البيئة على طاولة الانتخابات المغربية: من الخطاب إلى اختبار الالتزام

محمد التفراوتي20 سبتمبر 2026آخر تحديث :
البيئة على طاولة الانتخابات المغربية: من الخطاب إلى اختبار الالتزام

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

في فرنسا، أعادت موجات الحر والحرائق والجفاف قضايا البيئة والمناخ إلى واجهة النقاش السياسي، وفتحت المجال أمام تنافس واضح حول المشاريع والبرامج التي تقدمها القوى السياسية لمعالجة التحولات المناخية والبيئية. وقد عكست تغطيات إعلامية فرنسية، من بينها صحيفة «لوموند»، جانبا من هذا التنافس بين قوى اليسار وحزب الخضر حول موقع البيئة في المشروع السياسي.

المشهد الفرنسي يطرح سؤالا يتجاوز الحالة الفرنسية نفسها: متى تتحول البيئة من قضية يتحدث عنها السياسيون إلى قضية تتنافس حولها المشاريع السياسية؟

في المغرب، يكتسب السؤال راهنية خاصة مع اقتراب نهاية الحملة الانتخابية التشريعية الحالية. فقد انطلقت الحملة يوم 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، فيما يجري الاقتراع يوم 23 شتنبر لانتخاب أعضاء مجلس النواب، البالغ عدد مقاعده 395 مقعدا، بمشاركة 27 حزبا.

وخلال هذه الحملة، تظهر قضايا الماء والطاقة والفلاحة والأمن الغذائي والمناخ والاستدامة بدرجات مختلفة داخل الخطاب الحزبي. لذلك تبدو الصورة أكثر تعقيدا من القول إن البيئة غائبة عن المنافسة الانتخابية.

السؤال الأدق يتمثل في طبيعة هذا الحضور: هل تشكل البيئة مرجعية سياسية مستقلة؟ أم أنها تدخل ضمن تصورات أوسع للاقتصاد والتنمية والعدالة المجالية والأمن المائي والغذائي والطاقي؟

البيئة حاضرة، لكن بأي صيغة؟

تكشف قراءة البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية عن حضور متزايد للقضايا البيئية، مع اختلاف واضح في طريقة تقديمها وموقعها داخل المشروع السياسي.

الماء يحتل مساحة واسعة في هذا الخطاب، وهو أمر يرتبط مباشرة بالإجهاد المائي الذي يواجهه المغرب. وتحضر إلى جانبه قضايا تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، والري المقتصد، وحماية المياه الجوفية، وتطوير الطاقات المتجددة، والتكيف مع التغير المناخي، والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتظهر البيئة كذلك من خلال الفلاحة والسيادة الغذائية والأمن الطاقي والعدالة المجالية، ما يجعل الحدود بين السياسة البيئية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية أكثر تداخلا.

وبذلك يمكن قراءة الخطاب الانتخابي المغربي عبر مستويات متعددة: أحزاب تجعل البيئة جزءا صريحا من هويتها السياسية، وأحزاب تضع الإيكولوجيا ضمن مشروع اقتصادي واجتماعي أوسع، وأحزاب تتناول القضايا البيئية من خلال ملفات الماء والطاقة والفلاحة والتنمية الترابية.

من المرجعية البيئية إلى الرؤية الإيكولوجية

يضم المشهد الحزبي المغربي تنظيمات سياسية تحمل البيئة في اسمها ومرجعيتها، وفي مقدمتها حزب البيئة والتنمية المستدامة وحزب الخضر المغربي.

وتمنح هوية هذين الحزبين للبيئة موقعا مركزيا في الخطاب السياسي، باعتبارها مجالا مستقلا للعمل السياسي والبرنامجي. ويشارك حزب البيئة والتنمية المستدامة في الانتخابات التشريعية الحالية، وقد قدم 31 لائحة محلية و9 لوائح جهوية، وفق المعطيات الرسمية الخاصة بالترشيحات.

كما يواصل حزب الخضر المغربي تقديم نفسه باعتباره حزبا ذا مرجعية خضراء، وهو ما يظهر في خطابه المرتبط بالقضايا البيئية وحماية الموارد الطبيعية والتنمية المستدامة.

وفي صيغة مختلفة لحضور البعد الإيكولوجي، يدمج حزب التقدم والاشتراكية البيئة ضمن تصوره الاقتصادي والاجتماعي. فقد أكد الحزب في وثائقه السياسية على التخطيط الإيكولوجي، ومواجهة التحدي المناخي، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وربط المسألة الإيكولوجية بالمسألة الاجتماعية والاستثمار في الاقتصاد الأخضر.

وفي برنامجه الانتخابي الحالي، يربط الحزب بين السيادة الاقتصادية وتأمين الماء والطاقة والغذاء، ويطرح تدابير تتعلق بتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، والحد من ضياع المياه، وتوجيه السياسة الفلاحية نحو الزراعات الأقل استهلاكا للماء، إلى جانب تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة.

ويكتسب هذا الحضور بعدا إضافيا بالنظر إلى أن قضايا الماء كانت أيضا موضوعا متكررا في العمل البرلماني لفريق الحزب خلال الولاية التشريعية 2021–2026، من خلال أسئلة تتعلق بتحلية المياه ومشاريعها وتكلفتها.

وتظهر صيغة أخرى لهذا الحضور في برنامج حزب العدالة والتنمية، الذي يربط السياسة البيئية والاقتصاد الأخضر بقضايا السيادة المائية والطاقية والغذائية. ففي برنامجه الانتخابي لتشريعيات 23 شتنبر 2026، أدرج الحزب ضمن محور الاقتصاد والشغل هدف «تعزيز السياسة البيئية والاقتصاد الأخضر»، إلى جانب تعزيز السيادة الغذائية والمائية والطاقية.

وتظهر البيئة في هذا التصور مرتبطة بقضايا الإنتاج والنمو والاستدامة والسيادة على الموارد، ضمن رؤية تجمع بين الاقتصاد والحاجات الاجتماعية والتحديات البيئية. كما تناولت مواقف الحزب البرلمانية خلال السنوات الماضية قضايا الماء والتنمية المستدامة وتثمين النفايات والاقتصاد الأخضر، إلى جانب الدعوة إلى تحسين تنزيل التشريعات والسياسات البيئية.

الماء والطاقة والغذاء: اللغة البيئية للأحزاب

في برامج أحزاب أخرى، تدخل البيئة ضمن مفهوم أوسع للأمن الاستراتيجي والتنمية المستدامة.

ويقدم حزب الأصالة والمعاصرة نموذجا واضحا لذلك من خلال برنامجه الانتخابي لسنة 2026، الذي يضع الأمن المائي والطاقي والغذائي ضمن «ميثاق الأمان». ويقترح الحزب إنجاز منشآت مائية وحصاد مياه الأمطار، وتسريع تحلية مياه البحر، وتوسيع تقنيات الري المقتصدة، والحفاظ على المياه الجوفية، إلى جانب دعم فلاحة مستدامة مقاومة للتغير المناخي.

أما تحالف اليسار، فيمنح البيئة والتحول الأخضر موقعا مستقلا ضمن برنامجه السياسي المشترك، من خلال محور يحمل عنوان «التحول الأخضر، البيئة والتخطيط الإيكولوجي». ويتضمن هذا المحور التخطيط البيئي والتدبير المستدام للمجالات الترابية، والطاقات المتجددة، والمياه، وتحلية مياه البحر، إلى جانب قضايا مرتبطة بالتحول الأخضر.

وتقدم هذه النماذج صورة عن تنوع المقاربات. فالبيئة تظهر كمرجعية سياسية لدى بعض التنظيمات، وكجزء من التخطيط الاقتصادي والاجتماعي لدى أحزاب أخرى، وكعنصر من عناصر الأمن المائي والطاقي والغذائي في برامج حزبية أخرى.

وتحضر القضايا البيئية كذلك في برامج أحزاب أخرى، من خلال ملفات الماء والطاقة والفلاحة والأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

هل يكفي إدراج البيئة في البرامج؟

تطرح هذه المعطيات سؤالا ضروريا حول الفرق بين حضور البيئة في البرنامج وحضورها في صلب المشروع السياسي.

فإدراج الماء والطاقة والمناخ والفلاحة المستدامة في البرامج الانتخابية يمثل مؤشرا مهما على تحول القضايا البيئية إلى عناصر مرتبطة بالسياسات العمومية. وتزداد أهمية هذه الالتزامات مع درجة تفصيلها: ما الأهداف؟ ما الموارد المالية؟ ما الجدول الزمني؟ من سيتولى التنفيذ؟ وما المؤشرات التي تسمح للمواطن والبرلمان والمجتمع المدني بتقييم النتائج؟

وتتقدم البرامج السياسية في بعدها العملي عندما تنتقل من العناوين العامة إلى التزامات قابلة للقياس. فالمواطن الذي يواجه تحديات مرتبطة بالماء أو الطاقة أو تراجع الموارد الطبيعية يحتاج إلى معرفة السياسة المقترحة، ومراحل تنفيذها، والنتائج المنتظرة منها.

الحملة الانتخابية تحت الاختبار البيئي

البرنامج المكتوب يمثل مستوى من الخطاب السياسي، بينما تكشف الحملة الانتخابية مستوى آخر يتعلق بالموضوعات التي تحضر في اللقاءات والتجمعات والنقاشات مع المواطنين.

وتطرح الحملة الحالية سؤالا عمليا: إلى أي درجة تتحول القضايا البيئية إلى موضوع للنقاش المباشر مع الناخبين؟

الماء، على سبيل المثال، قضية وطنية ذات آثار يومية ومجالية واضحة. والفلاح يواجه أسئلة مرتبطة بالمياه والري وتغير المناخ، وسكان المدن يتابعون قضايا التزويد بالماء وتكلفة الخدمات، والمناطق الساحلية تواجه ضغوطا مرتبطة بالتوسع العمراني والتلوث وتدهور النظم الساحلية.

لذلك يمكن للبيئة أن تنتقل من لغة البرامج إلى لغة المواطن عبر ملفات ملموسة: الماء، النفايات، جودة الهواء، الغابات، الساحل، التلوث الصناعي، النقل، الطاقة، الفلاحة، التنوع البيولوجي والتهيئة الترابية.

البحر المتوسط… ملف انتخابي أيضا

يمنح الموقع الجغرافي للمغرب للبعد البحري مكانة خاصة داخل أي تصور بيئي طويل المدى.

فالمغرب يملك واجهتين بحريتين تمتدان على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وترتبطان بقطاعات اقتصادية واجتماعية واسعة تشمل الصيد البحري والسياحة والنقل والموانئ والصناعات الساحلية.

كما ترتبط البيئة البحرية بقضايا التلوث البلاستيكي، وتدهور الموائل الساحلية، وتغير المناخ، وارتفاع مستوى سطح البحر، والتنوع البيولوجي، والأنواع الغازية، واستدامة الموارد السمكية.

ومن هذه الزاوية، يمكن للسياسة البيئية أن تصبح أيضا سياسة بحرية متكاملة، تربط حماية النظم البحرية بالتنمية الاقتصادية وفرص الشغل والأمن الغذائي والبحث العلمي.

من خطاب البيئة إلى سياسة قابلة للقياس

المرحلة المقبلة تضع الأحزاب أمام اختبار مختلف: كيف تتحول الالتزامات البيئية إلى قرارات ومشاريع وموازنات؟

المغرب راكم خلال السنوات الماضية سياسات واستراتيجيات مرتبطة بالماء والطاقة والانتقال الطاقي والتكيف مع تغير المناخ وحماية التنوع البيولوجي. وتأتي الانتخابات لتفتح نقاشا حول المرحلة التالية: ما الأولويات التي تحتاج إلى تسريع؟ وما المشاريع التي تحتاج إلى مراجعة؟ وما الموارد التي ينبغي تعبئتها؟

في هذا المستوى، تصبح مؤشرات الإنجاز ذات أهمية كبيرة. فمثلا، يمكن قياس سياسة الماء من خلال خفض ضياع المياه، وتوسيع إعادة استعمال المياه العادمة، وتحسين كفاءة الري، وحماية الفرشات المائية، وتطوير مصادر غير تقليدية للمياه.

ويمكن قياس السياسة الطاقية من خلال حصة الطاقات المتجددة، وكفاءة استهلاك الطاقة، وتطوير الشبكات، ودعم الابتكار والصناعة الخضراء.

أما السياسة المناخية فتحتاج إلى مؤشرات مرتبطة بخفض الانبعاثات، والتكيف مع المخاطر، وحماية الفئات والمناطق الأكثر تعرضا لتداعيات التغير المناخي.

الناخب طرف في المعادلة

يحمل المواطن أيضا جزءا من المسؤولية في رفع مستوى النقاش البيئي خلال الحملة الانتخابية.

يمكن للناخب أن يسأل المرشح عن الماء الذي سيصل إلى منطقته، وعن تدبير النفايات، وعن النقل، وعن حماية الأراضي الزراعية والغابات والساحل، وعن دعم الفلاحة المتكيفة مع المناخ، وعن فرص العمل المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.

ويمكنه كذلك أن يسأل عن الكلفة المالية للوعود، والجهة التي ستتولى تنفيذها، والمدة اللازمة لتحقيقها، وكيفية تقييم النتائج.

بهذا المستوى، تتحول البيئة من موضوع متخصص إلى جزء من النقاش حول جودة الحياة والتنمية والاقتصاد والعدالة بين الأجيال.

البيئة في الخطاب المغربي: من الحضور إلى التأثير

تكشف الحملة الانتخابية الحالية أن البيئة حاضرة داخل البرامج السياسية المغربية بصيغ متعددة. حضورها يأخذ شكلا مباشرا لدى الأحزاب ذات المرجعية البيئية، ويظهر داخل التصور الإيكولوجي لبعض الأحزاب ذات المرجعيات السياسية والاجتماعية الأوسع، كما يدخل في برامج أحزاب أخرى عبر الماء والطاقة والأمن الغذائي والفلاحة والتنمية الترابية.

المسألة الأساسية لا ترتبط بعدد المرات التي ترد فيها كلمة «البيئة» داخل البرامج، وإنما بالموقع الذي تحتله القضايا البيئية داخل عملية صنع القرار.

فالماء قضية اقتصادية واجتماعية وبيئية في الوقت نفسه. والطاقة ترتبط بالسيادة الاقتصادية وبالتحول المناخي. والفلاحة تجمع بين الأمن الغذائي والموارد الطبيعية والمناخ. والبحر يجمع بين الاقتصاد والتنوع البيولوجي والأمن الغذائي والساحل.

وبذلك يصبح إدماج البيئة في السياسة العمومية مرتبطا بقدرة البرامج على جمع هذه الملفات ضمن رؤية متماسكة، مع أهداف واضحة وآليات تنفيذ ومؤشرات للمساءلة.

ما بعد 23 شتنبر

مع انتهاء الحملة الانتخابية وإجراء الاقتراع في 23 شتنبر، ينتقل النقاش إلى مرحلة مختلفة. فالالتزامات البيئية التي ظهرت في البرامج تحتاج إلى اختبار داخل المؤسسات، من خلال التشريع والميزانية والرقابة والسياسات العمومية.

وستكون قضايا الماء والمناخ والطاقة والأرض والبحر من الملفات التي تسمح بقياس المسافة بين الخطاب والممارسة.

البيئة دخلت بالفعل إلى البرامج السياسية المغربية، والتحدي المقبل يتمثل في تحويل هذا الحضور إلى سياسات واضحة، قابلة للقياس، وقابلة للمساءلة.

فالمقاعد البرلمانية لها ولاية محددة، أما القرارات المتعلقة بالماء والمناخ والطاقة والأرض والبحر فتترك آثارها لسنوات طويلة. وفي هذا المعنى، تتعلق السياسة الإيكولوجية في جوهرها بصورة المغرب الذي نختار أن نتركه للأجيال المقبلة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!