آفاق بيئية: محمد التفراوتي
باتت أزمة المناخ واقعا يوميا يفرض نفسه على الاقتصادات والمجتمعات والدول. و تحذير علمي مؤجل. وفي قلب هذا التحول العميق، برزت الطاقات المتجددة كأحد أعمدة الاستجابة العالمية للحد من الانبعاثات و إعادة صياغة نماذج التنمية والأمن والاستقرار. غير أن هذا الانتقال، مهما بلغت وجاهته العلمية، يظل رهينا بمدى قدرة المجتمعات على استيعابه، وهنا يتقدم الإعلام، خصوصا في بعده الرقمي، كفاعل حاسم في تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى تعبئة، والتعبئة إلى سياسات عمومية ملموسة.
تطور الخطاب الإعلامي: من القضية التقنية إلى صدارة النقاش العام
منذ اتفاق باريس للمناخ، عرف الخطاب الإعلامي حول التغير المناخي والانتقال الطاقي تطورا ملحوظا، سواء من حيث كثافة التغطية أو من حيث طبيعة المعالجة. فقد مكنت المنصات الرقمية للمؤسسات الإعلامية من نقل المعطيات العلمية بسرعة غير مسبوقة، وربطها بسياقاتها الاقتصادية والاجتماعية، بما جعل المناخ ينتقل من خانة القضايا التقنية المعقدة إلى صدارة النقاش العمومي. و أضحى الحديث عن الطاقات المتجددة متجاوزا للألواح الشمسية و توربينات الرياح، ليشمل أسئلة السيادة الطاقية، وفرص الشغل، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار الإقليمي.
أدوات جديدة لسردية جديدة: التحقيقات التشاركية وسلطة البيانات
هذا التحول في السرد الإعلامي ترافق مع تطور أدوات الصحافة الرقمية، التي أتاحت إمكانيات جديدة للتحقيق التشاركي وسرد القصص المعتمدة على البيانات. ومن خلال الخرائط التفاعلية، والرسوم البيانية، والبودكاست، بات الجمهور شريكا في فهم مسارات الانتقال الطاقي، لا مجرد متلق لنتائج جاهزة. وتجسد ذلك بوضوح في تجارب إعلامية بعدد من مناطق العالم الهشة مناخيا، مثل دول الكاريبي، حيث لعبت التحقيقات اعلامية تشاركية دورا في تتبع التقدم نحو أهداف طموحة للوصول إلى طاقات متجددة بنسبة مائة في المائة بحلول 2030، مع إشراك المجتمعات المحلية والخبراء وصناع القرار في نقاش مفتوح حول التحديات والفرص.
من خطاب الكوارث إلى سرديات النمو: ربط الحياد الكربوني بالاقتصاد
في هذا السياق، تطور دور الإعلام ليربط بين الأهداف المناخية والمؤشرات الاقتصادية الكبرى، بدل تغطية الكوارث المناخية أو التحذير من السيناريوهات السوداء فقط. فالحديث عن الحياد الكربوني لم يعد منفصلا عن النمو الاقتصادي، وفرص الشغل الخضراء، وتدفقات الاستثمار، بل بات جزء من رواية جديدة تؤكد أن الانتقال الطاقي لم يعد عبئا على التنمية، وإنما أحد محركاتها الأساسية. وقد ساهم اعتماد مؤشرات مركبة، مثل مؤشرات النمو الأخضر والانتقال الطاقي، في تعزيز هذا الفهم لدى الرأي العام، وإبراز العلاقة الوثيقة بين الطاقة النظيفة والاستقرار العالمي.

دراسة حالة: مبادرة “تيراميد” كنموذج للتكامل الإقليمي والإعلامي
وسط هذه الدينامية الإعلامية المتنامية، تبرز مبادرة «تيراميد» (TeraMed) كنموذج إقليمي يعكس كيف يمكن للسياسات الطاقية أن تتحول إلى مشروع جماعي عابر للحدود. تقوم المبادرة، التي أُطلقت في أكتوبر 2024 خلال أسبوع القاهرة للطاقة المستدامة، على رؤية واضحة لتسريع التحول الطاقي في حوض المتوسط، عبر استثمار الإمكانات الشمسية والريحية الهائلة بهدف تركيب تيراواط واحد من الطاقة النظيفة في أفق 2030. وهي بقيادة الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد»، وبشراكة مع الاتحاد من أجل المتوسط، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ومراكز وخبرات إقليمية ودولية أخرى.
الإعلام في صلب التنفيذ: رؤية “تيراميد” الاستراتيجية
ما يمنح مبادرة «تيراميد» بعدا استراتيجيا خاصا هو إدراكها المبكر لدور الإعلام والمجتمع المدني في إنجاح الانتقال الطاقي. فقد أكد منسقها العام، الدكتور عماد الدين عدلي، أن المرحلة الثانية من المبادرة، المرتقبة سنة 2026، ستضع الإعلام في صلب آليات التنفيذ، باعتباره رافعة للتأثير في السياسات، وحشد الدعم المجتمعي، وجذب الاستثمار. في هذا الإطار، لم ينظر إلى الإعلام كأداة تواصل فقط، بل كجزء من منظومة المناصرة والتغيير. فالحملات الإعلامية المصاحبة تهدف إلى إبراز الأثر الإيجابي للطاقات المتجددة، وتسليط الضوء على قصص النجاح، وبناء سردية إقليمية مشتركة.
وأوضحت السيدة غادة أحمدين، مديرة البرامج بالشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد»، أن المبادرة تنظر إلى الإعلام باعتباره مكونا استراتيجيا لا يقل أهمية عن السياسات والتمويل، لأنه الجسر الذي يصل بين الرؤية السياسية والتنفيذ الفعلي على الأرض. وأضافت أن الحملات تركز على بناء سردية إيجابية موجهة للجمهور العام وصناع القرار على حد سواء، من خلال شراكات إعلامية ومبادرات تشاركية مثل “الأبطال المحليين” لخلق زخم مستدام.
تحديات تواجه الإعلام البيئي: بين الاستقطاب وسطحية المعالجة
ومع ذلك، لا يمكن إغفال التحديات التي لا تزال تواجه الإعلام في هذا المجال، وعلى رأسها الاستقطاب، وانتشار المعلومات المضللة، وسطحية بعض المعالجات التي تختزل الانتقال الطاقي في شعارات ظرفية. كما أن ضعف الصحافة الاستقصائية المتخصصة في قضايا الطاقة يحرم الرأي العام من فهم أعمق للعوائق الحقيقية، سواء كانت تشريعية أو مالية أو مرتبطة بتوازنات المصالح.
السرد الإعلامي العمود الخفي للانتقال الطاقي
في المحصلة، يتضح أن معركة الطاقات المتجددة لن تُحسم بالتكنولوجيا وحدها، بل بالسرد القادر على إقناع المجتمعات بجدوى التغيير وعدالته. وهنا، يصبح الإعلام أحد الأعمدة الخفية للانتقال الطاقي، القادر على تحويل الأرقام إلى قصص، والسياسات إلى التزام، والطموحات إلى واقع. وتجربة «تيراميد» تؤكد أن مستقبل الطاقة في المتوسط، وفي العالم، سيمر حتما عبر إعلام واع، نقدي، ومعبئ، يجعل من أفق 2030 موعدا وأفقا حضاريا مشتركا.
وقد يبدو الالتزام بالطاقات المتجددة مكلفا في المدى القصير، لكنه في جوهره استثمار في مستقبل أكثر عدلا وأمانا. إن التعبير عن هذا الإيمان عبر الإعلام والسرد الجماعي يحول الكلفة إلى تضحية واعية، والالتزام إلى رسالة تعبئة، تجعل من الانتقال الطاقي خيارا جماعيا لا رجعة فيه.



































