مؤشر الحياة التوازن البيئي

محمد التفراوتيمنذ 29 دقيقةآخر تحديث :
مؤشر الحياة التوازن البيئي
آفاق بيئية: د. حمدي هاشم  
مدخل 
الطبيعة ليست مجرد محيط ساكن، بل منظومة كونية تتأثر بشكل مباشر ومستمر بممارسات الإنسان، وتتجلى في صورة أزمات وكوارث بيئية متلاحقة، هكذا رد فعلها ضد تزايد التلوث والاستنزاف، لأنها كيان وجودي يتنفس، ويتفاعل بعمق مع سلوك البشر، وتمارس في ذات الوقت نوعا من العدالة البيئية، لتعاقب الإنسان عبر الكوارث الطبيعية. وليست العلاقة بين الإنسان والبيئة أحادية الاتجاه، بل جدلية، الإنسان يغير البيئة، والبيئة تعيد تشكيل حياة الإنسان، وتعود لترتد على العالم في هيئة أزمات وكوارث بيئية! نتيجة الأنشطة البشرية الجائرة بحق البيئة. ويعطي المنطق الإنسان مسؤولية حماية الأرض، من واقع تفرده بإدراك العواقب، ويظل استهلاكه المفرط وغير المسؤول وراء تدمير أسوجة البيئة، ولا يتواضع أو يعترف بأنه ليس سيد الكون بل جزء منه! وتظل لغة الكون في إعادة التوازن البيئي من خلال غضب الطبيعة (فيضانات، أعاصير، تصحر، وأوبئة)، لذا تحذر الفلسفة من استمرار تجاهل الإنسان هذه الرسائل، التي ستقوده لمواجهة وجودية مع بيئة لم تعد تحتمل عبثه! وبذلك يمثل التوازن البيئي المعيار الأساسي لاستمرار الحياة.
أهمية التوازن البيئي
التوازن البيئي ليس فكرة نظرية، بل هو شرط أساسي لبقاء الحياة، وينعكس أي خلل فيه مباشرة على الإنسان، لذلك يبقى الحفاظ عليه مسؤولية جماعية تبدأ من أبسط السلوكيات اليومية، مثل: ترشيد استهلاك الماء، تقليل التلوث، وزراعة الأشجار. ويحافظ بدون مقابل مادي على صحة الإنسان عبر هواء وماء نظيفين، يضمن استمرار الغذاء والموارد الطبيعية، يقلل من الكوارث مثل الفيضانات والجفاف، ويتيح للأجيال القادمة أن تعيش في بيئة صالحة. وكيفية الحفاظ عليه، تقليل البلاستيك، إعادة التدوير، ترشيد الطاقة، ترشيد المياه، النقل المستدام، الغذاء النباتي، إحياء النظم البيئية، والتوعية والتعليم.
اختلال التوازن البيئي في مصر: المخاطر والإستراتيجيات
يمثل اختلال التوازن البيئي العالمي أحد أبرز تحديات القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل العوامل الطبيعية والبشرية لتنتج أزمات بيئية تهدد صحة الإنسان، الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي. وتتضاعف هذه التحديات في مصر بسبب الاعتماد الكبير على نهر النيل، التوسع العمراني غير المنظم، وزيادة الكثافة السكانية. ومن ثم، تعد دراسة هذه الظاهرة وإستراتيجيات التكيف معها واجب وطني وقومي لا غنى عنه.
المخاطر
من المخاطر الصحية، الأمراض التنفسية (القاهرة من أكثر المدن تلوثاً عالمياً، حيث يؤدي تلوث الهواء إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالربو وأمراض القلب)، الأمراض الجلدية (يسبب التعرض للملوثات الكيميائية التهابا جلدية مزمنة)، والأمراض الناتجة عن المياه (يؤدي تلوث المياه الجوفية والسطحية إلى أمراض معوية وتسمم غذائي). وتظهر المخاطر البيئية في: ارتفاع مستوى البحر الذي يهدد دلتا النيل بغرق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والسكنية، يؤدي الجفاف وزيادة درجات الحرارة (التصحر) إلى تدهور الأراضي الزراعية في الصعيد والواحات، يهدد الصيد الجائر وتدمير الموائل الطبيعية الأنواع النباتية والحيوانية (فقدان التنوع الحيوي)، ويزيد تلوث الهواء من ظاهرة الاحترار العالمي ويؤثر على الصحة العامة.
ومن المخاطر الاقتصادية، تراجع إنتاج القمح والذرة بسبب الحرارة والتبخر مما يزيد من الاعتماد على الاستيراد (الأمن الغذائي)، تدمير السيول في سيناء والصعيد للطرق والمنازل وتكلف الدولة مليارات الجنيهات، يؤثر ارتفاع الحرارة وتلوث الشواطئ على السياحة الساحلية والبيئية، ويعد انقطاع التيار الكهربائي الناجم عن الموجات الحارة أحد أبرز التحديات الاقتصادية المباشرة للاختلال البيئي. وقد نشهد مخاطر اجتماعية في صورة نزوح السكان من المناطق المهددة بالغرق أو التصحر نحو المدن الكبرى مما يضغط على الخدمات، يزيد الإجهاد الحراري (ارتفاع الرطوبة والحرارة) من مخاطر ضربات الشمس وأمراض القلب، وقد يؤدي التنافس على الموارد المحدودة إلى توترات داخلية. وتؤدي مخاطر الاحترار العالمي وتغير المناخ، لارتفاع حرارة الأرض وموجات جفاف وأمطار فجائية غزيرة، تهديد المدن الساحلية (مثل الإسكندرية ودمياط) بغرق مناطق واسعة، ويؤثر تغير أنماط الطقس على الزراعة والصحة العامة.
الإستراتيجية الوطنية للتكيف
إدارة الموارد المائية
الاستثمار في محطات تحلية المياه لتقليل الاعتماد على النيل، معالجة مياه الصرف الزراعي والصحي لإعادة استخدام المياه، وترشيد الاستهلاك من خلال حملات توعية وتقنيات الري الحديثة (مثل الري بالتنقيط).
الزراعة المستدامة
تطوير أصناف جديدة من المحاصيل المقاومة للجفاف (تتحمل الحرارة ونقص المياه)، استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي لتقليل الهدر، ومكافحة التصحر بتشجير المناطق المهددة وزراعة نباتات تتحمل الظروف القاسية.
حماية المدن والبنية التحتية
بناء حواجز وسدود لحماية دلتا النيل من ارتفاع مستوى البحر، منع البناء في المناطق المهددة بالغرق أو السيول، وتفعيل منظومة التخطيط العمراني المستدام، في تصميم طرق ومباني تتحمل الحرارة أو السيول بمواصفات البنية التحتية المقاومة للمناخ.
السياسات والتوعية
التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة لتقليل الانبعاثات (الشمس والرياح والهيدروجين الأخضر)، الاعتماد على التعليم البيئي بإدخال المناهج البيئية في المدارس والجامعات، والاستفادة من التمويل والدعم التقني لمشروعات التكيف من خلال التعاون الدولي.
دراسة مرجعية منسية
إنها دراسة قومية هامة، تدور في فلك مثلث التنمية المستدامة (الماء، الطاقة، والبيئة النظيفة)، وقد شاركت فيها مع مجلس العلوم الهندسية، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا (2011)، تحت محور الانتشار السكاني وتعمير الحيز غير المأهول في صحراوات مصر وسواحلها، العمران الأخضر المستدام، وذلك من خلال المشاركة في خريطتي طريق (من إحدى عشرة خريطة): دراسة خصائص الأقاليم البيئية المختلفة خارج الوادي والدلتا وتحديد الأنماط العمرانية والتنموية الملائمة لها، ودراسة الشرائح السكانية المستهدفة للانتقال للمناطق الجديدة وتهيئتها اجتماعياً وثقافياً لحياتها الجديدة في هذه المناطق. وكذلك المشاركة في مؤتمر الرؤية القومية لمجلس العلوم الهندسية، بصفتي مقر ورشة العمل لخصائص الأقاليم البيئية للصحراوات المصرية (المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء بالدقي، الأحد 26 يونيه 2011).
استهدفت هذه الدراسة وضع إستراتيجيات علمية للخروج من الوادي الضيق وتعمير الصحاري المصرية بناء على مفاهيم الاستدامة البيئية، وهي دراسة بالغة الأهمية في مجال تنمية العمران البيئي بمصر، إلا أنها لم تنتشر على قدر أهميتها القومية، ولا أدري عن أسباب غياب هذه الثروة العلمية! ومن هنا أناشد كل مراكز الأبحاث والجامعات المختلفة الحصول عليها وإعادة النصاب البحثي الذي تسحقه، ولاسيما أنها وثيقة الصلة بموضوع اليوم، والرائدة في تفعيل دور التخطيط العمراني المستدام ومعالجة الخلل في التوازن البيئي المطلوب. ومن المفارقات التنموية، كانت إسرائيل أول من تقدم للحصول على نسخة أصلية منها بالشراء!
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!