اخر المقالات: خرافة التخلص التدريجي من الوقود الاحفوري || أول شفرة ريحية “مصنوعة بالمغرب || استجابة عالمية حقا لتغير المناخ || قمة الكوكب الواحد: محاولة رأب الصدع بين الدول المتطورة و النامية || قمة الكوكب الواحد مبادرة ممتازة لاستثمار زخم قمة “كوب 23” || الإدارة المستدامة لمخلفات معاصر زيت الزيتون ||  الجبال عرضة للضغط : المناخ والجوع والهجرة || تأثيرات تغير المناخ على الموارد المائية || جهود المغرب في مجال التنمية المستدامة || واقع زراعة النخيل وإنتاج وتصنيع التمور في السودان || حدود أسعار الكربون || حالة الأمن الغذائي والتغذية في أوروبا وآسيا الوسطى سنة 2017 || الاقتصاد الأزرق وإيجاد فرص العمل والاستثمار || برامج البيئة والمياه في منطقة البحر الأبيض المتوسط || نتائج قمة الأطراف “كوب23 ” لم تكن مرضية إلى حد كبير || المعرفة هي التوجه الجديد من أجل مستقبل الأغذية والزراعة || حملة القضاء على الجوع تصل إلى نقطة الانعطاف || موح الرجدالي رئيسا لدائرة البرلمانيين المتوسطيين من أجل التنمية المستدامة || محمية المحيط الحيوي للاركان :  في أفق نقلة نوعية || الاحتفال باليوم العالمي للمراحيض بجماعة “أوكايمدن” ||

Derek Tittensor

 بقلم ديريك تيتنسور

لقد سبقت أسماك القرش وبنات عمومتها أسماك الراي الديناصورات في الظهور على كوكب الأرض. وقد نجت من الانقراض الجماعي الكارثي الذي أجهز على التيرانوصوروس ريكس (ديناصور ضخم آكل للحوم عاش في أواخر العصر الطباشيري)، وكل بقية الديناصورات، كما نجت من انقراض العصر البرمي الترياسي الذي قضى على نحو 96% من الأنواع البحرية. وحتى السلالات التي تطورت في زمن أقرب إلى الوقت الحاضر من أسماك القرش، مثل سمك المطرقة، كانت على ظهر الكوكب لأكثر من ثلاثين مليون سنة.

ولكن في غضون بضعة عقود من الزمان أصبحت ربع أنواع أسماك القرش والراي مهددة بالانقراض. وهذا نتيجة أخطاء ارتكبناها ــ ونحن مسؤولون عن إصلاحها.

 وأسماك القرش والراي ليست وحدها. بل وهناك مكونات أخرى عديدة للتنوع البيولوجي البحري ــ وخاصة الشعاب المرجانية، والثدييات البحرية، والطيور البحرية، والسلاحف ــ تكافح أيضاً لتحمل الضغوط التي يفرضها البشر عليها. ونتيجة لهذا فإن النظم الإيكولوجية البحرية معرضة لخطر الانهيار وأصبحت أقل استقراراً وأقل إنتاجية.

ونظراً لمجموعة واسعة من التهديدات التي تواجه الحياة البحرية ــ بما في ذلك الإفراط في صيد الأسماك (الصيد الجائر)، وتغير المناخ، والتلوث، والتنمية الساحلية ــ فمن السهل، بل وربما من المنطقي، أن نستسلم للتشاؤم. غير أن هذا العام ربما يكون بداية نهج أكثر قوة ونشاطاً في حماية النظم الإيكولوجية البحرية، وخاصة في ما يتعلق بالصيد الجائر، وهو المسؤول عن انحدارات حادة تمكنت من العديد من الأنواع.

ولا ينبغي لنا التهوين من شأن التحدي الماثل أمامنا. وسوف يتطلب التصدي لهذا التحدي التغلب على واحدة من أكبر العقبات المستعصية التي تحول دون المحافظة على الحياة البحرية: ضمان استدامة التنوع البيولوجي في ما يقرب من 60% من محيطات العالم التي تقع خارج سلطان الدول على المستوى الفردي.

وفي حدود المائتين من الأميال البحرية التي تشمل مناطقها الاقتصادية الخاصة، هناك قِلة من البلدان التي استخدمت مزيجاً من التشريعات القوية، والإدارة الجيدة، والإنفاذ الفعّال للحفاظ على الثروات السمكية والنظم الإيكولوجية (وهناك أيضاً عدد كبير للغاية من الأمثلة المضادة).

ولكن خارج حدود المناطق الاقتصادية الخاصة، تنشأ مشكلة خبيثة ومهلكة: فأغلب الموارد الحية مفتوحة للجميع بحكم الأمر الواقع، الأمر الذي يجعلها عرضة للاستغلال المفرط. ورغم المحاولات العديدة المخلصة لتحسين إدارة هذه الموارد، فإن جميعها تعتمد على استعداد الجهات الفاعلة الفردية للتنازل عن الفوائد الاقتصادية القصيرة الأمد المترتبة على الاستخدام المكثف للموارد في مقابل الصالح العام في الأمد البعيد.

كلما نشأت تكلفة عن المشاركة في عملية دولية، سوف يكون هناك الحافز دائماً لعدم اللعب وفقاً للقواعد، أو لفرض القواعد بشكل ضعيف، أو عدم المشاركة على الإطلاق. ويصدق هذا بشكل خاص على القضايا البيئية، حيث رأس المال المطلوب مرتفع؛ والحاجة إلى شبه الإجماع على الدعم حاسمة؛ وحيث قد تكون القضايا مثيرة للجدال؛ والفوائد موزعة بشكل غير متناسب ولن تتحقق إلا على مدى فترة زمنية طويلة. وتشير الألفة العابرة مع سياسات تغير المناخ الواقعية إلى أن هذا التحدي مخيف ــ إن لم يكن مستعصيا ــ ويكشف عن عناصر من المعضلات السياسة والاجتماعية الأشد صعوبة: معضلة السجين، ومشكلة ركاب المجان، ومأساة المشاعات.

في الوقت الحاضر، هناك شبكة من التشريعات ــ بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار، والمبادئ التوجيهية لمنظمة الأغذية والزراعة، واتفاقية الثروات السمكية، فضلاً عن اتفاقية الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية ــ تحكم الأنشطة التي قد تؤثر على التنوع البيولوجي في أعالي البحار. ورغم هذا فإن الحماية المكفولة للموارد الحية تظل محدودة ــ ولا تخلو من الثغرات.

على سبيل المثال، لأن ليس كل البلدان موقعة على هذه الاتفاقيات، فإن السفن بوسعها أن تختار أي علم ترفعه لتجنب التقيد بالتنظيمات. وتظل بعض مصائد الأسماك خارج اختصاص أي من الهيئات الإقليمية التي تلعب دوراً في إدارة الموارد. ونتيجة لهذا فإن صيد الأسماك غير المشروع وغير المسجل وغير المنظم يعادل المليارات من الدولارات سنويا.

ومن بين الخطوات الواعدة، التي أوصت بها مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة في يناير/كانون الثاني، والتي تقضي بوضع اتفاق ملزم قانوناً بشأن التوع البيولوجي في أعالي البحار، من المقرر أن تكون جاهزة لمراجعة الجمعية العامة للأمم المتحدة بحلول سبتمبر/أيلول.

وقد يساعد مثل هذا الإطار المنسق والمتناغم في إغلاق الفجوات الإقليمية في الإدارة؛ وإلزام هيئات مصائد الأسماك القائمة بالعمل على تحسين النتائج؛ وفي نهاية المطاف تمكين تطوير هيئات جديدة تركز على إدارة وحماية النظم الإيكولوجية، وليس فقط الثروات السمكية. وهذا بدوره ربما يحفز القدر اللازم من التعاون لخلق مناطق بحرية محمية في أعالي البحار، وهو ما من شأنه أن يمكن النظم الإيكولوجية التالفة أو المستنزفة من التعافي.

بطبيعة الحال، لابد أن تخضع مثل هذه المناطق للمراقبة لكي تكون فعّالة. وكان من بين التطورات الواعدة في هذا السياق استخدام تكنولوجيا الأقمار الصناعية لاستكشاف ومعالجة انتهاكات السفن الفردية لمصائد الأسماك. وقد يساعد هذا في جلب تغيير عميق إلى الأفضل في إدارة المحيطات، وخاصة بالنسبة للبلدان التي تتمتع بمناطق اقتصادية خاصة كبيرة وقدرة محدودة على إنفاذ القواعد البحرية.

والاستعانة بنظام منسق في الرد على الانتهاكات أمر شديد الأهمية أيضا. ومن الممكن إغلاق الموانئ أمام السفن التي تخرق القواعد من خلال اتفاقية تدابير دولة الميناء، والتي تنتظر التصديق حاليا.

إن إدارة المحيطات والمحافظة عليها تمر بمرحلة حرجة. فمن غير الممكن أن نستمر في الاستغلال المفرط للموارد البحرية إلى ما لا نهاية. والواقع أن اتفاقية “التنوع البيولوجي خارج الاختصاص الوطني” المرتقبة، والتي سوف تكون مدعومة بطرق جديدة لمراقبة الامتثال، من ا لممكن أن تعمل على تحسين إدارة المحيطات بشكل كبير.

ومكمن الصعوبة هنا هو أن الإدارة الأفضل تستلزم في العديد من السيناريوهات أن نختار الاستدامة البعيدة الأمد وليس المنافع القصيرة الأمد. ويتبقى لنا أن نرى ما إذا كنا سنتغلب على ميلنا إلى اختيار العكس.

بقلم ديريك تيتنسور  (Derek Tittensor ) وهو عالم البيئة البحرية في المركز العالمي لرصد حفظ الطبيعة / برنامج الأمم المتحدة للبيئة وأستاذ مساعد في علم الأحياء في جامعة دالهوزي  (Dalhousie University). 

 ترجمة: مايسة كامل /www.project-syndicate.org

اترك تعليقاً