اخر المقالات: المؤتمر الإسلامي لوزراء البيئة يعقد دورته السابعة  في مقر الإيسيسكو بالرباط || إدماج المرأة القروية  في المنظومة البيئية والمحيط السوسيواقتصادي || مؤتمر رفيع المستوى لتسريع تفعيل لجنة المناخ لحوض الكونغو || الأستاذ نجيب صعب في حوار عن واقع المشهد البيئي العربي || التغيرات البيئية خلال العقد الماضي || عدد أكتوبر من مجلة “البيئة والتنمية”: هل نشرب البلاستيك ؟ || استغلال طاقة الشمس || الرأي العام العربي والبيئة || صانعو التغيير الأخضر في حوض المتوسط || هل نشرب البلاستيك؟ || تدابير تنظيمة من أجل قنص مسؤول || نتائج قمة ” فرصة المناخ ” وآفاق قمة المناخ القادمة “كوب 23” || حوار إقليمي لإفريقيا بشأن المساهمات المحددة وطنيا للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة || تقييم تغير أثر تغيُّر المناخ والتكيف معه في المنطقة العربية || المحافظة و تثمين المنتزه الوطني لتوبقال || صدور تقرير منظمة “الفاو ” حول التوقعات حيال حالة المحاصيل والأغذية || وجبة غذاء جيدة من أجل المناخ || إنذار بزوال الجليد البحري قرب القطب المتجمد الشمالي || دعوة عالمية لمكافحة هدر وفقد الأغذية || نحو دمج ثقافة الاستدامة في إدارة المدرسة بفلسطين ||

بوعشرين

بقلم توفيق بوعشرين

11 ألف شرطي ودركي ومخبر تجندوا في العاصمة باريس لحماية مؤتمر الأمم المتحدة للتغيرات المناخية. جيش كامل تجند لحماية رؤساء وملوك وأمراء العالم الذين جاؤوا إلى باريس لإلقاء خطب جميلة حول الأرض والماء والحيوان والهواء والنبات المهددة اليوم نتيجة الإسراف في التصنيع والاستهتار بالبيئة، والجشع في استغلال الموارد الطبيعية، والأنانية تجاه الأجيال المقبلة التي ستحرم من حقها في موارد الطبيعة وفي تنوعها، بل ستكون ضحية للكوارث الحالية والمستقبلية. المفارقة أن السلطات الفرنسية فتحت الميكرفونات للقادة المتهمين بتلويث البيئة، فيما فرضت الإقامة الإجبارية على 26 ناشطا بيئيا منعوا من مغادرة بيوتهم يوم قمة المناخ.

تراهن فرنسا على أسلوب الإقناع بدل الإلزام، أي إقناع قادة العالم بأن الحياة مهددة على الأرض، وأن الجري وراء النمو والتنافس والتصنيع والإنتاج لا يتعارض مع الاقتصاد الأخضر، لكن مع بذل مجهود أكبر، ودفع فاتورة أغلى، والوعي بأن الربح السريع خسارة مؤجلة.

لقاء ريو ديجنيرو (1992) فشل وكذلك لقاء كيوتو لأن الدول الملوثة الكبرى، أمريكا والصين والهند والبرازيل وغيرها، ترفض الالتزام بما تقرر في هذه المؤتمرات. كل دولة لها حسابات خاصة.. أمريكا ترى أن التقيد بمدونة سلوك رحيمة مع البيئة سيؤخر وتيرة النمو في بلادها، وسيضعف من تنافسيتها في سوق لا يرحم، أما الصين فإنها إلى وقت قريب كانت تعتبر أن المبالغة في الحديث عن التغيرات المناخية وحماية البيئة ما هو إلا خطة إمبريالية لوقف نموها، وأن الدول الصناعية الغربية، وفي مقدمتها أمريكا، بعد أن لوثت الأرض لقرنين كاملين، جاءت اليوم لتعطي العالم الفقير الدروس في حماية البيئة، وهي، من ثم، تريد أن تجعل الطريق نحو نهوض هذه البلدان أطول، أما البيئة فهي آخر همومها.

جاء أوباما إلى قمة باريس ليستعرض مهاراته في الخطابة، وأسلوبه الساحر في الكلام، لكنه يعرف أن الأغلبية الجمهورية في الكونغرس تستهزئ بالحديث عن التزام قانوني بالحد من الانبعاثات الغازية، ولهذا صوت الجمهوريون في الكونغرس، قبل انطلاق القمة، على قانون يمنع توقيع الإدارة الحالية على أي اتفاقية ملزمة للحد من انبعاث الكربون، لأن أقطاب الجمهوريين مرتبطون باللوبي النفطي والصناعي المتحكم في البلاد، لهذا فخطابات أوباما في باريس أمام 194 دولة لن تكون سوى خطابات لأرشيفه الشخصي بعد أن يتقاعد.

الدول التي تدافع عن اتفاقية ملزمة للحد من التغيرات المناخية نوعان: إما دول غنية لها رأي عام واعٍ بمخاطر البيئة، وهو يضغط على حكوماته للحد من الأضرار الكبيرة التي تلحق بصحة الأرض والماء والهواء والنبات، وحتى لا تذهب أصوات هذه الكتلة الناخبة المهمة إلى أحزاب الخضر، المعتدلة والمتطرفة على السواء، تحاول الحكومات اليمينية واليسارية تبني البرنامج الأخضر لاستيعاب أصدقاء البيئة الذين يزداد عددهم يوما بعد آخر. أما الصنف الثاني من الدول فهي الفقيرة التي تدفع ثمن الاختلالات البيئية من سلامة أبنائها وأراضيها ومستقبل العيش في أوطانها.

الفوضى البيئية التي يعيش فيها العالم ليست خللا تقنيا، أو انحرافا أخلاقيا، أو جشعا اقتصاديا فقط، المشكلة أعقد من هذا المستوى.. المشكل سببه ثلاثة عوامل رئيسة: أولا: غياب «حكومة عالمية» تفرض القانون على مجتمع الدول، وتنظم صراع المصالح على الموارد الطبيعية، وتخفف من الفوضى المنتشرة فوق أرض صارت قرية صغيرة ومتداخلة. صار الاقتصاد عالميا، وأضحى السوق عالميا، لكن القانون مازال محليا والأمم المتحدة منبرا للخطابة لا يقيم له الكبار وزنا. السبب الثاني هو إيديولوجيا الغرب المادية، والرأسمالية تحديدا، التي ترفع شعار: «دعه يعمل دعه يمر». إيديولوجيا تقدس الربح والمادة والمال والمتعة والغريزة دون حدود ودون تفكير في حقوق الآخرين، وحقهم في البيئة المشتركة، فالشركة التي تعمل في تكساس على استغلال حقول النفط منذ قرن لا ترى أن إضرارها بالبيئة والمناخ يغرق ملايين البنغلادشيين بسبب الفيضانات والسيول القاتلة. السبب الثالث وراء اختلال البيئة هو نموذج العيش الحديث الذي يسوقه الغرب إلى كل المجتمعات، حيث الحياة المرفهة المبنية كلها على استغلال غير معقلن للموارد الطبيعية، والإسراف الكبير في استهلاك الطاقة والماء والغذاء والثروات الحيوانية والمائية… لا توجد موارد كافية فوق الأرض لاستمرار نمط عيشنا هذا بالنسبة إلى أكثر من سبعة ملايير إنسان.. نمط العيش هذا صار معديا للبيئة، والحل هو أن نصير أصدقاء لأمنا الأرض لا أعداء لها.

اترك تعليقاً