اخر المقالات: استعادة طبقة الأوزون بطيئة للغاية || تمويل نظام غذائي عالمي مستدام ||  مسار تعليمي جديد عن أهداف التنمية المستدامة في حديقة مجموعة العشرين في روما || التعددية عند “بايدن” نوعان || تخزين الكربون العضوي في التربة || بلد واحد، منتج واحد ذو أولوية || انهيار الأسوار السياسية || قضية المياه واستخلاص الدروس من تجارب الماضي || محاكمة مخربي البيئة || البيئات الزراعية، نظم إنتاج مستدامة لنخيل التمر || الدعوة لتأسيس مجلس استقرار النظم الغذائية || تعاون مغربي في مجال الأمن النووي في إفريقيا || دليل إدارة الغابات والمياه || قواعد عالمية جديدة لمستقبل غذائي أكثر عدلا || النفايات البلاستيكية “الخطر القاتل القادم بصمت” || تطوير وتنمية زراعة أشجار نخيل التمر في البلدان العربية || خطط مناخية على وَقْع الكوارث || تأخر دبلوماسية اللقاح عند دول مجموعة البريكس || الأنظمة الغذائية على المحك || مواصلة عمل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ||

آفاق بيئية : بيان اليوم – سميرة الشناوي

ظرفية صعبة يعيشها الأطباء وصرخات من أجل التعجيل بإصلاح أوضاعهم المهنية والاجتماعية

حزن شديد يخيم على الأطباء في القطاعين العمومي والخاص هذه الأيام بسبب تواصل رحيل عدد من زملائهم إلى دار البقاء بعد أسلموا الروح لبارئها جراء إصابتهم بمرض كوفيد 19. وكان وقع الفاجعة أقوى عندما حصد الوباء يوم فاتح أكتوبر الجاري روحي أستاذين مرموقين أعطيا الكثير للقطاع طوال مسيرتهما المهنية. ويتعلق الأمر بالبروفيسور فاطمة عبي أول امرأة جراحة في المغرب وأستاذة علم التشريح سابقا بكلية الطب والصيدلة، والبروفيسور عبد الكريم حمداني، الاختصاصي في أمراض الجهاز الهضمي، وأستاذ سابق أيضا بنفس الكلية.
وتأتي وفاة الطبيبين الراحلين مباشرة بعد مغادرة الدكتور محمد نجيب زوكميد، الذي توفي يوم 29 شتنبر الفارط، إضافة إلى الدكتور المتقاعد نور الدين بنيحى الذي أسلم الروح بتاريخ 04 أبريل الماضي، إثر تطوعه في صفوف جنود الخط الأول في مواجهة الوباء، والدكتور عمران رويمي يوم 09 أبريل، ثم الدكتور عبد اللطيف كنزي بتاريخ 20 يوليوز المنصرم، كما ضمت اللائحة كذلك الطبيب العام بمراكش، مصطفى هكي، الذي وافته المنية يوم 3 غشت 2020.
قافلة شهداء الواجب المهني في القطاع الصحي تتواصل إذن، في ظل استمرار استفحال الوباء وارتفاع أعداد الإصابة والحالات الحرجة والخطيرة، مما يثقل كاهل القطاع الصحي ويرهق المهنيين من أطباء وممرضين ومساعدين، سواء في القطاعين العمومي أوالخاص، حيث زادت الجائحة من هشاشة القطاع الصحي ببلادنا. فبالإضافة إلى الأزمة العميقة التي يعرفها القطاع العام منذ عقود، أثرت الجائحة كذلك بشكل كبير على عيادات ومستشفيات القطاع الخاص، التي أضحت بدورها مطالبة ببذل جهد أكبر من أجل الاستجابة لضغط الحاجيات العلاجية المرتفعة في جميع التخصصات فضلا عن مساهمتها في الجهود الوطنية المبذولة في مواجهة جائحة كوفيد.
ولم يعد يخفى على أحد مدى المعاناة التي زادت حدتها في الأشهر الأخيرة، خاصة في القطاع العمومي، جراء ضعف إمكانيات الاستشفاء وقلة الموارد المادية والبشرية. ومع ارتفاع معدلات الإصابة بداء كوفيد 19 وكذا نسبة الحالات الحادة والخطيرة، أضحى التفاؤل الذي صاحب البدايات الأولى لانتشار الداء ببلادنا مجرد حلم جميل تكسر على صخرة الواقع المؤلم لقطاع يئن تحت وطأة الهشاشة وسوء التسيير. ونزلت مع هذا الانكسار معنويات الممارسين في القطاع إلى الحضيض، خاصة في ظل ما ظلوا يشتكون منه لسنوات طويلة من تهميش لأوضاعهم القانونية والاجتماعية، ومن تردي ظروف وإمكانيات العمل، وانسداد آفاق المهنة وغياب شروط التحفيز. وجاءت جائحة كوفيد 19 لتعري هذا الواقع أكثر فأكثر، ولتزيد من سخط المهنيين على وضعيتهم وتعيد تسليط الضوء على مطالبهم القديمة الجديدة، بإعادة النظر في طريقة تدبير القطاع.
وتعج اليوم مواقع التواصل الاجتماعي، بتدوينات وصرخات الأطباء والطبيبات في مصالح المستعجلات وأقسام الإنعاش، حيث لم يعد الصمت ممكنا على وضعية الاكتظاظ وضعف وسائل الاستشفاء في ظل تزايد أعداد المواطنين الوافدين على تلك المصالح، وكذا قلة أعداد الأطباء المشرفين الذين يعيشون وضعا مرهقا، يرضون بلقمة مرة بين دورية وأخرى، ويقضون الليالي بعيدا عن أسرهم وذويهم، وقد ضحوا بعطلهم السنوية وبراحتهم النفسية والجسدية، وساهموا بأموالهم وطاقاتهم في الجهود المبذولة لدعم الفئات المحتاجة من مواطنيهم، فضلا عن تعريض حياتهم للخطر في كل لحظة وحين. وحتى عندما فكر المسؤولون في مكافأتهم على جهودهم فإنهم خصصوا لهم منحة هزيلة عبر الكثيرون من الأطباء عن رفضهم لها معتبرين أنها تمثل “استخفافا” بالمهنة والمهنيين.
وإذا كان أطباء القطاع الخاص قد عبروا بدورهم في بداية الجائحة عن حماس كبير لمساندة جهود القطاع العمومي ومرافقة زملائهم فيه لمواجهة الخصاص الحاصل، حيث وضعوا مؤسساتهم ومواردهم رهن إشارة الوزارة الوصية ضمن شراكة تعبر عن توحد المشاعر الوطنية في تلك اللحظات العصيبة، إلا أن الوضع اليوم يؤشر على أضرار كبيرة يتكبدها القطاع الخاص أيضا مع استمرار أمد الأزمة وتصاعد وتيرة وحدة انتشار الوباء بشكل خطير، والذي لم تسلم منه حتى العيادات والمستشفيات الخاصة الملزمة بتطبيق الإجراءات الاحترازية ورفع مستوى الكفاءة في مواجهة الوباء، وكذا بإجراء الفحوصات والتحاليل للطواقم الصحية، وفرض وضعية الحجر الصحي كلما برز التخوف من ظهور حالات جديدة. كل ذلك في ظل انخفاض القدرات المادية للمواطنين الذين فرضت عليهم الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الجائحة تأجيل أو إلغاء استشاراتهم وعلاجاتهم الطبية، مما جعل القطاع يشتكي من تكبده لخسائر مادية مهمة. وحتى عندما يجد مهنيو القطاع أنفسهم عرضة للوباء اللعين، فإنهم يواجهونه بإمكانياتهم الذاتية في ظل عدم استفادتهم من أي تغطية صحية أو حماية اجتماعية.
هذه المعاناة جعلت نقابة أطباء القطاع الحر تعلن في بلاغ أصدرته أول أمس الاثنين عن “حالة حداد” في صفوف أطباء القطاع على أرواح زملائهم ممن ضحوا بأرواحهم في سبيل المهنة، وكذا على الأوضاع الكارثية التي يشهدها القطاع الصحي ببلادنا، مطالبين بالتفات الجهات المسؤولة إلى مطالبهم وإشراكهم في اتخاذ القرارات الرامية إلى التصدي إلى الجائحة من جهة، وإلى إصلاح القطاع من جهة ثانية.
وكانت نقابة أخرى هي النقابة المستقلة لأطباء القطاع العام قد حذرت بدورها منذ بضعة أسابيع، في بلاغ، من “حالة الاكتئاب الجماعي” التي تعم الأطباء والأطر الصحية، معتبرة أنه “إلى جانب واجبات الطبيب، فإن له حقوقا ومطالب مشروعة من بينها تحسين ظروف استقبال وعلاج المواطن، وتخويل الاختصاص في طب العائلة، وتقنين الحق المشروع في الاستقالة، والتقاعد النسبي، وتنظيم الممارسة بالقطاع الخاص لأطباء القطاع العام، والحق في الانتقال، ومراجعة الإطار المنظم للحراسة، والإلزامية”. وأوضح البلاغ نقلا عن الأطباء في القطاع العام تأكيدهم “لا نطالب بتحفيزات، ولا مكافآت استثنائية، وإنما بالتمتع بحقوقنا المهضومة منذ سنوات”.
فمتى يحين الوقت لرجع صدى صرخات المهنيين في قطاع أثبتت جائحة كورونا، بما لم يعد يدع مجالا للشك أو التسويف، أنه يجب أن يوضع على رأس الملفات في قسم مستعجلات الأولويات الحكومية؟

اترك تعليقاً