آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في 17 يناير 2026، دخلت معاهدة أعالي البحار حيز التنفيذ، فاتحة صفحة جديدة في تاريخ حوكمة المحيطات، ومعلنة انتقال المجتمع الدولي من مرحلة الوعي المتأخر بأزمة المحيطات إلى زمن الفعل القانوني والمؤسساتي. هذا الاتفاق، المعروف رسميا باسم اتفاقية حفظ التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية (BBNJ)، يمثل نص قانوني جديد، و يعكس تحولا عميقا في تصور الإنسانية للمحيط بوصفه إرثا مشتركا للبشرية لا مجال لاستباحته أو استنزافه دون ضوابط.
المحيط المفتوح… نصف الكوكب بلا حارس
تشكل أعالي البحار ما يقارب نصف مساحة كوكب الأرض، وتمتد خارج سيادة الدول، لتحتضن نظما بيئية شديدة التعقيد والتنوع. من العوالق المجهرية التي تشكل قاعدة السلسلة الغذائية، إلى الحيتان العملاقة، ومن الجبال البحرية العميقة إلى الممرات الكبرى لهجرة الكائنات البحرية. ورغم هذه الأهمية الحيوية، ظلت هذه المساحات لعقود طويلة خارج أي إطار حماية فعال، عرضة للصيد الجائر، والتلوث، والضغوط المتزايدة لتعدين أعماق البحار.
ويضع دخول معاهدة أعالي البحار حيز التنفيذ حدا لهذا الفراغ القانوني، ويؤسس لأول مرة نظاما قانونيا دوليا ملزما لحماية التنوع البيولوجي في هذه المناطق، وضمان الاستخدام المستدام لمواردها، وتقاسم منافعها بشكل عادل بين الدول، خصوصا الدول النامية.
انتصار للتعددية في زمن الاضطراب
يكتسب هذا الحدث دلالة سياسية وأخلاقية خاصة في سياق دولي يتسم بتراجع الثقة في التعددية، وتصاعد النزعات الأحادية. فقد استغرق التوصل إلى نص الاتفاق أكثر من عقدين من المفاوضات الشاقة، وتوج في مارس 2023، قبل أن يكتمل النصاب القانوني لدخوله حيز التنفيذ في سبتمبر 2025، بوصول عدد المصادقة إلى ستين دولة.
وفي هذا السياق، تقرأ المعاهدة باعتبارها نصبا رمزيا للتعاون الدولي، ودليلا على أن القضايا الكونية، كأزمة المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، لا يمكن معالجتها إلا عبر حلول جماعية. فهي تذكير بأن المحيط لا يعترف بالحدود السياسية، وأن مصير الدول مترابط بعمق عبر هذا الفضاء الأزرق المشترك.
من النص إلى الأثر: أدوات التغيير
وتمنح معاهدة أعالي البحار، مع دخولها حيز التنفيذ، إطارا عمليا غير مسبوق لترجمة الالتزامات الدولية إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع. فهي تفتح المجال لأول مرة أمام المجتمع الدولي لإنشاء مناطق بحرية محمية في أعالي البحار، بما يسمح بحماية النظم البيئية الحساسة والممرات الحيوية لهجرة الكائنات البحرية في مساحات ظلت لعقود بعيدة عن أي شكل من أشكال الحماية. كما ترسي المعاهدة التزامات واضحة تفرض على الدول ضمان الاستخدام المستدام للموارد البحرية، من خلال إخضاع الأنشطة المزمع تنفيذها لتقييمات دقيقة للأثر البيئي، وتعزيز مبدأ الشفافية عبر الإخطار العلني بهذه الأنشطة. وفي موازاة ذلك، تؤكد الاتفاقية على أهمية بناء القدرات ونقل التكنولوجيا، باعتبارهما شرطين أساسيين لتحقيق عدالة بيئية حقيقية، تمكن الدول النامية من المشاركة الفاعلة في حماية أعالي البحار والاستفادة المنصفة من مواردها، لا سيما الموارد الجينية البحرية. وبهذا التصور المتكامل، تتحول المعاهدة من مجرد وثيقة قانونية إلى أداة تشغيلية قادرة على دعم الأهداف العالمية للتنوع البيولوجي والمناخ، وعلى رأسها الالتزام بحماية 30 في المائة من المحيطات بحلول عام 2030.
التحدي الحقيقي: التنفيذ
غير أن القيمة الحقيقية للمعاهدة لن تقاس بتاريخ دخولها حيز التنفيذ، بل بمدى التزام الدول بتطبيقها. فالمسار المقبل يتطلب بناء مؤسسات فعالة، وانعقاد أول مؤتمر للأطراف (CoP1) خلال عام، وتحديد مواقع ذات أولوية للحماية، وإطلاق أولى المناطق البحرية المحمية في أعالي البحار. كما أن توسيع قاعدة العضوية يظل شرطا أساسيا لنجاح الاتفاق. فكلما ازداد عدد الدول الأطراف، تعززت شرعيته وفعاليته، وتقلصت فرص الالتفاف عليه في الهيئات الدولية المعنية بالصيد والشحن واستغلال المعادن.
ورغم الطابع العالمي لمعاهدة أعالي البحار، فإن آثارها لا تتوقف عند المحيطات المفتوحة فحسب، بل تمتد لتشمل أحواضا بحرية شبه مغلقة ذات حساسية إيكولوجية عالية، وفي مقدمتها البحر المتوسط. فعلى الرغم من أن هذا البحر لا يصنف من حيث المبدأ ضمن أعالي البحار، بحكم تقارب سواحله وتشابك الولايات الساحلية المطلة عليه، فإن دخول المعاهدة حيز التنفيذ يحمل دلالات مباشرة لهذا الفضاء البحري المعقد. فالمتوسط، الذي لا تتجاوز مساحته 1 في المائة من مجموع محيطات العالم، يحتضن قرابة 10 في المائة من تنوعها البيولوجي، في وقت يرزح فيه تحت ضغوط غير مسبوقة ناجمة عن الصيد المفرط، والتلوث البلاستيكي، والضجيج تحت المائي، وتداعيات التغير المناخي. وفي هذا السياق، تبرز المعاهدة كمرجع معياري جديد قادر على إعادة تشكيل أنماط الحوكمة البحرية في المتوسط، ولا سيما في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية الجزئية، وفي الممرات البحرية المفتوحة التي تعتمدها الأنواع المهاجرة، بما يعزز مقاربة أكثر تكاملا لحماية النظم البيئية البحرية العابرة للحدود.
كما أن الآليات التي تكرسها الاتفاقية، من تقييم الأثر البيئي، وبناء القدرات، وتبادل المعطيات العلمية، وتقاسم المنافع، توفر نموذجا قابلا للاستلهام والتكييف داخل الإطار المتوسطي، خصوصا في ظل التفاوت الكبير في الإمكانات التقنية والمؤسساتية بين ضفتيه الشمالية والجنوبية. فنجاح المعاهدة في أعالي البحار قد يمنح دفعة جديدة لتعزيز التعاون الإقليمي في المتوسط، وتكاملها مع اتفاقيات قائمة مثل برشلونة وبروتوكولاتها، بما يتيح الانتقال من حماية مجزأة إلى رؤية إيكولوجية شاملة، تعترف بوحدة النظام البحري وترابط مصيره مع أعالي البحار والمحيطات المفتوحة.
و لا تبدو معاهدة أعالي البحار حدثا بعيدا عن المتوسط، بل فرصة تاريخية لإعادة التفكير في موقعه داخل الحوكمة العالمية للمحيطات، ولتحويله من بحر مثقل بالضغوط إلى مختبر إقليمي لحلول مبتكرة في حماية التنوع البيولوجي البحري، واستدامة الموارد، وتعزيز العدالة البيئية بين الشمال والجنوب.
لحظة مفصلية لمستقبل الكوكب
إن دخول معاهدة أعالي البحار حيز التنفيذ بداية اختبار تاريخي. هل يستطيع العالم تحويل هذا الإنجاز القانوني إلى حماية ملموسة للنظم البيئية البحرية؟ وهل تنجح الإنسانية في إعادة تعريف علاقتها بالمحيط من منطق الاستغلال إلى منطق الوصاية والمسؤولية؟
في منتصف هذا العقد الحاسم، تبدو الرسالة واضحة. حماية أعالي البحار ليست ترفا بيئيا، بل شرطا لبقاء التوازن المناخي، وضمان الأمن الغذائي، وصون مستقبل الأجيال القادمة. ومع هذه المعاهدة، باتت لدى العالم الأدوات، ويبقى الرهان على الإرادة.









































