مدخل بحري: حين يلتقي الأزرقان على أعتاب المستقبل

محمد التفراوتي28 نوفمبر 2025آخر تحديث :
مدخل بحري: حين يلتقي الأزرقان على أعتاب المستقبل

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

على امتداد السواحل الممتدة بين البحر المتوسط والبحر الأسود، حيث تتعانق زرقة المياه مع ضوء التاريخ. وترتسم على المرافئ رائحة الملح وأصوات السفن العائدة، تتشكل اليوم قصة جديدة لهذه البحار التي طالما وفرت الغذاء والمعيشة وألهمت الحضارات. إنها قصة تجمع بين المخاوف المتجددة حول استدامة المصايد، وبين بوادر واضحة لتحول عميق بدأ يغير ملامح المشهد البحري في الإقليم.

تراجع الصيد المفرط… انقلاب الهدوء على عقد من القلق

يقدم تقرير “حالة مصايد أسماك البحر المتوسط والبحر الأسود لعام 2025” الصادر عن الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة، صورة مركبة تجمع بين القلق والطمأنينة. فبعد سنوات طويلة من الضغوط، سجلت المنطقة أدنى مستويات الصيد المفرط منذ عقد. ورافق هذا التراجع ارتفاع ملحوظ في الكتلة الحيوية للأنواع التجارية الأساسية، وهو ما وصفه “مانويل بارانج”، المدير العام المساعد في الفاو، بأنه “لحظة مفصلية تثبت أن الإدارة القائمة على العلم قادرة على تغيير مسار الموارد البحرية، رغم الطريق الطويل الذي لا يزال أمامنا”.
هذا التحسن جاء بفضل جهود تراكمية امتدت عبر الحدود. فمن تركيا إلى تونس، ومن اليونان إلى جورجيا، خضعت الموانئ لعمليات تحديث تدريجية في معدات الصيد وأساليب المراقبة والتكوين المهني، بينما اعتمدت برامج بحثية وفنية أكثر دقة لتقييم الأرصدة البحرية. ومع مرور السنوات، بدأ منحنى الضغط على المصايد بالانخفاض، ليعود جزء من التوازن المفقود إلى البيئة البحرية.

حياة تحت السطح: تعاف هنا… وتراجع هناك

لا تعود مؤشرات التعافي إلى نوع واحد، بل تشمل طيفا من الكائنات البحرية التي بدأت تسترد عافيتها. فقد شهد “البوري المقلم”:(Mugilidae) و”الروبيان الأحمر العملاق (Aristaeomorpha foliacea) تحسنا واضحا، بينما برز “سمك موسى”(Trachinotus carolinus) في الأدرياتيك و”التربوت” (Scophthalmusmaximus) في البحر الأسود كمؤشرين على تحول إيجابي في بعض الأنظمة البيولوجية. لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فالسردين، الذي يعد من أهم الأنواع في السواحل الجنوبية للمتوسط، يواصل الانزلاق نحو وضع مقلق بفعل تغير المناخ وكثافة الاستغلال. أما “النازلي الأوروبي”( Merluccius merluccius). ورغم التراجع النسبي في معدل النفوق الناتج عن الصيد، فما يزال بعيدا عن مستوى التعافي الذي ينشده الخبراء.

المناخ… اللاعب الصامت الذي يعيد رسم ملامح البحر

ورغم الجهود المبذولة، فإن البيئة البحرية تواجه ضغوطا مطردة بفعل تغير المناخ. الحرارة المرتفعة تبطئ تكاثر الأنواع، وتحفز انتقال بعضها نحو الشمال، بينما تتعرض الموائل القاعية إلى تراجع بفعل التحوض وتغير كيمياء المياه.

وتقول “فيرونيكا سينتيلوس”، المنسقة الإقليمية للبيئة البحرية: “البحر يغير لغته. الأنواع الحساسة تختفي ببطء، وتحل محلها أنواع غريبة عن المنطقة. وهذا يربك التوازن الإيكولوجي ويجعل إدارة المصايد أكثر تعقيدا”.
إلى جانب المناخ، يتفاقم تأثير التلوث البلاستيكي والصناعي الذي يتسلل إلى السلسلة الغذائية، كما تتآكل الموائل الطبيعية نتيجة الضغط العمراني واستنزاف الأعشاب البحرية التي تشكل حضانات أساسية لصغار الأسماك.

الموانئ… مختبرات التحول الأزرق

تشهد المرافئ في مختلف دول المنطقة دينامية جديدة تعكس تغيرا في الفلسفة أكثر مما تعكس تغيرا في الأدوات. فالصيادون يتلقون تدريبات على تقنيات صيد منخفضة التأثير، والسلطات البحرية تعتمد نظم مراقبة رقمية متطورة، بينما تتوسع شراكات البحث العلمي لتوفير بيانات أكثر دقة وفورية. كل ذلك أسهم في الانخفاض الكبير في الوفيات الناجمة عن الصيد بين عامي 2013 و2023، وفق ما يرصد التقرير.

تربية الأحياء المائية… اقتصاد يتنفس في المياه المسوسة

وفي ظل الضغوط المتزايدة على المصايد الطبيعية، تبرز تربية الأحياء المائية باعتبارها الركيزة الجديدة للأمن الغذائي البحري. فقد تجاوز إنتاجها في المياه البحرية والمياه المسوسة 940 ألف طن سنة 2023، بينما تخطى الإنتاج الإجمالي، عند احتساب المياه العذبة، ثلاثة ملايين طن بقيمة قاربت تسعة مليارات دولار. وتحتل “الدنيس” و “الشبص الأوروبي” مكانة رئيسية في هذا القطاع، بينما تحافظ تركيا ومصر واليونان على الصدارة باعتبارها القوى الإنتاجية الكبرى.
وتشير “ألكسندرا موتوفا”، خبيرة النظم الغذائية البحرية في الفاو، إلى أن “تربية الأحياء المائية ليست مجرد بديل، بل هي رافعة ضرورية لتخفيف الضغط عن البحر، شرط أن تدار بشكل مسؤول يراعي التوازن البيئي”.

سلاسل القيمة… بحر من فرص العمل

يتجاوز أثر المصايد وتربية الأحياء المائية حدود البحر نفسه، ليصل إلى البر حيث تعتمد أكثر من 1.17 مليون فرصة عمل على هذا القطاع الحيوي. وتمتد هذه الفرص من الصيد والإفراغ إلى النقل والتعليب والتسويق، مرورا بالمهن الصغيرة التي تشكل العمود الفقري للقرى الساحلية.

بين الواقع والطموح… خطوات نحو المستقبل

يحمل التقرير رؤية واضحة. الإدارة القائمة على العلم، وتوسيع المناطق المحمية، وتشديد الرقابة، وتعزيز الحوار مع المهنيين، وتطوير أدوات الصيد المستدام، كلها مسارات لا غنى عنها لضمان مستقبل البحار. وهو مستقبل تحدده اليوم قرارات حاسمة، في منطقة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بشكل غير مسبوق.

الأمل يتقدمة الموج

بين التحديات التي تختبر صلابة الطبيعة، والإنجازات التي تؤكد قدرة المجتمعات على التغيير، يظل البحر المتوسط والبحر الأسود مساحتين نابضتين بالحياة، ومرآة لجهود إنسانية تسعى للتوفيق بين الغذاء والبيئة، وبين التنمية والحفاظ على التنوع.
وكما يرد في خاتمة التقرير: “إن البحرين لا يحتاجان فقط إلى الحماية، بل إلى إدارة حكيمة تمنحهما فرصة لاستعادة ما فقداه. فبدون ذلك، لن يبقى البحر كما عرفناه.”

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!