المتوسط تحت المجهر العلمي: معطيات دقيقة… واستجابة سياسية متأخرة

محمد التفراوتيمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
المتوسط تحت المجهر العلمي: معطيات دقيقة… واستجابة سياسية متأخرة

آفاق بيئية: محمد التفراوتي 

البحر الأبيض المتوسط بين ضغط التغير المناخي ورهان العلم العابر للتخصصا

خلال ورشة عمل علمية  احتضنتها تونس حول حماية البحر المتوسط والإدارة المستدامة للموارد البحرية، قدمت الدكتورة منى البور عرضا مرجعيا رسم الإطار العام لوضعية المتوسط، من خلال ربط تطور السياسات البيئية العالمية منذ قمة الأرض بريو دي جانيرو (1992)، وصولا إلى أفق مؤتمرات المناخ الحالية، في أفق قمة المناخ COP30.
وأكدت المتدخلة أن مفهوم التنمية المستدامة، رغم ترسيخه كأفق كوني، ظل ضعيف الإدماج في السياسات العمومية، بسبب تجزؤ الحوكمة البيئية وتشتت المقاربات القطاعية، ما انعكس سلبا على النظم البيئية الهشة، وفي مقدمتها حوض البحر المتوسط.

ضغوط ديموغرافية وسياحية غير مسبوقة

وأبرزت الدكتورة البور، مدعومة بمعطيات رقمية دقيقة، أن المتوسط يضم نحو 515 مليون نسمة، يعيش قرابة ثلثهم على السواحل، إضافة إلى استقباله حوالي 220 مليون سائح سنويا، أي ما يعادل 32 في المائة من السياحة العالمية. هذا الثقل الديموغرافي والسياحي يضاعف الضغط على الموارد الطبيعية والبنيات التحتية الساحلية، ويزيد من هشاشة المنظومات البيئية.

وتطرقت المداخلة إلى مختلف أشكال التدهور البيئي، من استنزاف الموارد المائية وحرائق الغابات، إلى التلوث البحري، وتكثيف الأنشطة الفلاحية مقابل هجر الأراضي، والتوسع العمراني المتسارع، فضلا عن تنامي البنيات التحتية السكنية والنقل، في سياق إقليمي يتسم باضطرابات سياسية غير مسبوقة. كما شددت على التأثيرات المتسارعة للتغير المناخي، وما وصفته بظاهرة “استوائية” مناخ البحر المتوسط.

المتوسط كنظام بيئي، اجتماعي معقد

في هذا السياق، دعت الدكتورة منى إلى “التفكير بشكل مختلف”، معتبرة أن البحر المتوسط ليس مجرد فضاء طبيعي، بل نظام بيئي، اجتماعي شديد التعقيد، لا يمكن فهمه أو تدبيره إلا عبر مقاربة شمولية عابرة للتخصصات، تجمع بين العلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والمعارف البيئية المحلية.

اللجنة الدولية للاستكشاف العلمي للبحر المتوسط (CIESM): قرن من الاستكشاف العلمي المستقل

واستعرضت المتحدثة الدور المحوري للجنة الدولية للاستكشاف العلمي للبحر المتوسط (CIESM)، باعتبارها منظمة حكومية دولية للبحث العلمي البحري منذ 1912، تدافع عن استقلالية التعبير العلمي وتضمن مصداقية المعرفة لفائدة المجتمع وصناع القرار.
وقدمت عرضا مفصلاً لبرامج الرصد العلمي، من بينها استخدام مجسات HOBO Water Pro V2 لرصد حرارة المياه على أعماق مختلفة، وبرنامجي T-MedNET و HYDROCHANGES اللذين يوفران سلاسل زمنية طويلة الأمد لرصد تغير حرارة المياه السطحية والعميقة، إضافة إلى برنامج Tropical Signals المخصص لرصد الإشارات الاستوائية في المتوسط.

مؤشرات مقلقة: احترار، نفوق جماعي، وغزو بيولوجي

وأشارت إلى أن هذه المعطيات العلمية كشفت عن شذوذ متزايد في درجات حرارة سطح البحر، استنادا إلى بيانات MeteoFrance، وتسجيل أحداث نفوق جماعي للكائنات البحرية (MME) موثقة في الأدبيات العلمية، نتيجة الإجهاد الحراري.كما نبهت إلى الانتشار المقلق للأنواع غير المحلية، حيث تم تسجيل 986 نوعا غريبا، ما يجعل المتوسط من بين أكثر المناطق تعرضا للغزو البيولوجي عالميا، مستعرضة دور أطلس اللجنة الدولية للاستكشاف العلمي للبحر المتوسط (CIESM) التي توفر سلاسل زمنية تمتد لأكثر من 18 سنة.

الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي

وفي محور الابتكار، قدمت منصة التحليل العلمي للبيانات البيئية (PRISM) التابعة لـ للجنة الدولية للاستكشاف العلمي للبحر المتوسط (CIESM)، كأداة متقدمة للتصور التفاعلي ثلاثي الأبعاد، تتيح استكشاف ومشاركة البيانات الجغرافية المعقدة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ضمن فضاء علمي آمن ومفتوح، مع الإعلان عن استقبال بيانات دولية قيد التحقق ابتداء من سنة 2026.

مخاطر مستقبلية متصاعدة

وحذرت المتدخلة من أن تواتر وشدة الأحداث المناخية القصوى المصنفة كأحداث “مئوية”، قد يرتفع بنسبة تتراوح بين 10 في المائة و30 في المائة بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين، مما يشكل تهديدا مباشرا للمواقع الطبيعية والتراثية والبنيات التحتية الساحلية.

العلم التشاركي والمعرفة المحلية

و أبرزت المتحدثة أهمية العلم التشاركي والمعرفة البيئية المحلية (LEK)، مؤكدة أن إشراك المواطنين، ولا سيما الصيادين، يمثل مصدرا مكملا للمعرفة العلمية، ويسهم في رصد التغيرات في تنوع الأسماك وتواترها. وقدمت مثالا ببرنامج اللجنة “CIESM” حول الأنواع المهاجرة، الذي شمل تكوين الصيادين في الإسكندرية خلال ماي 2024، لتعزيز الصمود المجتمعي عبر التعليم العابر للتخصصات.

صحة المحيط وصحة الإنسان و مسارات التكيف والإعلام كفاعل بيئي

وتوقفت الدكتورة منى عند العلاقة الوثيقة بين صحة المحيط وصحة الإنسان، مشيرة إلى أن التلوث البحري، خاصة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، يتفاعل مع الكائنات الحية الدقيقة ويدخل في الدورات البيوجيوكيميائية، بما يؤثر على السلاسل الغذائية وصحة الإنسان على المدى البعيد.

وعرضت خمسة مسارات أساسية للتكيف في المنطقة المتوسطية: المناخي، والاجتماعي، الاقتصادي، والطبيعي، والمؤسساتي، والعلمي، مقدمة مثال سمكة الأسد التي تحولت من غزو بيولوجي إلى فرصة بيئية واقتصادية محتملة.
وفي ما يخص الإعلام، شددت على دوره في بناء سردية مشتركة تعكس التعقيد القائم في العلاقة بين الإنسان والبيئة، معتبرة أن الإعلام البيئي فاعل استراتيجي في الحماية البيئية، وليس مجرد ناقل للمعلومة.

واختتمت مداخلتها بتسليط الضوء على دور شبكة خبراء التغير المناخي في البحر المتوسط (MedECC) كآلية ربط بين العلم والسياسات العمومية، من خلال تقارير قائمة على منهجية صارمة، واختيار علمي دقيق للمؤلفين، ومراجعة مفتوحة وتتبع شفاف للمصادر. وخلصت إلى أن التقدم الحقيقي لن يتحقق إلا حين تؤثر العلوم المستقلة، المتعددة التخصصات في القرار السياسي، لا أن تكون خاضعة له.

بين قوة المعطى وحدود التحويل إلى سياسة

يشار ان العرض العلمي للدكتورة منى البور أبرز تماسكا منهجيا لافتا، من حيث الربط بين السلاسل الزمنية طويلة الأمد، والبيانات الرصدية الدقيقة، والتحليل العابر للتخصصات، ما يمنح تشخيص وضعية البحر المتوسط مصداقية علمية عالية. غير أن هذا الغنى المعرفي يطرح، في المقابل، سؤالا مركزيا حول قدرة العلم على اختراق دوائر القرار العمومي في فضاء متوسطي يتسم بتفاوتات سياسية واقتصادية ومؤسساتية حادة. فبينما تؤكد المعطيات العلمية تسارع الاحترار، وتنامي الغزو البيولوجي، وتزايد المخاطر المناخية القصوى، يظل تحويل هذه المعرفة إلى سياسات وقائية واستباقية رهينا بإرادة سياسية جماعية، وبآليات حوكمة تتجاوز منطق التجزئة الوطنية والقطاعية. كما أن الدعوة إلى المقاربة العبر تخصصية، رغم وجاهتها العلمية، تصطدم عمليا بضعف التنسيق بين البحث العلمي، والفاعلين المحليين، والمؤسسات الإعلامية، ما يحد من الأثر المجتمعي للمعرفة المنتجة. من هنا، لا تكمن المعضلة في نقص البيانات أو الأدوات العلمية، بل في الفجوة المستمرة بين المعرفة والفعل، وهي فجوة لا يمكن ردمها إلا بإعادة تموقع العلم في قلب القرار، وتثبيت الإعلام كشريك نقدي، لا وسيطا محايدا، في معركة حماية المتوسط.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!