اخر المقالات: ماكرون الثاني: مواجهة التحديات البيئية عبر الفعل أم الاكتفاء بمواصلة الخطاب المعسول || حوارات بيئية في قصر الأمم || الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والتدابير اللازمة للمعالجة || توحيد الجهود للحد من التلوث البحري بالبلاستيك في المناطق البحرية المحمية في البحر الأبيض المتوسط || نكهة حياد الكربون الرائعة  || البحث الزراعي بالمغرب نتائج مبتكرة وآفاق واعدة || شجرة أركان ، رمز الصمود والتأقلم مع الظروف المناخية || البلاستيك: مشكلة وأربعة حلول || الجفاف والتدبير المستدام للأراضي || النسخة السادسة للمؤتمر الدولي لشجرة أركان || ما نحتاجه لتحقيق السلام والازدهار على المدى الطويل || يوم الأرض حدث سنوي للتوعية البيئية || الاقتصاد العالمي في خطر || أسرع طائر في العالم لحماية مسجد الحسن الثاني الكبير بالدار البيضاء || إيجاد حل لسعر الكربون || صندوق النقد الدولي بحاجة إلى تخفيف مخاطر التحول المناخي || أربعة مسارات لمواجهة أزمة أسعار الغذاء || في حوار مع الخبير المغربي الدكتور عبد الوهاب زايد : يؤكد المنشأ المغربي من خلال تحليل الحمض النووي لعدة عينات من نخيل المجهول || العدالة المناخية تتطلب قيادة نسائية || بناء الإجماع حول التعافي الأخضر ||
آفاق بيئية : الأهرام – د. حمدي هاشم 
المصريون وعلاقتهم بمياه النهر في حاجة إلى مراجعة دائمة ومستمرة، بعد تناقص متوسط نصيب الفرد عن خط الفقر المائي (1000 م3)، والذي لن يتجاوز  500 م3  بحلول عام 2050، بدلالة احتفاظ مصر بحصتها من مياه النيل وزيادة السكان بمعدل نمو معتدل. أي أن الفجوة المائية تتسع وتزداد معها ضغوط مشكلة ندرة المياه، وأن المصريين ليس أمامهم إلا تعلم ثقافة الاستخدام الأمثل للمياه وتعظيم الاستفادة من كافة المصادر المتاحة.  ويزداد الوضع حرجاً، مع مناهضة دول منابع النيل السبعة بقيادة إثيوبيا لاتفاقيتي 1929، 1959 وإسقاط حق دولتي مصر والسودان في الحصول على المياه بمبدأ التوارث الدولي. ويتوقع البعض أن تنقص حصة مصر بمقدار  7 مليارات م3، نتيجة تشييد السدود الضخمة على روافد دول المنبع لتوليد الكهرباء وحجز المياه للزراعة الدائمة والتوسع في مساحات الغابات المروية. وذلك دون استشارة مصر بما تقتضيه الاتفاقية الأولى، ولكن بمبدأ ملكيتها لمياه الأمطار المتساقطة فوق أراضيها، ومن ثم حقها في إقامة مشروعات الري والكهرباء بما يلبى احتياجات خططها للتنمية البشرية، بل تحتفظ بحقها في بيعها تلك المياه لدولتي المصب. وإلى هنا يمكن تعويض ذلك الفرق وليس سد الفجوة المائية، باستكمال بناء قناة جونجلى جنوبي السودان لتوفير نحو 15 مليار م3 من المياه، التي يعاد توزيعها باتفاقية مشتركة بين الدولتين. وتجدر الإشارة إلى سيناريو إسرائيلي لانتزاع حصة من تلك المياه المضافة نظير استفادة دول المنابع حسب الحجم السكاني لكل دولة.
لا شك أن المشكلة السكانية لها دور في أزمة دول حوض النيل، ولاسيما بالدول الأربع الكبرى وهى: أثيوبيا والكونغو وتنزانيا وكينيا، التي تشكل نحو 85% من جملة سكان دول المنبع وما يزيد عن 50% من جملة سكان دول الحوض مجتمعة. وأن دول المنبع في أغلبها دول فقيرة ذات معدلات تنمية بشرية متدنية وأنها تعتمد في توفير الغذاء لشعوبها على الأمطار. ومن سوء الطالع أن الأمطار تشهد اختلافات في الكمية وأوقات الهطول نتيجة تأثر المنطقة بالتغيرات المناخية، إلى جانب تضاعف عدد سكان هذه الدول بحلول عام 2050، مما يعكس الخوف من المستقبل في سرعة تأمين وتمويل خطط ومشروعات التنمية. وبذلك تتطلع دول المنبع إلى الفوز بالأموال المقدمة من الهيئات والدول المانحة والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار أمريكي وحرمان مصر والسودان منها. وترى تلك الدول أن مصر المستفيد الأول بلا منافس وكانت حصتها من مياه النيل وراء تفوقها الاقتصادي، رغم اقترابها في المساحة وعدد السكان مع أثيوبيا بعد انفصال إريتريا، إلا أن مصر تعتمد على مياه النيل بنسبة 100% في مقابل 1% للثانية لاعتمادها على الأمطار في الزراعة. وجدير بالذكر أن مصر، منذ تنفيذ مشروعات الري في عهد محمد على باشا وبناء السد العالي في بداية الثورة، قد تقدمت في سياسات الزراعة وإدارة الموارد المائية لدعم التنمية البشرية في البلاد. وقد كانت قلة أمطار مصر وراء اعتمادها الرئيسي على حصتها الثابتة من مياه النيل، وأنها ستعانى مشكلات ندرة المياه وتدهور البيئة مع زيادة عدد سكانها عن 120 مليون نسمة بعد مرور أقل من أربعين سنة.
يظل هدف الوصول إلى حالة التوازن بين الأمن القومي للبلاد وتعظيم استخدامات المياه وتحسين جودتها، رهن العمل بأسلوب الإدارة المستديمة للمياه التي تتطلب قدر كبير من الكفاءة والتكنولوجيا المتقدمة في إطار من الحوكمة لإدارة المياه. وتؤكد الدراسات علاقة قوية ومؤثرة بين إجمالي الناتج المحلى للدول ووفرة المياه وجودتها.  ويظل الفرق شاسعاً بين الدول الغنية والأخرى الفقيرة في مجال بحوث التنمية المستديمة، وعلى رأسها مصادر المياه العذبة. وليست القضية تحقيق قدر من النجاح في تخفيف ندرة المياه وإنما التغلب على الفجوة الغذائية وآثارها الواسعة بالدول الفقيرة ومنها مصر. ومن هنا يتطلب الأمر البحث عن مصادر جديدة للمياه، والاهتمام بالتركيب المحصولى والعائد الاقتصادي بما يتناسب مع استهلاك المياه، بل الاعتماد على تقنية التعديل الجينى للمحاصيل لإنتاج زراعي وفير بأقل كمية من المياه. ووقف الاستخدام الجائر في مجال الري وتأمين المياه الجوفية بالوادي والدلتا وصحراء سيناء، وكذلك الاستفادة من مياه الأمطار والسيول في زراعة مراعى موسمية لتنمية الثروة الحيوانية. وضرورة الأخذ بإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي في زراعة محاصيل معينة، واستحداث أنظمة ري قادرة على فصل الملوثات وضبط نوعية المياه المعاد استخدامها. دع عنك التوسع في أساليب الري الحديثة بالأراضي القديمة، ومراجعة خطة التوسعات المستقبلية في توشكي وشرق العوينات وغرب الدلتا وغيرها بما يتناسب مع اقتصاديات الموارد المائية المتاحة.
تقتضي الضرورة تحلية مياه البحر بعد أن تطورت تقنياتها وكمياتها المولدة. ومراجعة انتشار ملاعب الجولف وحمامات السباحة للفئات الخاصة، وسلوكيات الأفراد في غسيل السجاد والسيارات والأرصفة والطرقات وري الحدائق بنظام الغمر، حيث يقدر استهلاك تلك الأنشطة والسلوكيات بما يزيد على 5% من إجمالي حصة مصر المائية. ويمكن استرداد كميات هائلة من المياه الضائعة بالتخلص النهائي من حشائش وورد النيل، وكذلك خفض الفاقد من بحيرة ناصر (حوالي 10 مليارات م3 سنوياً)، وفواقد محطات وشبكات مياه الشرب (حوالي ثلاثة ملايين متراً مكعباً في إقليم القاهرة، 2008). ناهيك عن الاستفادة من نتائج أبحاث جلب السحب والأمطار والتحكم في المناخ المحلى. وفى حقيقة الأمر، لابد للحفاظ على المياه من تفعيل المسئولية الاجتماعية بمشاركة كافة فئات المجتمع. وذلك من خلال إيجاد برنامج قومي لتنمية الوعي المائي ينفذه شباب مصر بنظام الخدمة العامة، من هؤلاء الذين يطبق عليهم الإعفاء من التجنيد سنوياً. ويستهدف، أصحاب المقاهي والمطاعم والورش الحرفية وحراس العقارات وعمال النظافة في البيوت ودور العبادة وغيرهم ممن لهم دور مؤثر في ترشيد معدل استهلاك المياه. وكذلك إعداد برامج إعلامية متكاملة تحت إشراف وإدارة متخصصة للتوعية في مجال الحفاظ على المياه من أجل حياة يسودها السلام والحرية والرخاء.

من أرشيف مقالات الأهرام (2010)

للاطلاع على المقال الأصلي في الاهرام  اضغط هنا 

تعليق واحد لحد الان.

  1. يقول د. حمدي هاشم:

    بالفعل مقال في إعادة نشره نفع، وتأكيد على مشكلة وثقافة ندرة المياه في مصر، وذلك قبل الشروع في بناء السد الإثيوبي. أشكر صاحب السعادة الأستاذ “محمد التفراوتي”، الإعلامي البيئي العربي المتميز، على النشر في بوابة “آفاق بيئية”. تحياتي.

اترك تعليقاً