ندوة علمية حول «واقع ومستقبل الرقابة على مالية الجماعات الترابية بالمغرب»

محمد التفراوتيمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
ندوة علمية حول «واقع ومستقبل الرقابة على مالية الجماعات الترابية بالمغرب»

آفاق بيئية: محمد التفراوتي 

في إطار أنشطته العلمية والتكوينية، احتضن ماستر التدبير العمومي الترابي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بآيت ملول، جامعة ابن زهر، ندوة علمية حول موضوع: «واقع ومستقبل الرقابة على مالية الجماعات الترابية بالمغرب».
وقد شكلت هذه الندوة مناسبة لتسليط الضوء على إحدى القضايا الجوهرية في التدبير العمومي المحلي، والمتعلقة بحماية المال العام وترسيخ مبادئ الحكامة المالية الجيدة.
نسق أشغال الندوة كل من الدكاترة صفية لعزيز، وحسن الليلي، وعبد الرحيم خالص، بمشاركة ثلة من الطلبة والباحثين المهتمين بقضايا الحكامة المالية والتدبير الترابي، مما أضفى على اللقاء طابعا أكاديميا غنيا بالنقاش والتفاعل.
استهلت رئيسة الندوة، الدكتورة صفية لعزيز، أشغال اللقاء بكلمة ترحيبية وتحفيزية، نوهت فيها بمبادرة تنظيم هذه الندوة العلمية، وباختيار إشراك طلبة السنة الثانية في تقديم وتأطير الجلسات، معتبرة أن ذلك يندرج ضمن الأهداف الجوهرية للتكوين، والمتمثلة في إعداد أطر قادرة على التحليل النقدي، والتأطير العلمي، والمساهمة الفعالة في النقاش العمومي الترابي.
من جهته، أكد المنسق البيداغوجي للماستر، الدكتور حسن الليلي، على أهمية اعتماد المقاربة الميدانية إلى جانب التكوين النظري، مشددا على ضرورة ربط الجانب الأكاديمي بالتطبيق العملي، من خلال مثل هذه اللقاءات العلمية التي تتيح للطلبة فرصة الاحتكاك المباشر بقضايا التدبير العمومي.
أما الدكتور عبد الرحيم خالص، فقد ألقى كلمة تحفيزية عميقة التفاعل، عبر فيها عن انفتاحه الدائم على البحث والمعرفة، انطلاقا من قناعة راسخة بأهمية استمرارية نقل المشعل العلمي من جيل إلى جيل، في إطار من العرفان والامتنان للأساتذة السابقين. واعتبر أن هذه الجلسات العلمية تندرج ضمن مسعى تشجيع البحث العلمي، ليس فقط نظريا، بل من خلال أجرأته عمليا. و أبرز أن الإشكال في عصر الرقمنة لا يكمن في ندرة المعلومة، بل في كيفية توظيفها منهجيا داخل البحث العلمي، مؤكدا أن الباحث الحقيقي هو من يحسن تحويل المعطيات المتاحة إلى معرفة علمية رصينة. واستحضر في هذا السياق مقولات تحفيزية حول قيمة العلم، باعتباره قاطرة المجتمعات نحو التقدم، مشددا على أن البحث والاجتهاد طريق الوصول، وأن من يسعى بصدق سيبلغ غايته آجلا أم عاجلا.
وأشار الدكتور خالص، في تشبيه لافت، إلى أن العلم كالموت لا يفرق بين صغير وكبير، أو ذكر وأنثى، أو غني وفقير، فالجميع أمامه سواء، خاصة في هذا العصر الذي تتوفر فيه الإمكانات، شريطة الإيمان بالعلم أولا، وبالذات الباحثة قبل كل شيء.

وخلال الجلسة الافتتاحية، ألقى الأستاذ وليد إهدار، منسق الفوج الأول لماستر التدبير العمومي الترابي، مداخلة أكد فيها أن هذا الملتقى يندرج ضمن التحولات العميقة التي يعرفها التدبير العمومي بالمغرب، حيث لم تعد الرقابة على مالية الجماعات الترابية مجرد أداة لضبط المشروعية، بل أضحت رافعة أساسية لتحقيق الحكامة الجيدة وتجويد الأداء الترابي.
وانطلاقا من التوجيهات العلمية للدكتور عبد الرحيم خالص، تم التأكيد على جعل هذه الحلقات النقاشية فضاء علميا لتسليط الضوء على ثنائية “الواقع والآفاق” في مجال الحكامة المالية الترابية. فإذا كان الواقع يفرض تحديات قانونية وتقنية معقدة، فإن المستقبل يستشرف رقابة استراتيجية تواكب رهانات الجهوية المتقدمة والتدبير الترابي الفعال.
ومن هذا المنطلق، افتتحت الندوة باب النقاش من خلال جلستين علميتين، جرى خلالهما تقديم قراءة متفحصة لمفهوم الرقابة، وآلياتها المتعددة، ومآلاتها المنتظرة، في أفق تعزيز الحكامة المالية الترابية بالمغرب.

الجلسة الأولى: الرقابة على المالية الترابية: تعريفها، أنواعها وأجهزتها

ترأست الجلسة الأولى الباحثة مريم الفيثي، باحثة حاصلة على ماستر التدبير الإداري والمالي للجماعات الترابية. وقد خصصت هذه الجلسة لتأطير الإطار المفاهيمي والدستوري والقانوني والمؤسساتي للرقابة على المالية الترابية.

في هذا السياق، تناول الباحث عبد الرحيم بن دراعو الإطار المفاهيمي للرقابة على المالية الترابية، مؤكدا على أهميتها المركزية في حماية المال العام وضمان سلامة التدبير العمومي المحلي. وانطلق من إشكالية تعدد تعريفات الرقابة واختلاف دلالاتها، ليقوم بتحديدها لغة واصطلاحا، وتتبع تطورها من مفاهيم التفتيش والمراجعة إلى دلالات التحكم والتقويم الحديثة. كما ميز بينها وبين مفاهيم قريبة كالمراقبة والتفتيش والفحص، مبرزا أن الرقابة المالية الحديثة تشكل أداة توجيه وتحسين وتقييم، وتسهم في ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

من جانبه، تناول الباحث عزيز الزعيم الإطار الدستوري والقانوني للرقابة على مالية الجماعات الترابية، مبرزًا الأسس الدستورية المؤطرة لها، خاصة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس الحكامة الجيدة في تدبير المالية العمومية. كما حلل المقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لمختلف آليات الرقابة، وتوقف عند أدوار الولاة والعمال، والمفتشيات العامة، والمجالس الجهوية للحسابات، وآليات الرقابة التشاركية، مبرزًا التحديات المرتبطة بالتنزيل العملي وضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف المتدخلين.

وفي مداخلة ثالثة، تناول الباحث محسن ايت عزيزي أنواع الرقابة على مالية الجماعات الترابية، منطلقا من تصنيف ثلاثي يعتمد المعيار الزمني (الرقابة القبلية، المواكبة، والبعدية)، والمعيار المؤسساتي، والمعيار الوظيفي. وأبرز دور الرقابة القبلية في الوقاية من المخاطر المالية، والرقابة المواكبة في التتبع الآني لتنفيذ الميزانية، والرقابة البعدية في التقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة من خلال المجالس الجهوية للحسابات. كما توقف عند أهمية الرقابة السياسية والشعبية في تعزيز الشفافية والمساءلة.

وتناول الباحث أيوب بوقدير أجهزة الرقابة على مالية الجماعات الترابية، مبرزا الرقابة الإدارية الداخلية والخارجية، والرقابة السياسية التي تمارسها المجالس المنتخبة، والرقابة القضائية التي تضطلع بها المحاكم المالية. وخلص إلى أن تعدد الأجهزة يشكل منظومة متكاملة، غير أن فعاليتها تظل رهينة بتوضيح الاختصاصات وتعزيز التنسيق بينها.

و تناولت الباحثة سناء أحفى دور المجالس الجهوية للحسابات في رقابة المالية الترابية، مستعرضة الإطار الدستوري والقانوني المؤطر لعملها، واختصاصاتها القضائية والإدارية، ودورها في البت في الحسابات، والتأديب المالي، وتقييم التسيير. وأشارت إلى الإكراهات المرتبطة بضعف الموارد البشرية واللوجستية، وعدم تفعيل التوصيات، مؤكدة على ضرورة دعم هذه المؤسسات لتعزيز الحكامة المالية.

الجلسة الثانية: إشكالات وآفاق الرقابة على المالية الترابية بالمغرب

ترأست الجلسة الثانية الأستاذة فدوى قربال، باحثة حاصلة على ماستر التدبير الإداري والمالي للجماعات الترابية. وقد خصصت هذه الجلسة لمناقشة الإشكالات العملية واستشراف آفاق تطوير الرقابة على المالية الترابية.

في هذا الإطار، تناول الباحث لحسن أوبلحاج مساطر وآليات مراقبة ميزانية الجماعات الترابية، مبرزا أدوار الوالي أو العامل، والمحاسب العمومي، والمفتشيات العامة، والمجالس الجهوية للحسابات، مؤكدا على التحول من الرقابة الزجرية إلى الرقابة المواكبة والوقائية.

وتطرقت الباحثة سميرة الخشيبي إلى مسؤولية الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين، مبرزة طبيعة العلاقة القائمة على الاستقلال الوظيفي والتكامل العضوي، ومشخصة أبرز الاختلالات العملية، قبل أن تقترح آفاق إصلاح تقوم على مراجعة فلسفة المسؤولية، وإدماج الرقمنة، وتوحيد النصوص القانونية، وترسيخ البعد الأخلاقي.

أما الباحثة سلمى أزطام، فقد تناولت موضوع الرقابة المرقمنة لمالية الجماعات الترابية، مبرزة رهانات التحول الرقمي، وآليات الرقابة الرقمية، والإكراهات المرتبطة بالتأهيل البشري والبنية التحتية والأمن السيبراني، مؤكدة أن الرقمنة تشكل رافعة استراتيجية لتجويد الحكامة المالية.

وتناول الباحث سفيان المعدل موضوع الرقابة المجتمعية وثقافة حماية المال العام الترابي، مبرزا دور المجتمع المدني والحق في المعلومة والآليات التشاركية، ومشخصًا الإكراهات القانونية والمؤسساتية، قبل أن يقترح سبل تعزيز الرقابة المجتمعية ودعم قدرات الفاعلين المدنيين.

واختتمت الجلسة بمداخلة للباحث.عز الدين بن الظاهر حول آفاق تطوير الرقابة على المالية الترابية، حيث استعرض الإكراهات البنيوية والتقنية، واقترح مسارات إصلاحية تقوم على اللاممركزة، وتحديث آليات الرقابة، وتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، والانتقال من منطق الزجر إلى منطق الحكامة.

خلصت الندوة إلى أن الرقابة على المالية الترابية بالمغرب تشكل منظومة متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها الرقابة الإدارية، والقضائية، والسياسية، والمجتمعية، والرقمية. غير أن هذه المنظومة تواجه تحديات قانونية وتقنية وبشرية ومؤسساتية، مما يستدعي إصلاحات عميقة تقوم على تعزيز الموارد البشرية، وتفعيل الرقمنة، ودعم المجتمع المدني، وتوحيد المرجعيات القانونية، بما يضمن حماية المال العام وترسيخ الحكامة المالية الجيدة ودعم مسار التنمية الترابية المستدامة.

تؤكد مداخلات الجلستين، بتكاملها المفاهيمي والعملي، أن الرقابة على المالية الترابية بالمغرب أضحت بنية متشابكة، تجمع بين الشرعية القانونية، الفعالية التدبيرية، المشاركة المجتمعية، والدعم الرقمي، بما يجعلها رافعة أساسية لترسيخ الحكامة الجيدة وضمان التنمية المستدامة. فقد مكنت الجلسة الأولى من تأطير الأسس النظرية والمؤسساتية للرقابة، وإبراز تطورها من منطق التفتيش والمراقبة إلى منطق التقويم والتوجيه وتحسين الأداء، بما يعكس تحولا تدريجيا نحو حكامة مالية ترابية قائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي امتداد هذا التأطير، فتحت الجلسة الثانية نقاشا معمقا حول الإكراهات العملية التي تعترض تنزيل منظومة الرقابة، سواء على مستوى تعدد المتدخلين، أو تعقيد المساطر، أو محدودية الموارد البشرية والتقنية، أو ضعف تفعيل التوصيات الرقابية. كما سلطت الضوء على التحولات الجديدة التي يعرفها هذا المجال، خاصة من خلال الرقمنة، والرقابة المواكِبة، والرقابة المجتمعية، باعتبارها مداخل أساسية لتجاوز اختلالات التدبير التقليدي وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات الترابية.
وخلصت الندوة إلى أن إصلاح منظومة الرقابة على المالية الترابية يظل رهينا بانتقال نوعي من منطق التتبع اللاحق والزجر إلى منطق الوقاية والاستباق والمواكبة، ومن تعدد النصوص وتشتت المرجعيات إلى توحيد الرؤية وتكامل الأدوار، ومن رقابة منغلقة إلى رقابة منفتحة تشاركية تستثمر في الرقمنة، وتدعم قدرات الموارد البشرية، وتعلي من قيم النزاهة والأخلاق العمومية. وعليه، تشكل هذه الندوة محطة علمية وتكوينية وازنة في مسار التفكير الجماعي حول مستقبل الحكامة المالية الترابية، ودعوة صريحة إلى جعل الرقابة رافعة حقيقية للتنمية الترابية المستدامة، في انسجام مع التحولات الدستورية والمؤسساتية التي يشهدها المغرب.

شهدت الندوة لحظة مؤثرة تم خلالها تكريم الدكتورة صفية لعزيز، اعترافا بمسارها الأكاديمي وإسهاماتها العلمية. وقد تسلمت درع التكريم من الدكتور حسن الليلي، منسق الفريق البيداغوجي لماستر التدبير العمومي الترابي، والدكتور عبد الرحيم خالص، عضو الفريق ذاته.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!