اخر المقالات: نفوق أقدم قرد من قبيلة الشمبانزي الشهيرة في غينيا عن عمر يناهز 71 سنة || لقاء تشاوري مع كفاءات مغاربة العالم الخبراء في مجالات المياه والتغيرات المناخية والطاقات البديلة || كيف يمكن لقانون “رايت” أن يعيد بناء المناخ؟ || تعاون دولي لرسم سياسات مائية رائدة || مهمته الإنقاذ… صرصور يعمل بالطاقة الشمسية || الجدول الزمني المنقح للتقرير التجميعي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ || تعزيز النتائج الصحية والمناخية لأكثر من 11 مليون مغربي || الأنواع الغازية تغيّر من طبيعة البحر الأبيض المتوسط || بارقة أمل في صراع المناخ || الرأسمال البشري رافعة حقيقية لتنمية المنتوجات المحلية بجهة سوس ماسة || من إدارة الكوارث إلى إدارة الموارد || بحوث وتجارب علمية تعكس واقع وآفاق زراعة النخيل بموريتانيا || الحمض النووي للمياه  || انطلاق الدورة الأولى للمهرجان الدولي للتمور الموريتانية || حقوق الإنسان هي مفتاح حماية التنوع البيولوجي || كيفية تشكّل أولى الثقوب السوداء فائقة الكتلة في الكون || استعادة المحيطات || الصندوق العالمي للطبيعة بالمغرب جهود معتبرة ونتائج مميزة || مبادرات خضراء ذكية لمواجهة آثار تغير المناخ || مهرجان الدولي للتمور بموريتانية ||

آفاق بيئية : جان فيرنر مولر

برينستون ــ لا يزال التحقيق الذي تجريه اللجنة الخاصة المكلفة من قِـبَـل مجلس النواب الأميركي بالتحقيق في أحداث السادس من يناير/كانون الثاني بعيدا تماما عن إنشاء سجل شامل للهجوم على مبنى الكابيتول العام الماضي، ولهذا ينبغي لنا أن نقاوم التعميمات السطحية المبسطة بشأن المتمردين. في ظل ظروف مثالية، ستكشف اللجنة عن قدر كاف من الأدلة لإجراء إحالات جنائية إلى وزارة العدل بشأن المتآمرين الرئيسيين، وليس الأفراد الذين حركوهم فحسب.

مع ذلك، تبدو بعض البيانات حول مثيري الشغب غير قابلة للجدال. على سبيل المثال، نعلم أن العديد من أولئك الذين هاجموا مقر الديمقراطية الأميركية كانوا يعتبرون أنفسهم مدافعين مخلصين عن دستور الولايات المتحدة. تُـرى هل كانت الحقائق التي اعتمدوا عليها خاطئة ببساطة؟

يكمن أحد مفاتيح فهم الحدث في ظاهرة تميز الأحزاب والحركات اليمنية المتطرفة في مختلف البلدان: الوعد باستعادة المكانة المتميزة للرجال من ذوي البشرة البيضاء الذين يعتقدون أن النساء، والطبيعة، وآلية الديمقراطية مـلكا مطلقا لهم. اجتاح مبنى الكابيتول مهاجمون أظهروا حِـسا مذهلا بالاستحقاق، ورفعوا شعارات مثل “بيت من هذا؟ إنه بيتنا!”. ومن الواضح أن المراقبين الذين لاحظوا أن المتمردين تصرفوا على نحو أشبه بالسياح أساءوا تفسير ما رأوه. الواقع أن السياح ــ وخاصة “المحافظين ممن يخشون الرب” ــ لا يستولون بشكل غير قانوني على المواقع التي يزورونها، ولا يتعمدون تشويهها أو قضاء حاجتهم فيها أو تدميرها بغير تحفظ.

تأتي نظرة أعمق على أحداث ذلك اليوم من الفيلسوفة الألمانية إيفا فون ريديكر. استلهاما من الظاهرة الطبية المتمثلة في الألم الوهمي والأطراف الوهمية، صاغت مؤخرا مصطلح “التملك الوهمي” في محاولة لفهم الاستبدادية الجديدة في عصرنا.

لقرون من الزمن، كان من حق الرجل الأبيض أن يدعي ملكيته الشخصية للكثير ــ بما في ذلك البشر. وكانت البيئة الطبيعية متاحة لمن يستولي عليها، وكان من المتوقع من النساء تقديم الجنس وأشكال متعددة من الرعاية بما يتفق مع مبدأ “الإحصان والملجأ” (الخضوع القانوني للزوج). وكان من المفهوم دون حاجة إلى تقرير أن وظيفة النساء الإنجابية خاضعة لسيطرة الرجال.

استولى المستعمرون في أميركا الشمالية على الأراضي التي أُعـلِـنَـت أولا أرضا على المشاع (أرض لا تعود ملكيتها إلى أحد)، حتى برغم أن أناسا كثيرين عاشوا عليها من قبل. وفي حين لم يكن من الممكن شراء أو بيع النساء (من ذوات البشرة البيضاء) باعتبارهن ممتلكات، فإن مبدأ الإحصان والملجأ كان يعني أن النساء يخضعن فعليا لسيطرة الرجال. يجدر بنا أن نتذكر هنا أن الزوجات في بعض الديمقراطيات الغربية لم يكن بوسعهن قبول العمل دون موافقة من الزوج حتى سبعينيات القرن العشرين، ولم يكن الاغتصاب الزوجي مُـجَـرَّما حتى التسعينيات.

كما لاحظ الباحث الأميركي من أصل أفريقي دبليو. ئي، بي دو بوا في مناسبة شهيرة، فقد خدم الحق في قمع مجموعات بعينها لفترة طويلة كتعويض للفقراء من ذوي البشرة البيضاء الذين عانوا أنفسهم تحت شكل أو آخر من أشكال الهيمنة. عمل الشعور بالتفوق النسبي على توليد ما يشبه “الأجر النفسي”، مما ساعد في الحفاظ على سلامة البيئة الاجتماعية الغالبة.

تغيرت أمور وتبدلت منذ ذلك الحين. ورغم أنها لم تتغير بالسرعة الكافية (حتى في السويد لا تزال هناك فجوة في الأجور بين النوعين الاجتماعيين لا تقل عن 5%)، فإن التحول الاجتماعي كان كافيا لتوليد الغضب والاستياء إزاء الممتلكات الوهمية التي تميز حركات اليمين المتطرف في كل مكان.

تتلخص إحدى السمات المميزة للمِـلكية الحديثة في قدرة المرء في عموم الأمر على أن يفعل بها ما يشاء. كما أوضح الفقيه البريطاني العظيم ويليام بلاكستون من القرن الثامن عشر، فإن الـمِـلكية هي “تلك الهيمنة المستبدة المنفردة التي يدعيها رجل واحد ويمارسها على أشياء خارجية في العالم”. وبموجب قانون نابليون، كانت إحدى المزايا الإضافية لامتلاك شيء ما تتمثل في الحق في إساءة استخدامه أو حتى تدميره.

لا تخلو هذه الفكرة القانونية من بُـعد نفسي: فمن الممكن استخدام فِـعـل التدمير لإثبات كون الشيء ملكا خالصا للمرء. تتجلى هذه الديناميكية بقدر مروع من الوضوح عندما يقرر الرجال قتل أو تشويه نساء يَـدَّعون أنهم يحبونهن بدلا من التسامح مع انعتاقهن (والذي يعني حرفيا الخروج من الملكية، من الأصل اللاتيني mancipium).

في هذا الضوء، قد لا يكون من المستغرب أن نجد أن أغلب المتمردين كانوا من الرجال، وأن كثيرين منهم ارتدوا الزي العسكري وتظاهروا بأنهم مشتبكين في قتال ضد أعداء مفترضين لدستور الولايات المتحدة. وكان الرجل الذي رفع قدميه على مكتب رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي يؤكد على مبدأ “الهيمنة المستبدة”، ساعيا إلى تحويل الشبح إلى حقيقة.

ما دام أعوان اليمين المتطرف يفترضون أنهم لهم الحق في امتلاك أشياء ليست ملكا لهم في الحقيقة، فلن يكون من المفيد كثيرا أن نشرح لهم ماهية الديمقراطية حقا، أو أن نشير إلى أنهم يهاجمون الشيء ذاته الذي يدَّعون أنهم يقدرون قيمته. إذا لم تكن الديمقراطية في الولايات المتحدة كما يتصورونها على وجه التحديد ــ الـمِـلكية الشخصية الكلية للرجل الأبيض ــ فإنهم يفضلون تدميرها على أن يسمحوا لها بالاستجابة للأغلبية التي تتألف من أشخاص ملونين.

بطبيعة الحال، من غير الممكن اختزال سياسة اليمين المتطرف بالكامل في كراهية النساء. كان أنصار اليمين المتطرف يشكلون أقلية دائما، ولهذا فإن الأمر الأكثر أهمية هو ما إذا كان بوسع أحزاب اليمين المتطرف وساسته تشكيل تحالفات تُـرضي مجموعة أوسع من الفئات. كان دونالد ترمب، على سبيل المثال، يغازل شريحة من الأثرياء الذين كانوا يسعون إلى إلغاء القيود التنظيمية والحصول على إعفاءات ضريبية.

مع ذلك، وكما لاحظت شيرين عبادي وغيرها من الإناث الحائزات على جائزة نوبل في مقال حديث، “تَـعِـد الصفقة الاستبدادية التأسيسية باستعادة الامتيازات الخاصة للرجال والنخب الاقتصادية والاجتماعية، مقابل التسامح مع تآكل الحريات الديمقراطية”. وعلى هذا فإن هذه الصفقة تدعو إلى اعتداء منهجي على أي شيء يشبه ملكية الأنثى لذاتها، وخاصة حقوق النساء الإنجابية، والتي جرى تقليصها بشكل حاد في معاقل اليمين، وآخرها في بولندا، وميسيسبي، وتكساس.

في المخطط الأكبر، من المغري تفسير غضب اليمين المتطرف على أنه علامة على أن الأمور بدأت تتغير نحو الأفضل في النهاية. بهذا المنطق، فإن المتمردين هم الذين يشكلون “المقاومة“، ومعركتهم هي “معركة خاسرة“.

لكن أولئك الذين عانوا في عهد ترمب، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، وزعيم بولندا الفعلي ياروسواف كاتشينسكي، ما زالوا يتحملون التكاليف، كما يتحملها ضحايا وأُسَـر ضحايا إرهابيي السادس من يناير/كانون الثاني. ربما يكون التراجع الكامل عن تحرير الإناث والأقليات مجرد حلم مستحيل من أحلام اليمين المتطرف، لكن المزيد من أعمال التدمير من قِـبَـل رجال من ذوي البشرة البيضاء يسعون إلى تأمين الهيمنة المستبدة المنفردة أكثر من مجرد احتمال.

ترجمة: إبراهيم محمد علي        

جان فيرنر مولر أستاذ السياسة في جامعة برينستون، وزميل المعهد الجديد في هامبورج. أحدث مؤلفاته كتاب “الديمقراطية تحكم” (New York, Farrar, Straus and Giroux, 2021, London, Allen Lane, 2021).

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2021

اترك تعليقاً