اخر المقالات: الزعفران : دراسات وأبحاث بيولوجية واﻟﻔﻴﺰﻳﻮﻟﻮﺟﻴة لمكافحة التغيرات المناخية || “النخلة بعيون العالم” تواصل قبول أجمل صور العالم للشجرة المباركة || التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر || الطبيعة الأم ضد تغير المناخ || إحصاءات بيئية تدق ناقوس الخطر || الفيلم  الوثائقي “المملكة المستدامة” || منح شهادة “إيزو 20121” لمؤتمر الأطراف كوب 22 || “مسارات 2050”: مبادرة لتطوير نموذج اقتصادي منخفض الكربون || تجربة واحة ليوا أمام مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ بمراكش || محرك مبادرات وتمويلات المساهمات المعتزمة المحددة وطنيا NDCs || إعلان مراكش للعمل من أجل المناخ والتنمية المستدامة || شراكة بين المغرب والولايات المتحدة الامريكية فيما يتعلق بالتدبير المستدام  للموارد الغابوية || قمة نساء الرائدات تجمع قياديات من أجل المناخ بمؤتمر COP22 || إطلاق شراكة مراكش من أجل العمل المناخي الشامل || تعزيز تكيف منطقة البحر المتوسط مع تقلبات المناخ || خطاب ملكي بقمة العمل الإفريقية خلال مؤتمر الأطراف COP22 || يخت عملاق لتنظيف المحيطات || مشاريع بيئية نموذجية بمدينة مراكش  || يوم التربية بمؤتمر الأطراف COP22 || الأميرة للا حسناء تفتتح يوم المحيط بمؤتمر الأطراف “كوب 22 “ ||

مبنى أخضر في عمّان لمنظمة الصحة العالمية

كفاءة عالية في استخدام المياه والطاقة، وانسجام مع المجتمع والبيئة المحيطة، وحدّ من ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، وبيئة داخلية ذات جودة صحية عالية، ومحافظة على الموارد الطبيعية

مازن ملكاوي وباسل اليوسفي

إيماناً من منظمة الصحة العالمية بأن تفعل ما تقول وتنفذ ما تنصح به، وحرصاً منها على توفير أفضل الظروف الصحية والنفسية والبيئية لموظفيها وزوارها، وانسجاماً مع البيئة المحلية، فقد حرصت على أن يتميز مبناها الجديد في العاصمة الأردنية عمّان بأعلى المواصفات والمقاييس البيئية والصحية. من أجل ذلك اعتمدت نظام الريادة في الطاقة والتصميم البيئي (LEED) إضافة الى أحدث أنظمة البناء العالمية الأخرى، ليكون مبناها الجديد أول مبنى أخضر في الأردن وأول مبنى أممي في الإقليم يحظى بالتصنيف الذهبي لهذا النظام.

تتضمن الأهداف التي تم اعتمادها أثناء التخطيط العمراني للمبنى ما يأتي: توفير بيئة مهنية بأعلى المواصفات الصحية، الانسجام التام مع الجوار المجتمعي والبيئة المحيطة، أن يكون المقر نموذجاً يحتذى لحماية الصحة والبيئة من خلال الحد من التأثيرات البيئية السلبية على الصحة والحد من ظاهرة التغير المناخي والتكيف معها، أن يكون أداة لرفع مستوى الوعي البيئي ومختبراً حياً لشرح الحلول البيئية الناجعة على أرض الواقع، أن يكون أداة عملية تساعد في حشد التأييد للحلول البيئية على المستويات كافة، أي المالكين والمقاولين والمصممين وصناع القرار.

ومن خلال الالتزام والجهود المبذولة، حصل مبنى منظمة الصحة العالمية في عمّان على أول شهادة ذهبية للريادة في الطاقة والتصميم البيئي (LEED) للبناء الأخضر، ليس فقط على مستوى الأردن، بل على مستوى مباني الأمم المتحدة في المنطقة بأسرها.

كفاءة مائية وطاقوية وتقليل انبعاثات CO2

استجابة للحاجة الى ترشيد استهلاك المياه، في الأردن بشكل خاص والمنطقة العربية عموماً، تم تصميم المبنى وتشييده كنموذج لكفاءة استخدام المياه والحفاظ عليها. فقد خفض معدل استهلاك المياه بأكثر من 60 في المئة، إذ يعمل المبنى على حصاد مياه الأمطار من سطحه (250ـ300 متر مكعب سنوياً)، وتجميع المياه الناتجة من تكثيف مكيفات الهواء (150ـ200 متر مكعب سنوياً) وتخزينها في خزان مياه منفصل، لاستخدامها في المراحيض والحمامات وفي ري نباتات الحديقة ذات الاستهلاك القليل للمياه وفي أغراض التنظيف عموماً. وتشمل التركيبات الصحية للمبنى صنابير مياه تعمل بواسطة حسّاسات الأشعة تحت الحمراء، ورشاشات (دشات) بتدفق خفيف، ومراحيض بنظام مزدوج لتدفق المياه.

كذلك تم تصميم المبنى وتشييده بحيث يكون استهلاك الطاقة فيه 22.5 في المئة أقل من المباني المعيارية المصممة بالشكل الهندسي المثالي، أي المباني التي تعتمد كودات الجمعية الأميركية لمهندسي التدفئة والتبريد والتكييف (ASHRAE). ويقدر أن انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون من المبنى ستنخفض بواقع 75 طناً في السنة. ويمكن إجمال الحلول التي تم اتباعها بما يأتي: استخدام زجاج عالي الأداء الضوئي، استخدام عجلة استرداد الحرارة، عزل الجدران والسقف بكفاءة عالية، استخدام التدفق المتغير لوسيط التبريد (VRF) في نظام التدفئة والتهوئة والتكييف مع مراوح داخلية ذات كفاءة عالية، أجهزة استشعار الإشغال، تجهيزات إضاءة ذات فعالية عالية مربوطة بكاشفات الحركة، نظام تسخين المياه بالطاقة الشمسية لتوفير المياه الساخنة للأغراض المنزلية، ألواح شمسية للإنارة الخارجية.

بيئة صحية داخلية وخارجية

تم تصميم المبنى وتشغيله بشكل متناغم ومنسجم مع جواره المحيط. واتخذت التدابير كافة لتقليل التلوث طوال مرحلة البناء. وأقيمت ‏مواقف للمركبات داخل المبنى، لتقليل الضغط على الشوارع المحيطة المزدحمة أصـلاً. وتعمل الحديقة ذات النباتات الأصيلة والاستهلاك المنخفض للمياه، مع ‏السطح العاكس لأشعة الشمس (بلاط الإسمنت الأبيض) والسطوح الملساء من الحجر الأبيض، إضافة إلى مواقف السيارات المغطاة، على التقليل من مساهمة المبنى في ‏تأثير الجزر الحرارية الحضرية. كما تحقق الحد من التلوث الضوئي من خلال التحكم الكامل بقطع التيار عن تركيبات الإضاءة الخارجية، وتركيب ‏إضاءة داخلية تنطفئ تلقائياً خلال فترات الليل لتقليل الضوء المنبعث من النوافذ إلى البيئة الخارجية.‏

وتؤثر جودة البيئة الداخلية على الصحة البدنية لشاغلي البناء من خلال درء رداءة نوعية الهواء ودرجات الحرارة القصوى والرطوبة الزائدة والتهوئة غير الكافية، ما يحد من حالات الربو وحساسية الجهاز التنفسي. كذلك تؤثر على الصحة النفسية، مثل تقليل الاكتئاب والإجهاد، من خلال توفير الإضاءة الكافية ومنع التلوث الصوتي واجتناب التصميم الذي لا يراعي الحاجات الإنسانية.

وتم تحسين البيئة الداخلية وتقليل التأثيرات الصحية السيئة من خلال اتباع الاسترتيجيات الخضراء الآتية: توفير بيئة خالية تماماً من التدخين، والحد من دخول الملوثات عن طريق فلترة كافية لإزالة الغبار والأوساخ قبل دخول الهواء إلى المبنى، وتوفير درجات حرارة مريحة باستخدام زجاج ذي مُعامل منخفض لاكتساب الطاقة الشمسية الحرارية. وتم توفير راحة بصرية من خلال تصميم داخلي باعتماد النماذج المعمارية المفتوحة، بحيث يسمح لضوء النهار الخارجي بالدخول والانتشار في المبنى. وأمكن التقليل الى الحد الأدنى من الملوثات والأبخرة الداخلية باستخدام دهانات ومانعات تسرب لا تحتوي على المركبات العضوية المتطايرة (VOCs) او تحوي القليل جداً منها، وتفادي استخدام منتجات خشبية تحوي غراء اليوريا أو الفورمالدهايد، والتقليل من توليد الجسيمات المحمولة والمعلقة جواً خلال عملية البناء، وتنقية هواء المبنى قبل الإشغال وتهوئته من خلال «شفط» الهواء الداخلي لفترة زادت على 40 يوماً.

وبما أن ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية هو من المحاور الأساسية في المباني الخضراء، اتبع المقاول المنفذ للمشروع الخطوات الضرورية اللازمة لذلك، منذ بدء عمليات الحفر الأولية وعلى امتداد مراحل البناء والتشييد. فقد تم تصميم وتنفيذ برنامج متكامل لإدارة نفايات البناء وتدويرها، نتج عنه التقليل من الكمية المرسلة الى مكب النفايات بنحو 80 في المئة على الأقل من حيث الوزن. واختيرت مواد جديدة بناء على محتواها المعاد تدويره ومنشئها الإقليمي وقلة انبعاثاتها الكيمائية. فعلى سبيل المثال، أكثر من 80 في المئة من حديد تسليح الخرسانة الذي استخدم في البناء هو حديد معاد استعماله، وأكثر من نصف الخشب المستخدم أتى من شركات مسؤولة ومعتمدة بيئياً (Certified Wood).

ومن المفيد ذكره أن الكلفة الكلية لإنشاء هذا المبنى الأخضر زادت بنحو 4 في المئة فقط في سبيل إدخال المواصفات الرفيقة بالصحة والصديقة للبيئة، والتي يتوقع استردادها كاملة من خلال وفورات الطاقة وحدها في فترة لا تتجاوز 5 الى 6 سنوات.

الدكتور باسل اليوسفي مدير المركز الإقليمي لأنشطة صحة البيئة في منظمة الصحة العالمية، والمهندس مازن ملكاوي خبير المعلومات ونقل التكنولوجيا في المركز.

كلام الصورة رقم 4: مزيج من العمارة التقليدية والحديثة.

(ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد أيار/مايو 2012)

اترك تعليقاً