اخر المقالات: أطلس عالمي جديد حول استخدام التكنولوجيا المتقدمة لمراقبة نشاط الصيد || من يربح معركة العلم يربح معركة المستقبل || التربية البيئية لتنمية مستدامة في البلدان العربية || التربية البيئية :حقائق وأرقام من تقرير “أفد” || هل نشطاء المناخ الشباب على حق؟ || الإبداع لتعطيل تغير المناخ || تربية الماعز لمقاومة تغير المناخ || نحو اتفاق عالمي للتنوع البيولوجي || قرارات و تدابير مهمة لفائدة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود || تثمين النفايات الزراعية || اتفاقية إطار لمكافحة خطورة الأغشية والعبوات البلاستيكية الزراعية || شبكة تنمية السياحة القروية تجدد العزم من أجل النهوض بالسياحة بالعالم القروي || مؤهلات وآفاق السياحة القروية بجهة سوس ماسة || جعل المحيطات أولوية الاستثمار || الدورة العاشرة للملتقى الدولي للتمور بأرفود 2019 || البلدان النامية تقود العمل المناخي || تحسين الصحة ينقذ الأرواح ــ وكوكب الأرض || إحداث مركز للتعاون الإقليمي حول تغير المناخ في دبي || تقرير يوفر أحدث المعلومات العلمية حول تغير المناخ لواضعي السياسات || افتتاح المهرجان الدولي الثاني للتمور الأردنية بعمّان 2019 ||

آفاق بيئية : فينكاتيش مانار*

عندما اجتمع قادة ونشطاء ومنظمو حملات ورؤساء تنفيذيون من أنحاء العالم الشهر الماضي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك لمناقشة أكثر التحديات إلحاحا في العالم، هيمنت أزمة المناخ على العناوين الرئيسة. في المقابل، كان من المفاجئ أن لا تحظى التغذية ــ التي تمثل أحد الأركان الأساسية للتقدم البشري والاقتصادي والبيئي ــ باهتمام كاف.

لا ننكر أن قادة العالم بدأوا أسبوع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بتوقيع إعلان سياسي تاريخي بشأن التغطية الصحية الشاملة. لكن رغم اعتراف الإعلان بالتغذية كعامل مساهم في الصحة الجيدة، لم يختصها كأولوية. ولم يكن هذا غريبا أو جديدا: فغالبا ما يشير واضعو السياسات إلى التغذية غير الكافية كأحد الأسباب الرئيسة التي تعوق التقدم، لكنهم نادرا ما يجعلون تحسين التغذية محورا لعملهم، ونجدهم يضيعون على العالم فرصة ضخمة بسبب تبنيهم هذا النهج.

يمثل يوم الغذاء العالمي (الموافق 16 أكتوبر/تشرين الأول) واليوم العالمي للقضاء على الفقر (الموافق 17 أكتوبر/تشرين الأول) فرصة لمعالجة بعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالتغذية. وهذا جهد مطلوب ومهم بشكل حيوي، لأن كل واحد منا بوسعه أن يضطلع بدور في المساهمة في إنهاء كل أشكال سوء التغذية بحلول عام 2030، كإحدى غايات الهدف الثاني من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

يربط كثيرون سوء التغذية بشكل قصري بنقص التغذية في دول العالم الأشد فقرا، لكن سوء التغذية، كما أوضح تقرير التغذية العالمي مرارا وتكرارا، قد يتخذ أشكالا متعددة، كما أنه يمثل قضية عالمية لا تملك أي دولة تَرَف تجاهلها ــ بما في ذلك الاقتصادات الرائدة المتقدمة كالولايات المتحدة.

فبحسب تقرير التغذية العالمي لعام 2018، لا تحقق الولايات المتحدة النتائج المرجوة في كل ما يتعلق بمستهدفات التغذية، باستثناء توقف النمو والهزال بين الأطفال دون سن الخامسة، كما أنها إحدى سبع دول يزيد بها عدد الأطفال البدناء عن مليون. وقد وصلت معدلات الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية إلى مستويات تنذر بالخطر. فضلا عن ذلك، لا تقتصر التغذية السيئة على الإضرار بصحة الأشخاص، بل تمثل أيضا التهديد الأخطر لنظام الرعاية الصحية العامة في أميركا.

تعد التغذية أحد أذكى الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها أي دولة. فوفقا للبنك الدولي، يمكن إنقاذ 3.7 مليون شخص في العالم بحلول 2025 حال التركيز بصورة أقوى على التغذية في إطار الخدمات الصحية. كما أن للاستثمارات في التغذية جدوى اقتصادية: فكل دولار يُنفق على برامج التغذية الأساسية يعود بما قيمته 16 دولارا على الاقتصاد المحلي. بالأخذ في الاعتبار تلك الفوائد، يجب على العالم إعلاء شأن قضية التغذية بقوة لتحتل مرتبة أعلى على جدول الأعمال.

كما هي الحال مع تحديات عالمية كثيرة، يغلب على واضعي السياسة اتباع نهج انعزالي عتيق في التعامل مع قضية التغذية، لكن اشتمال اثني عشر هدفا على الأقل من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة السبعة عشر على مستهدفات ومؤشرات ذات صلة بالتغذية، يعني وجود منافع واضحة يعزز بعضها بعضا في زيادة التعاون عبر مجالات التنمية المختلفة ــ لا سيما بين التغذية وتغير المناخ.

في هذا الخصوص، أود الإشارة إلى أنني قد سعدت بسماع بعض الأحاديث عن الأنظمة الغذائية خلال قمة الأمم المتحدة للمناخ الشهر الماضي. علاوة على ذلك، شرعت تقارير مختلفة للخبراء، منها تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة، في التحذير من وجود روابط سلبية بين أنظمة الغذاء والأنماط الغذائية وتغير المناخ.

لا يمكن الاستهانة بتأثير هذه الروابط. فقد أوضح بحث نشره تقرير التغذية العالمي أن إنتاج الغذاء يستهلك 70% من إمدادات المياه العذبة في العالم، وأن الزراعة تتسبب في 13% من مجموع انبعاثات غازات الانحباس الحراري، وأن الماشية تستخدم 77% من الأراضي الزراعية في العالم، وبالتالي يؤثر التغير المناخي على أنظمة الغذاء والأنماط الغذائية. وقد وجدت الجمعية الأميركية لتقدم العلوم أن تزايد نوبات الجفاف والفيضانات المتكررة يؤدي إلى خفض الإنتاجية الزراعية، بينما يتسبب ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في سلب النباتات العناصر الغذائية والفيتامينات التي نحتاجها للبقاء.

بوضع تلك المعلومات في الاعتبار، لا يجوز لأمثالنا ممن يتصدون للتحديات المناخية الاكتفاء بمواصلة مساعينا من أماكننا المنزوية التقليدية، ففي الأعوام القليلة المقبلة سوف يتاح لنا المجال لتحويل هاتين الأزمتين العالميتين إلى فرصة تتمثل في إعادة تشكيل الزراعة ونظم الغذاء في العالم، مع ضمان حصول الجميع على طعام مغذ. لكن يجب على خبراء التغذية والزراعة والمناخ التعاون لانتهاز تلك الفرصة وبناء مستقبل يستهلك الناس فيه الغذاء الذي يحتاجونه مع المحافظة على سلامة الكوكب في الوقت ذاته.

أخيرا، ينبغي تخصيص مساحة أكبر على الطاولة للقطاع الخاص. فعلى أية حال، تستطيع شركة أغذية عالمية واحدة الوصول لأكثر من مليار شخص كل يوم من خلال منتجاتها. وإذا قررت شركة كهذه جعل الأطعمة المغذية متاحة وميسورة التكلفة بشكل أكبر، فمن الممكن أن يكون تأثير ذلك على الأنماط الغذائية للمستهلكين وصحتهم ضخما.

وبالفعل قامت بعض الشركات بتحركات إيجابية في هذا الصدد، كتقديم بطاقات أكثر شفافية لمحتويات المنتجات، أو تخفيض كمية السكر في منتجاتها. لكن التقدم بطيء للغاية بالنظر لقدرات القطاع الخاص ومدى وصوله وانتشاره.

بعد ضغط من منظمات المجتمع المدني، لجأت الحكومات إلى الضوابط التنظيمية لإجبار الشركات على فعل المزيد. فقد فرضت الدنمارك مثلا حظرا فعليا على بيع المنتجات التي تحوي دهونا متحولة، بينما كانت جنوب أفريقيا أول دولة تسن قانونا يضع حدودا قصوى لمستويات الملح في الأغذية المعالجة والمعلبة.

يتعين على شركات الأغذية أن تختار بين الانتظار حتى تفرض الحكومات ضوابط منظمة أكثر صرامة، أو المبادرة والسبق بالتعاون مع مجتمع التغذية، وإظهار العناية والاهتمام بما يأكله الناس لمستهلكيهم ولكل الأطراف المعنية. فالتغذية الجيدة قد تكون أيضا تجارة رائجة.

ربما يكون من السهل لوم الحكومات والقطاع الخاص على عدم التحرك حتى الآن، لكن إذا كانت التغذية حاضرة وغائبة في كل مكان في ذات الوقت، فهذا يرجع جزئيا إلى إخفاقنا في إبراز القضية وجعلها ذات صلة بالنسبة للفاعلين القادرين على إحداث تغيير.

لذا يجب على مجتمع التغذية مغادرة منطقة الراحة والانخراط مع صانعي القرارات الذين يركزون على مجالات الصحة والزراعة وتغير المناخ والقضايا العالمية الكبرى الأخرى. ونتوقع في قمة التغذية العالمية المقررة باليابان في 2020 أن تجدد الأطراف الفاعلة الرئيسة في العالم التزامها بالقضاء على سوء التغذية. وسيشمل جزء من واجباتنا ضمان إتاحة مساحة لعدد أكبر من الأطراف المعنية للمساعدة في الوفاء بهذا الهدف.

إن سوء التغذية أحد أكبر التحديات التي يواجهها العالم، لكنها مشكلة قابلة للحل، ونعرف بالفعل كيف نحمي كوكبنا مع تحسين أنماط غذاء وصحة الملايين من الأشخاص. ويتحتم علينا الآن البدء في تحقيق ذلك.

بروجيكت سنديكيت  – ترجمة: أيمن السملاوي

فينكاتيش مانار هو الرئيس المشارك لفريق الخبراء المستقلين لتقرير التغذية العالمي.

اترك تعليقاً