني تعرقل هذا الهدف، لكن الصين من الممكن أن تصبح زعيمة تحظى بقدر كبير من الاحترام والإعجاب في الكفاح ضد تغير المناخ العالمي.

لا ينبغي لنا أن نفاجأ إذا أثبتت سماء بكين الزرقاء الزاهية خلال عقد من الزمن كونها بشيرا بالزعامة التكنولوجية الصينية في جوانب الاقتصاد الأخضر كافة. ولا ينبغي لنا أن نُصدَم إذا تبين لنا أن التزام شي جين بينج ببناء “حضارة إيكولوجية” أكثر من مجرد كلمات فارغة.

بروجيكت سنديكيت /  ترجمة: إبراهيم محمد علي

أدير تيرنر، الرئيس السابق لهيئة الخدمات المالية في المملكة المتحدة وعضو سابق في لجنة السياسة المالية في المملكة المتحدة، هو رئيس معهد التفكير الاقتصادي الجديد. كتابه الأخير هو بين الدين والشيطان.

اترك تعليقاً