رهانات الحماية وعرض للمناطق البحرية المحمية والمتنزهات الوطنية البحرية في المتوسط
آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الأزمات البيئية مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، يبرز البحر المتوسط كأحد أكثر الفضاءات البحرية تعقيدا وحساسية في العالم. فهو بحر شبه مغلق، محدود التجدد، شديد الارتباط بالأنشطة البشرية، وفي الوقت نفسه يشكل خزانا استثنائيا للتنوع البيولوجي. هذه المفارقة كانت في صلب ورشة العمل التي احتضنتها تونس حول حماية البحر المتوسط والإدارة الرشيدة للموارد البحرية، المنظمة في إطار مشاريع “شبكة الاعلاميين”Réseau) des journalistes) التابعة لجمعية Africa21، والتي استهدفت تعزيز فهم الإعلاميين المغاربيين والمتوسطيين للقضايا البيئية البحرية.
ضمن هذا السياق، قدم الدكتور ياسين رمزي الصغير، المسؤول بالمركز الإقليمي للأنشطة المتعلقة بالمناطق الخاصة الحماية (SPA/RAC) التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة/خطة عمل المتوسط (UNEP/MAP)، مداخلة مرجعية اتسمت بالشمول والدقة العلمية، واضعا المشاركين أمام صورة متكاملة لوضعية المتوسط، من حيث الغنى البيولوجي، وحجم الضغوط، وأطر الحماية، وحدود الفعالية، والتحديات المستقبلية.
استهل الدكتور رمزي عرضه بتأكيد حقيقة علمية مركزية، مفادها أن البحر المتوسط، رغم أنه لا يمثل سوى حوالي 0.3 في المائة من الحجم الإجمالي لمياه المحيطات، يحتضن ما يقارب 18 في المائة من الأنواع البحرية المعروفة عالميا. هذا المعطى وحده كاف لتصنيف المتوسط ضمن النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي على الصعيد العالمي، ليس فقط من حيث عدد الأنواع، بل أيضا من حيث نسبة الأنواع المستوطنة التي لا توجد في أي مكان آخر. غير أن هذا الغنى الاستثنائي، كما أوضح المتدخل، يواجه اليوم تراجعا حادا ومتسارعا. فالتنوع البيولوجي في المتوسط يشهد انحدارا موثقا علميا، تظهر انعكاساته في فقدان خدمات النظم البيئية التي يعتمد عليها الإنسان، سواء من حيث الأمن الغذائي المرتبط بالثروة السمكية، أو الحماية الطبيعية للسواحل من التعرية والفيضانات، أو الدور الحيوي للنظم البحرية في تنقية المياه وعزل الكربون. وأبرز الدكتور رمزي أن هذا التراجع يقاس باختفاء الأنواع، و أيضا بتدهور الموائل، وهو ما يجعل استعادة التوازن أكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، توقف عند مثال مروج البوسيدونيا (Posidonia oceanica)، التي تعد من أهم الموائل البحرية في المتوسط، مشيرا إلى أن هذه المروج فقدت ما يقارب 30 في المائة من مساحتها خلال الخمسين سنة الأخيرة. كما أشار إلى أن حوالي 78 في المائة من مواطن الأراضي الرطبة في حوض المتوسط قد اختفت منذ سنة 1970، وهو ما يعكس حجم الضغط المتراكم على النظم الساحلية.
البحر المتوسط تحت ضغط متعدد الأبعاد
وانتقل الدكتور ياسين رمزي بعد ذلك إلى توصيف المتوسط باعتباره بحرا يعيش تحت ضغط متعدد الأبعاد، حيث لا يمكن اختزال الأزمة في عامل واحد. فالتغير المناخي، وارتفاع حرارة المياه، وتحمض البحار، والتوسع العمراني والسياحي غير المنضبط، والصيد الجائر، والتلوث القادم من اليابسة، وكثافة الملاحة البحرية، والأنشطة النفطية والغازية، كلها عوامل تتداخل وتتعاضد، لتنتج وضعية بيئية هشة. وأكد أن خطورة هذه الضغوط تكمن في تفاعلها، وليس فقط في وجودها، ما يجعل المتوسط نموذجا مصغرا للتحديات البيئية العالمية.
وفي معرض حديثه عن الاستجابة المؤسسية لهذه التحديات، قدم المتدخل عرضا مفصلا للإطار القانوني والإقليمي الذي يحكم حماية المتوسط، مبرزا الدور المحوري لاتفاقية برشلونة، التي تم اعتمادها سنة 1976، قبل أن يتم توسيع نطاقها سنة 1995 لتشمل حماية البيئة البحرية والساحلية والتنوع البيولوجي. وأوضح أن هذه الاتفاقية، المدعومة بسبعة بروتوكولات، تشكل اليوم العمود الفقري للحوكمة البيئية في المتوسط، باعتبارها الإطار القانوني الإقليمي الوحيد الملزم للدول المطلة على هذا البحر.
و شدد على دور برنامج الأمم المتحدة للبيئة/خطة عمل المتوسط (UNEP/MAP) في تنزيل التزامات الدول الأطراف، من خلال برامج عمل دورية ومراكز إقليمية متخصصة. وفي هذا السياق، حظي المركز الإقليمي للأنشطة المتعلقة بالمناطق الخاصة الحماية (SPA/RAC)، الذي تحتضنه تونس منذ سنة 1985، باهتمام خاص، باعتباره الذراع التقني والعلمي المكلف بمواكبة الدول في تنفيذ بروتوكول حماية التنوع البيولوجي، وإنشاء وتدبير المناطق البحرية والساحلية المحمية.
وتناول الدكتور رمزي بتفصيل ملاحق بروتوكول ASP/DB، مبرزا أهميتها العملية، سواء من خلال المعايير المشتركة لاختيار المناطق البحرية ذات الأهمية المتوسطية، أو من خلال القوائم المحدثة للأنواع المهددة بالانقراض، أو تلك التي يخضع استغلالها للتنظيم. وأوضح أن تحديث هذه القوائم، الذي تم في ديسمبر 2025، يعكس تطور المعرفة العلمية، لكنه يبرز أيضا الحاجة المستمرة إلى تحسين الرصد وجمع المعطيات.
ومن بين المحاور التي حظيت بنقاش معمق في العرض، برزت قضية الأنواع غير الأصلية والغازية، التي وصفها الدكتور رمزي بأنها من أخطر التحديات الصامتة التي تواجه المتوسط. فقد تم تسجيل حوالي ألف نوع غير أصلي في هذا البحر، استقر عدد كبير منها بشكل دائم، فيما تم تصنيف أكثر من مائة نوع كأنواع غازية ذات تأثيرات سلبية مؤكدة. وأوضح أن هذه الأنواع تدخل المتوسط عبر عدة مسارات، من بينها قناة السويس، والملاحة البحرية، والتجارة، وتربية الأحياء المائية.
وأكد المتدخل أن تأثير هذه الأنواع لا يقتصر على المنافسة البيولوجية مع الأنواع المحلية، بل يمتد إلى إحداث تحولات عميقة في سلاسل الغذاء، وإلى انعكاسات اقتصادية مباشرة، خصوصا في قطاع الصيد البحري. واستشهد بتجربة تونس، حيث أدى انتشار أنواع وافدة من القشريات إلى تراجع القيمة التجارية للمصطادات، رغم استقرار أو حتى ارتفاع الكميات المصطادة، وهو ما يبرز الفارق بين الوفرة البيولوجية والقيمة الاقتصادية.
كما لم يغفل العرض الإشارة إلى المخاطر الصحية المرتبطة ببعض الأنواع غير الأصلية، مثل قناديل البحر السامة، التي أصبحت تشكل تهديدا موسميا للسياحة الساحلية وللصحة العامة، مع ما يرافق ذلك من كلفة اقتصادية واجتماعية.
المناطق البحرية المحمية بين الإعلان والفعالية
وفي انتقاله إلى موضوع المناطق البحرية المحمية، قدم الدكتور ياسين رمزي قراءة دقيقة للوضع الراهن في المتوسط، موضحا أن نسبة المناطق المصنفة رسميا كمناطق محمية بلغت حوالي 8.3 في المائة، غير أن هذا الرقم يخفي تفاوتات كبيرة بين الدول، كما يخفي إشكالية أكبر تتعلق بفعالية الحماية. فالمساحات التي تمنع فيها أنشطة الصيد كليا لا تزال محدودة للغاية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه المناطق على تحقيق أهدافها البيئية على المدى الطويل.
وأكد المتدخل أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان مناطق محمية جديدة، بل في ضمان حكامتها الفعلية، من حيث توفر الموارد البشرية والتقنية، واحترام القوانين، وإشراك المجتمعات المحلية، وملائمة الحماية مع الأنشطة الاقتصادية المستدامة.
وفي هذا الإطار، توقف الدكتور رمزي عند المقاربة الإيكوسيستيمية التي يعتمدها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في المتوسط، والتي تقوم على رؤية تعتبر البحر المتوسط نظاما متكاملا، لا يمكن إدارة مكوناته بشكل مجزأ. وبين أن هذه المقاربة تترجم عمليا عبر برنامج الرصد والتقييم المتكامل (IMAP)، الذي يعتمد على مجموعة من الأهداف البيئية والمؤشرات العلمية لقياس التقدم نحو تحقيق الحالة البيئية الجيدة.كما استعرض نتائج تقارير جودة المتوسط (MED QSR)، مبرزا ما أظهرته من تقدم محدود في بعض المجالات، مثل وضعية بعض الثدييات البحرية والسلاحف، مقابل استمرار التدهور في موائل أخرى، خصوصا الموائل القاعية المتأثرة بالصيد بالجر والتوسع الساحلي. وأشار إلى أن نقص المعطيات في بعض دول الجنوب والشرق لا يزال يشكل عائقا أمام تقييم شامل ودقيق للوضعية البيئية.
وفي ختام مداخلته، شدد الدكتور ياسين رمزي الصغير على أن حماية البحر المتوسط ليست مسؤولية تقنية محصورة في الخبراء والمؤسسات، بل هي مشروع جماعي يتطلب التزام الدول، والفاعلين الاقتصاديين، والمجتمع المدني، والإعلام. وهنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به الاعلاميون، في نقل المعطيات، وفي تفسيرها، ووضعها في سياقها، وربطها بحياة الناس اليومية.
يشار أن المداخلة العلمية التي قدمها الدكتور ياسين رمزي الصغير وضعت الإعلاميين المشاركين في هذه الورشة أمام مسؤولية مضاعفة، بالنظر إلى ما حملته من معطيات علمية دقيقة، وتحليل مؤسساتي، وتشخيص واقعي لوضعية البحر المتوسط. فالتحدي اليوم لا يكمن في نقص المعلومات، بقدر ما يتمثل في القدرة على استيعاب تعقيد القضية البيئية، وتبسيطها دون إخلال بمضمونها، وتحويل حماية المتوسط من موضوع تقني نخبوي إلى قضية رأي عام. ذلك أن الإعلام الواعي يشكل أحد الشروط الأساسية لبناء علاقة جديدة بين الإنسان والبحر، علاقة تقوم على المعرفة، والمسؤولية، والاستدامة، حفاظا على هذا الإرث الطبيعي المشترك للأجيال القادمة.
يشار أن هذه الورشة نظمت في تونس في إطار مشاريع Réseau des journalistes، وقد قدمت بشراكة مع جمعية Africa 21، وPAMT² Programme d’Appui aux Médias Tunisiens، والمنتدى الوطني للتكيف مع التغيرات المناخية في تونس، وبدعم من مؤسسة فريدريش إيبرت (Friedrich Ebert Stiftung) وأكاديمية دويتشه فيله (DW Akademie).








































