اخر المقالات: المؤتمر الإسلامي لوزراء البيئة يعقد دورته السابعة  في مقر الإيسيسكو بالرباط || مؤتمر رفيع المستوى لتسريع تفعيل لجنة المناخ لحوض الكونغو || الأستاذ نجيب صعب في حوار عن واقع المشهد البيئي العربي || التغيرات البيئية خلال العقد الماضي || عدد أكتوبر من مجلة “البيئة والتنمية”: هل نشرب البلاستيك ؟ || استغلال طاقة الشمس || الرأي العام العربي والبيئة || صانعو التغيير الأخضر في حوض المتوسط || هل نشرب البلاستيك؟ || تدابير تنظيمة من أجل قنص مسؤول || نتائج قمة ” فرصة المناخ ” وآفاق قمة المناخ القادمة “كوب 23” || حوار إقليمي لإفريقيا بشأن المساهمات المحددة وطنيا للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة || تقييم تغير أثر تغيُّر المناخ والتكيف معه في المنطقة العربية || المحافظة و تثمين المنتزه الوطني لتوبقال || صدور تقرير منظمة “الفاو ” حول التوقعات حيال حالة المحاصيل والأغذية || وجبة غذاء جيدة من أجل المناخ || إنذار بزوال الجليد البحري قرب القطب المتجمد الشمالي || دعوة عالمية لمكافحة هدر وفقد الأغذية || نحو دمج ثقافة الاستدامة في إدارة المدرسة بفلسطين || شراكة جديدة تتصدى لمشكلات فقد وهدر الغذاء والتغير المناخي ||

مصطفى كمال طلبه وأسرار الاتفاقيات البيئية

2tolba

مصطفى كمال طلبه هو مؤسّس مفهوم «ديبلوماسية البيئة». عمل مع موريس سترونغ على تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) عام 1973، ليتولى قيادته كمدير تنفيـذي حتى عام 1992.

 عالم حصل على الدكتوراه من «إمبيريال كولدج» في جامعة لندن عام 1949، وشغل مناصب أكاديمية وسياسية رفيعة في مصر، منها وزارة الشباب ورئاسة الأكاديمية المصرية للبحث العلمي والتكنولوجيا، قبل التحاقه بـ«يونيب». وهو كان الرئيس الأول لمجلس أمناء المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، وله المساهمة الكبرى في تحديد توجهاته. عكف الدكتور طلبه خلال السنتين الماضيتين على كتابة مذكّراته، التي نُشر جزء منها حول الشق المصري والسياسي في سلسلة «كتاب اليوم» لدار الأخبار المصرية. وهو خص قراء «البيئة والتنمية» بالجزء حول البيئة، ننشر بتزامن مع مجلة «البيئة والتنمية»  مذكراته البيئية في حلقات. في هذا الجزء يروي قصة بروتوكول مونتريال الذي يعتبر أنجح اتفاقية بيئية دولية.

مصطفى كمال طلبه

في أوائل الثمانينات، بعد نجاح «يونيب» في التعامل مع المشاكل البيئية في عدد من البحار وبعض مصادر المياه العذبة على المستوى الإقليمي، انتقلنا الى مواجهة مشاكل البيئة العالمية التي لا تحل إلا بتعاون دول العالم أجمع. وكانت البداية حماية طبقة الأوزون في أعلى طبقات الجو، أو ما يسمى الأوزون الستراتوسفيري، الذي يحمي البشرية من الأشعة فوق البنفسجية التي إن زادت عن الحد الطبيعي نتيجة لنقص طبقة الأوزون العليا أدت الى سرطان الجلد وبعضه قاتل، وعتامة العين (الكاتراكت) التي يمكن أن تؤدي الى العمى، ونقص المناعة البشرية الذي يماثل مرض الإيدز المفزع في تأثيراته.

طرح موريس سترونغ موضوع تأثر سماكة طبقة الأوزون العلوي للمرة الأولى عام 1974، في تقريره الذي قدمه الى المجلس التنفيذي لـ «يونيب»، في ضوء الدراسات التي تمت على الطائرات الأسرع من الصوت (كونكورد) واعتبرت أن زيادة أسطولها سوف يؤدي الى نقص ضار في طبقة الأوزون. ولم نتابع هذا الموضوع بسبب عدم تزايد حجم أسطول طائرات كونكورد. بعد ذلك مباشرة، عام 1975، أعلن عالمان من بركلي في كاليفورنيا، هما شيرويد رولاند وماريو مولينا، أن الغازات التي نستخدمها في التبريد وتكييف الهواء والرذاذ للاستعمال الشخصي، واسمها كلوروفلوروكربونات أو فريون، كلها تهدم جزيء الأوزون وتحولـه الى أوكسيجين لا يمنع مرور الأشعة فوق البنفسجية. وعقدنا أول اجتماع حكومي حول الموضوع عام 1977، طالبت فيه الحكومات بتشكيل لجنة علمية بالاشتراك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية و«يونيب»، لرصد التغيرات في طبقة الأوزون العلوي وآثار تلك التغيرات على الإنسان والبيئة.

 ظلت اللجنة تنشر نتائجها سنوياً وتؤكد أن هناك نقصاً مستمراً في طبقة الأوزون العلوي. وتراكمت الأدلة، فوافقت الدول على بدء المفاوضات لإعداد اتفاقية لحماية طبقة الأوزون. واستمرت المفاوضات من كانون الثاني (يناير) 1982 حتى آذار (مارس) 1985 عندما انتهينا الى اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون، وهي اتفاقية لا تتضمن أي التزامات سوى التعهد بضرورة استمرار البحوث العلمية لنعرف الى أين تتجه الطبقة.

ظهر الخلاف على أشده بين الدول الصناعية والدول النامية من جانب، وفي داخل الدول الصناعية من جانب آخر. رأت الدول النامية أنها تظلم ظلماً شديداً بإيقاف إنتاج واستخدام الكلوروفلوروكربونات، فقد كان إنتاجها المحلي يعتمد على مصانع اشترتها مع الملكية الفكرية الخاصة بها بمبالغ ضخمة وليس لديها بدائل. وكان الآخرون ممن ينتجون الثلاجات وأجهزة التكييف وغيرها يعتمدون على استيراد الكلوروفلوروكربونات من الدول المنتجة لها. كان من اليسير أن أقنع الدول الصناعية بوجهة نظر الدول النامية هذه، واقترحتُ أن تُمنح الدول النامية في الاتفاقية عشر سنوات سماح قبل تطبيق الإجراءات التي يتم الاتفاق عليها. ووافقت الدول الصناعية. وارتاحت الدول النامية وخرجت كلها من حلبة الصراع حول الاتفاقية.

بقيت الخلافات الضخمة بين الولايات المتحدة وكندا ودول الشمال الأوروبي من جانب، والاتحاد السوفياتي ودول السوق الأوروبية المشتركة واليابان من جانب آخر. الأولى تدفع بشدة في اتجاه حماية طبقة الأوزون عن طريق تقليص إنتاج واستخدام الغازات المسببة لاستنفاده، وتوافق على اقتراحي تخفيض 20 في المئة من الإنتاج والاستخدام كل سنتين من 1991، حتى نصل الى الإنهاء الكامل عام 2000. والمجموعة الثانية ترفض تماماً أي إجراءات من هذا النوع.

حل لمشكلة لا خلاف عليها

بدا واضحاً أنه لا خلاف حول خطورة مشكلة الأوزون البيئية العالمية، ولكن دواعي المعارضة الحادة هي اقتصادية أو سياسية. كان لا بد من إيجاد حل وسط، واستمرت الجهود بوضع بدائل مختلفة ومناقشتها مع خبراء القانون الدولي في «يونيب» وخارجه.

انتهى الأمر إلى الموافقة على مبدأ عرضته، وهو أن نكتفي بتخفيض الإنتاج والاستخدام بمقدار 50 في المئة عام 2000 عما يكون عليه عام 1990، الأمر الذي يتيح لمن ليس لديهم بدائل للكلوروفلوروكربونات أن يصلوا اليها. ولكن بقيت تفاصيل كيف نحقق هذا. واستمرت المحاولات عبر المشاورات غير الرسمية المتتالية، حتى وصلنا الى شهر أيلول (سبتمبر) 1987، وهو الشهر الذي تقرر أن تستضيف كندا فيه المؤتمر الوزاري في مونتريال لإقرار الاتفاقية الجديدة.

وكان العلماء البريطانيون أعلنوا عن قياسات لما سمي ثقب الأوزون، تؤكد أن طبقة الأوزون تتناقص فعلاً، وأكدوا أنها لن تعود الى حالتها الأولى قبل سبعين عاماً. فتسارعت الخطى واللقاءات غير الرسمية ولقاءات مع الصناعة والمنظمات غير الحكومية.

جاء موعد المؤتمر وما زال لدينا نقاط لم يتم الاتفاق عليها بعد في طريقة الوصول الى الهدف الذي ارتضاه الجميع، وهو تخفيض 50 في المئة من إنتاج واستهلاك المواد المدمرة للأوزون بحلول عام 2000.

افتتح المؤتمر الوزاري لإقرار الاتفاقية في مقر منظمة الطيران المدني الدولية في مونتريال. بعد كلمة رئيس المؤتمر وكلمتي، طلبت من الرئيس والأعضاء أن يرفعوا الجلسة لحين الانتهاء من النقاط المتبقية في مشاورات غير رسمية. كانت حجتي في ذلك أن كل وزير يتحدث سيذكر موقف بلاده ولن يتزحزح عنه ما دام أعلنه أمام الميكروفون. ووافقوا جميعاً على رأيي. وبدأنا في مجموعة المشاورات غير الرسمية سباقاً مع الزمن.

 بقيت قضية واحدة هي تصويت دول السوق الأوروبية المشتركة والسوق نفسها، فقد تمسك ممثل السوق بضرورة أن يكون لها صوت ورفضت أميركا تماماً هذا الرأي. اقترحتُ حلاً للمشكلة أن تصوت السوق الأوروبية نيابة عن دولة عندما يريدون ذلك، بشرط ألا تصوت الدولة نفسها في ذات الوقت. قُبل الاقتراح، وأقرت مجموعة المشاورات غير الرسمية الاتفاقية.

صباح اليوم التالي قدمت الاتفاقية للمؤتمر الوزاري، وتحدث الوزراء كل لمدة خمس الى عشر دقائق نصفها شكر للمنظمة ومديرها على الجهد الخارق. كان حفلاً رائعاً أحسست فيه بأنني وصلت الى قمة ما أستطيع أن أقدمه، وأنه يجب أن أترك «يونيب» وأنا في قمة النجاح. لكن الدول جميعاً رفضت ذلك، لأننا كنا قد بدأنا في تلك الأثناء مفاوضات للوصول الى اتفاقية دولية أخرى لتنظيم انتقال النفايات الخطرة بين الدول والتخلص الآمن منها. استمرت الجهود سنتين أخريين حتى وصلنا الى اتفاقية بازل 1989، وكانت فيها مجموعة من الالتزامات الطيبة.

صندوق الأوزون

في أول كانون الثاني (يناير) 1989 دخلت اتفاقية مونتريال حيز التنفيذ، وعقد مؤتمر الأطراف (الدول المصدقة على الاتفاقية) اجتماعه الأول في هلسنكي عاصمة فنلندا في منتصف العام. أثارت الدول النامية في ذلك الاجتماع، ولا سيما الصين والهند اللتان لم تكونا قد صدقتا على الاتفاقية، ضرورة أن يكون هناك صندوق خاص لمعاونة الدول النامية مالياً على تنفيذ التزامات الاتفاقية، وإلا فلن تصدق عليها.

وعارضت الدول الصناعية بشدة فكرة إنشاء صندوق خاص لهذا الغرض. وبأسلوب الحلول الوسط نفسه، قبل الجميع اقتراحاً تقدمت به، بأن يصدر المؤتمر قراراً يطلب من مدير «يونيب» دراسة البدائل المختلفة لمعاونة الدول النامية مالياً، بما في ذلك فكرة إمكان إنشاء صندوق خاص.

وبدأ مرة أخرى سباق مع الزمن. مؤتمر الأطراف يجتمع مرة كل عام، وكان الاجتماع الثاني مقرراً في لندن في حزيران (يونيو) 1990. كانت أوروبا في ذلك الوقت متحمسة لتنفيذ الاتفاقية، لأن شركاتها الصناعية قاربت الوصول الى البدائل ويؤذن ذلك بمرحلة جديدة من المكاسب الضخمة.

كنت مكلفاً من المؤتمر الأول للأطراف بدراسة الموضوع. حصلت على تمويل كاف من الدول الصناعية لإجراء دراسات على أرض الواقع لكلفة التغيير الى البدائل في سبع دول من بينها الصين والهند ومصر. وعندما وصلنا الى المؤتمر الثاني في لندن، كانت عندي تقديرات تشير الى أننا بحاجة الى ثلاثة بلايين دولار خلال عشر سنوات حتى تستطيع الدول النامية أن تبدأ تنفيذ التزامات الاتفاقية. عرضت هذا في بداية اجتماعات مؤتمر الأطراف، ولقي قدراً من الاستجابة إلا من الولايات المتحدة التي كانت مصممة على ألا ينشأ صندوق.

بدأ مؤتمر الدول الأطراف. وبعد الافتتاح وبعض كلمات الوزراء انتقلت مع رئيس المؤتمر (وكان وزير البيئة في بريطانيا كريس باتن الذي أصبح مفوض الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي بعد ذلك) الى غرفة خلفية صغيرة لوضع خطوط عريضة لمشروع القرار الذي يمكن أن يصدر عن المؤتمر بشأن التمويل.

وصلنا الى صيغة تنص على إنشاء صندوق خاص بصفة موقتة بمبلغ 240 مليون دولار في السنوات الثلاث الأولى لحين دخول تعديل الاتفاقية حيز التنفيذ، تخصص منها 5 ملايين دولار لكل دولة من الدول الصغرى و10 ملايين لكل من الدول المتوسطة و40 مليون دولار لكل من الهند والصين بعد التصديق على الاتفاقية. بالإضافة الى ذلك، نص مشروع القرار على أن ينتخب مؤتمر الدول الأطراف لجنة لإدارة الصندوق من أربعة عشر عضواً، سبعة من دول صناعية وسبعة من دول نامية، وتكون الرئاسة بالتناوب لأحد ممثلي الدول الصناعية ثم ممثل من الدول النامية وهكذا. ولا تتم الموافقة فيها على شيء يطلب فيه التصويت إلا بأغلبية مطلقة، بشرط أن يكون نصف تلك الأغلبية من كل من المجموعتين الصناعية والنامية.

لم يتوقف المؤتمر عند هذا الحد، بل عاد الى ما اقترحتُه أثناء مفاوضات بروتوكول مونتريال، وهو أن ينتهي إنتاج واستخدام المواد المستنفدة للأوزون كلياً عام 2000، بدلاً من 50 في المئة التي أقرها البروتوكول.

بعد عامين، في 1992 آخر نشاطاتي في الأمم المتحدة، اجتمع مؤتمر الأطراف الرابع في كوبنهاغن بالدنمارك. وكان تعديل الاتفاقية قد دخل حيز التنفيذ وحوّل مؤتمر الأطراف الصندوق كآلية دائمة مع التشكيل والنظام نفسهما للجنة الإدارية، ونقل الى الصندوق الدائم ما بقي من مبالغ في الصندوق الموقت. تجاوز المؤتمر ذلك أيضاً الى إسراع الخطى في إنهاء إنتاج واستخدام المواد المستنفدة للأوزون الى 100 في المئة عام 1997، أي قبل ثلاث سنوات مما كنت آمل الوصول اليه عام 1987 ولم أنجح حينذاك.

أوضح هذا التطور الكبير في التعامل مع القضية لمن كانوا يتهمونني بخيانة قضية حماية البيئة عام 1987، عندما تراجعت عن موقفي بخصوص الإنهاء الكامل لإنتاج واستخدام المواد المستنفدة لطبقة الأوزون بحلول عام 2000، أنني كنت محقاً عندما قلت في مؤتمر صحافي بعد إقرار بروتوكول مونتريال هاجمتني فيه المنظمات غير الحكومية وعلى رأسها غرينبيس: «اذا كنا نريد حماية البيئة فلنبدأ بخطوة وسوف تتلوها خطوات، وإن ما لا يدرَك كله لا يترَك كله». أرجو أن يكون قد ثبت لهم أنني لم أخن القضية بل كنت أكثر واقعية منهم.

اعتبر فقهاء القانون الدولي أن إنشاء صندوق للتمويل بهذه الضخامة (240 مليون دولار) من دون أي سند من اتفاقية فيينا أو بروتوكول مونتريال، بمجرد قرار من مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية، هو إجراء غير مسبوق في القانون الدولي. واعتبر بروتوكول مونتريال، حتى الآن، الاتفاقية النموذجية للتعامل مع المشاكل البيئية العالمية.

ولكن بروتوكول مونتريال لم يتكرر.

هل تتعافى طبقة الأوزون؟

تشكل طبقة الأوزون حزاماً واقياً في الغلاف الجوي، يعلو ما بين 18 و28 كيلومتراً عن سطح الأرض، ويعكس أشعة الشمس فوق البنفسجية الضارة. ولكن خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين، أدى الانبعاث الواسع النطاق لمركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs) إلى تفكك جزئي لهذه الطبقة.

 وتقاس تركيزات الأوزون بوحدة دوبسون (DU). ويبلغ المعدل الطبيعي لسماكة طبقة الأوزون نحو 300 وحدة دوبسون، أي 3 مليمترات. وثقب الأوزون، الذي يبدو باللون الأحمر فوق القارة القطبية الجنوبية، هو المنطقة التي تنخفض فيها التركيزات بشكل حاد.

 في منتصف الثمانيات، شهدت طبقة الأوزون تراجعاً ملحوظاً عن المعدل، وتدنت بحلول عام 1992 إلى نحو 100 وحدة دوبسون. وفي 2006، سجلت انخفاضاً إلى أدنى من 93، لكنها ارتفعت لاحقاً ليشهد عام 2012 تسجيل معدل 136 وحدة دوبسون. وبلغت مساحة ثقب الأوزون عام 2013 نحو 21 مليون كيلومتر مربع (ما يعادل مساحة أميركا الشمالية). والعلماء متفائلون بأن طبقة الأوزون تتعافى بعد عقود من الدمار، بفضل بروتوكول مونتريال الذي ألزم الدول بالتوقف التدريجي عن إنتاج واستخدام المواد المستنزفة للأوزون.

شخصيات في حياتي

مر بي في حياتي آلاف من البشر من مختلف الجنسيات والمستويات. أعتقد أنه يصعب على أي إنسان أن يذكر كل من قابله، خاصة اذا تعرض مثلي للعمل الدولي لفترة طويلة وزار والتقى علماء ومحامين ومسؤولين في أكثر من ثمانين دولة.

لكن هناك أسماء تركت موقعاً خاصاً في نفسي، وهناك مواقف مع أشخاص بعينهم لا تمحى من ذاكرتي. وسيتم نشرها بالتوالي شهرياً على حلقات من فترات زمنية متنوعة.

محمود فوزي

هو أول رئيس للوزراء عملت معه. كان ديبلوماسياً رائعاً ومثالاً للأدب وأناقة الكلمة والحكمة البالغة.

 عُينت وزيراً عام 1971 وأنا في باريس أحضر اجتماع المجلس التنفيذي لليونسكو. وعين في مجلس الوزراء نفسه الدكتور اسماعيل غانم وكان معي في باريس ـ سفيراً لنا لدى اليونسكو ـ وأستاذي الدكتور محمد مرسي أحمد وكان في زيارة إلى دمشق وهو مدير لجامعة القاهرة. عدنا إلى القاهرة في اليوم التالي، وحضر الرئيس السادات الى مكتب رئيس الوزراء لنحلف اليمين الدستورية أمامه.

 قبل دخولنا لحلف اليمين انتظرنا في الصالون الملحق بمكتب رئيس الوزراء. وجاء إلينا الدكتور فوزي وقال: «إنني جئت أعتذر لكم عن تعيينكم من دون استشارتكم، وقد قلت للرئيس السادات إنني سأتحدث معكم قبل حلف اليمين. فإذا كان لدى أي منكم صعوبة في قبول المنصب فسأرجوه أن يقبل نظراً للظروف السياسية الحالية». منتهى الكياسة والديبلوماسية والرقة.

موقف آخر للدكتور محمود فوزي: في إحدى جلسات مجلس الوزراء أثار أحد الزملاء موضوع إخلاء منطقة بولاق أبوالعلا ونقل سكانها الى مساكن تبنى خصيصاً لهم وبيع الأرض بسعر عالٍ لأنها على النيل.

وكان رده أن طلب الذهاب الى بولاق أبوالعلا للتعرف على مصادر الرزق لهؤلاء الذين سينقلون الى أماكن أخرى.

في الجلسة التالية عرفنا أن مصادر رزق السيدات هناك يعتمد على أعمال بسيطة مثل بيع أقراص الطعمية التي تقلى على «وابور» غاز بدائي أمام منازلهن. أما الأولاد الصغار فيعملون لدى الجزارين والحلاقين وورش الميكانيك المنتشرة في المنطقة. وعند عرض الموضوع في مجلس الوزراء طلب الدكتور فوزي أن يحدد له أصحاب اقتراح نقل الناس من بولاق أبوالعلا مصادر الرزق التي سيعيشون عليها في المساكن الجديدة. وأقفل الموضوع.

حكمة عالية ونظرة مستقبلية ثاقبة تراجع كل الظروف مراجعة جادة قبل اتخاذ القرار. لعل هذا يكون مثالاً لوزاراتنا المقبلة.

فايزة أبو النجا

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي السابقة. أشرفت على مكتب الدكتور بطرس غالي عندما كان سكرتيراً عاماً للأمم المتحدة، وكانت قمة في الأداء. عندما كانت سفيرة لمصر لدى الأمم المتحدة في جنيف، أكرمتني بدعوتي الى غداء دعت اليه كل من يعمل في السفارة. وعندما عينت وزيرة للتعاون الدولي قبل نحو عشر سنوات توثقت الصداقة بيننا، وزرتها مرات عديدة في مكتبها، وزارتني في منزلي في الصحراء على طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي. نتحدث في كل شيء بقلب وعقل مفتوح، وتعاونني في تمويل ما يتقدم به المركز الدولي للبيئة والتنمية من مشروعات تسعى أساساً الى خلق فرص عمل قليلة التكاليف كمساهمة متواضعة في مواجهة مشكلة البطالة في مصر.

سيدة فاضلة محترمة مثقفة واسعة الاطلاع، شديدة الاعتزاز بنفسها، مهذبة الى أبعد حدود الأدب. حماها اللـه ووفقها في كل ما تعمل.

الملك حسين

قابلته أكثر من مرة في عمان، ولكن لفتت نظري مداخلته في الاجتماع الذي عقده رئيس وزراء هولندا ورئيسة وزراء النروج في أمستردام قبل مؤتمر قمة الأرض في البرازيل عام 1992. حضر الاجتماع عدد من رؤساء الدول، من بينهم الرئيس السابق حسني مبارك والرئيس عمر البشير والملك حسين. اعتذر كل من الرئيس مبارك والرئيس البشير عندما جاء الدور على كل منهما ليتحدث. ولما وصل الدور في الحديث الى الملك حسين اختتم مداخلته بالقول: «إذا لم يكن الفشل بديلاً مطروحاً فلا بد إذاً من النجاح». كان يتحدث عن التعاون الدولي في مجال البيئة والتنمية.

ألبرت غور

نائب رئيس الولايات المتحدة في عهد الرئيس بيل كلينتون. جاء لزيارة مصر وهو نائب للرئيس كلينتون عندما كان المرحوم الدكتور عاطف صدقي رئيساً للوزراء. دعا السفير الأميركي في القاهرة الى حفل استقبال كبير له في منزله، وكنت أحد المدعوين بعد أن تركت «يونيب». جاء ألبرت غور برفقة عاطف صدقي، وما أن رآني حتى صاح: «صديقي مصطفى!» وقفز من عن يمين الدكتور صدقي الى يساره وجاء إلي ليحتضنني. ذهل الجميع طبعاً لهذا الموقف، ولكنها الصداقة الحقة التي لا تبنى على أي مصلحة يسعى إليها أي من الصديقين.

ألبرت غور هو صاحب الفيلم الشهير «الحقيقة المؤلمة» الذي حرك العالم كله في قضية تغير المناخ. حصل على نصف جائزة نوبل عام 2007 من أجل هذا الفيلم. ودعيت لحضور الحفل، فقد كان النصف الآخر من نصيب اللجنة الحكومية لتغير المناخ التي أنشأتها مع زميلي أمين عام منظمة الأرصاد الجوية. قال ألبرت غور عندما تحدث ليقبل الجائزة: «عندما فشلت في انتخابات الرئاسة الأميركية قررت أن أدفن مستقبلي السياسي وأن أهب نفسي لقضية البيئة».

منذ كان ألبرت غور عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي وهو من أشد المؤمنين بقضايا البيئة.

وانغاري ماثاي

مثال آخر لحب الوطن. كانت وانغاري ماثاي أستاذة في الجامعة، وتفرغت لخدمة بلدها كينيا عن طريق تشجيع السيدات على زراعة الأشجار ورعايتها في مشروع سمته «الحزام الأخضر» (Green Belt). جاءت إلي في «يونيب» وشرحت لي المشروع، وتقدمت به كتابة للحصول على معونة مالية. قدمنا لها 25 ألف دولار، مثل تلك التي قدمناها الى أشوك كوشلا عندما ترك «يونيب» ليخدم وطنه الهند.

كانت وانغاري تعطي الفلاحات الكينيات مبالغ متواضعة تشتري بها الفلاحة بقرة أو معزاة أو عدداً من الدجاجات تربيها وتعيش على إنتاجها. في المقابل، تزرع الفلاحة شجرة ضمن الحزام الأخضر وترعاها باستمرار. نجحت نجاحاً لفت أنظار الحكومات المختلفة في أفريقيا، فطلب منها الزعماء أن تساعدهم في إنشاء أحزمة خضراء في بلادهم. قامت بذلك بنجاح رائع.

حاولنا في «يونيب»، بجهد صادق من أخي المرحوم الدكتور محمد القصاص، أن نعيد التجربة مع دول أفريقيا شمال الصحراء المطلة على البحر المتوسط ـ المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر. بدأنا في المغرب والجزائر، وبدأت التجربة تؤتي ثمارها. ولكن، كالعادة في عالمنا العربي، تدخلت السياسة وتوقفت التجربة.

لفت جهد وانغاري ماثاي أنظار العالم، ومنحت جائزة نوبل عام 2004، وتوفيت عام 2011.

كانت صديقة عزيزة، وكانت من أشد المؤمنين بحماية البيئة والثروة الطبيعية. ■

 

اترك تعليقاً