آفاق بيئية: محمد التفراوتي
كشف تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) حول “التربية على الإعلام والمعلومات بالأرقام” عن مفارقة لافتة في التعاطي العالمي مع هذا المجال الحيوي، حيث أظهرت المعطيات أن 88 في المائة من دول العالم تعترف بأهمية التربية على الإعلام والمعلومات ضمن سياساتها الوطنية، في مقابل 9 في المائة فقط تعتمد سياسة وطنية مستقلة ومخصصة لهذا الورش الاستراتيجي.
ويبرز التقرير، الذي يقدم لمحة رقمية عن الوضع العالمي للتربية على الإعلام والمعلومات (MIL)، أن الاعتراف السياسي المتزايد بأهمية هذا المجال لا يواكبه بالضرورة إطار مؤسساتي وتشريعي واضح، وهو ما ينعكس سلبا على التنسيق بين القطاعات، وعلى استدامة التمويل ونجاعة البرامج المنفذة.
اعتراف واسع، دون ترجمة مؤسساتية كافية
و وفق معطيات اليونسكو، فإن إدماج التربية على الإعلام والمعلومات يتم في الغالب ضمن سياسات تعليمية أو رقمية أو ثقافية عامة، دون تخصيص سياسة مستقلة تجمع مختلف المتدخلين وتحدد الأدوار والمسؤوليات بوضوح. ويؤكد التقرير أن غياب سياسة وطنية قائمة بذاتها يجعل الجهود المبذولة مجزأة ومحدودة الأثر، كما يصعب عملية التتبع والتقييم وقياس الأثر المجتمعي.
تحديات التنسيق والتمويل
و يشدد التقرير على أن الدول التي لا تتوفر على سياسة وطنية مستقلة للتربية على الإعلام والمعلومات تواجه تحديات متعددة، أبرزها ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية (التعليم، الإعلام، الثقافة، الرقمنة). و محدودية الموارد المالية المخصصة. و هشاشة البرامج واستمراريتها. ثم صعوبة مواكبة التحولات الرقمية وتسارع انتشار المعلومات المضللة، فضلا عن التربية على
الإعلام والمعلومات: رهان ديمقراطي ومجتمعي
وتؤكد اليونسكو أن التربية على الإعلام والمعلومات لم تعد خيارا تربويا ثانويا، بل أضحت ضرورة ديمقراطية ومجتمعية في ظل تصاعد الأخبار الزائفة، وخطابات الكراهية، والتضليل الرقمي، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على الفضاء الإعلامي. كما تشكل هذه التربية أداة أساسية لتمكين المواطنين، خاصة الشباب، من التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، والمشاركة الواعية في الحياة العامة.
دعوة إلى سياسات وطنية شاملة
في ضوء هذه النتائج، يدعو التقرير صناع القرار إلى الانتقال من الاعتراف المبدئي إلى الفعل السياسي المنظم، عبر اعتماد سياسات وطنية مستقلة وشاملة للتربية على الإعلام والمعلومات، تستند إلى مقاربة تشاركية وتضمن التنسيق، والتمويل المستدام، والتقييم المنتظم.
ويخلص التقرير إلى أن تقليص الفجوة بين الاعتراف والأجرأة يظل شرطا أساسيا لتعزيز مناعة المجتمعات في مواجهة التضليل، وبناء مواطن رقمي واع، قادر على التفاعل النقدي والمسؤول مع الإعلام والمعلومات في العصر الرقمي.







































