اخر المقالات: الزعفران : دراسات وأبحاث بيولوجية واﻟﻔﻴﺰﻳﻮﻟﻮﺟﻴة لمكافحة التغيرات المناخية || “النخلة بعيون العالم” تواصل قبول أجمل صور العالم للشجرة المباركة || التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر || الطبيعة الأم ضد تغير المناخ || إحصاءات بيئية تدق ناقوس الخطر || الفيلم  الوثائقي “المملكة المستدامة” || منح شهادة “إيزو 20121” لمؤتمر الأطراف كوب 22 || “مسارات 2050”: مبادرة لتطوير نموذج اقتصادي منخفض الكربون || تجربة واحة ليوا أمام مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ بمراكش || محرك مبادرات وتمويلات المساهمات المعتزمة المحددة وطنيا NDCs || إعلان مراكش للعمل من أجل المناخ والتنمية المستدامة || شراكة بين المغرب والولايات المتحدة الامريكية فيما يتعلق بالتدبير المستدام  للموارد الغابوية || قمة نساء الرائدات تجمع قياديات من أجل المناخ بمؤتمر COP22 || إطلاق شراكة مراكش من أجل العمل المناخي الشامل || تعزيز تكيف منطقة البحر المتوسط مع تقلبات المناخ || خطاب ملكي بقمة العمل الإفريقية خلال مؤتمر الأطراف COP22 || يخت عملاق لتنظيف المحيطات || مشاريع بيئية نموذجية بمدينة مراكش  || يوم التربية بمؤتمر الأطراف COP22 || الأميرة للا حسناء تفتتح يوم المحيط بمؤتمر الأطراف “كوب 22 “ ||

Book Env. in the Age of Rev. cover- Raouf

د. محمد عبد الرءوف

المنسق العالمي للمجتمع المدني لمجموعة البحث العلمي التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة

إصدار دار المعارف – القاهرة – مصر – يناير 2014، رقم 01 / 37636

 يناقش هذا الكتاب الربيع العربى والثورة المصرية على وجهة التحديد بموجاتها المختلفة من زاوية بيئية علمية بحتة بعيدا عن التحليلات والجدال السياسى.

فيمكن لاى متابع أو مدقق النظر أن يدرك بسهولة أن العديد من المشكلات فى جمهورية مصر العربية مثل السحابة السوداء والمياه والتربة الملوثة وانتشار الأمراض والأوبئة المعدية والأغذية المسرطنة ونهب وتدمير الموارد الطبيعية والصناعية والتعدى على الأراضى الزراعية والمحميات الطبيعية ..الخ كانت بمثابة قاعدة انطلاق للثورة المصرية. بإختصار نمط الاقتصاد البنى الملوث والغير عادل اجتماعياً كان من أهم الأسباب التى أدت لقيام الثورة المصرية.

فقد مثلت هذه المشكلات البيئية ما يسمى بالظواهر غير المستقرة وهى المشكلات التى تحمل بين طياتها إحتمالية التطور أو التسبب فى نشوء نزاع/صراع/مظاهرة…الخ، وفيما يخص ثورة 25 يناير وموجاتها المتتالية المختلفة فقد وضحت كثير من هذه الظواهر، والتى إذا انتبهت لها السلطة الحاكمة، لكانت قد تفادت – بكل تأكيد – قيام الثورة.

ولأمانة العرض فإن الباحث لم يكتف برصد المشكلات فحسب بل وضع روشته علاج لحل هذه المشكلات المتعلقة بالبيئة لتكون خارطة طريق للمسئولين (المشغولين) بقضايا الوطن، والعمل على حلها لتحقيق حلم وطن نظيف وحماية الموارد الطبيعية التى هى الثروة الحقيقية للأمة.

ويناقش الكتاب عدداً من القضايا البيئية التى أثيرت خلال الثورة المصرية عن طريق رصد وتحليل الشعارات واليافطات البيئية التى رفعت من قبل جماهير المتظاهرين وذلك منذ قيام الثوره وحتى ثورة 30 يونيو 2013 ومنها :

  • أضرار المحيطان الحيوى والمشيد فمن وجهة نظر بيئية، نجد أنه أثناء وبعد الثورة المصرية كانت البيئة تحت ضغط شديد حيث وجدنا حرقاً وتدميراً للعديد من الأصول البيئية المشيدة Man-Made Assets وأيضاً منظومة البيئة الطبيعية أو المحيط الحيوى Bio-sphere.
  • نهب وتجريف أراضى الدولة بما فيها الأراضى الزراعية وأراضى المحميات الطبيعية.
  • أزمة نهر النيل والتى يمثل البعد البيئى فيها عاملاً مهما سواء من حيث المشكلات البيئية الحالية المرتبطة بالنهر أو للمشروعات المختلفة المزمع اقامتها، فالبعد البيئى العلمى والمتوافق مع الحقوق البيئية العالمية وحده كفيل بايجاد ارضية مشتركة لجميع دول حوض النيل للتفاهم ان لم يقدم حلولا للمشكلة.
  • مفهوم المواطنة البيئة والذى ظهر جلياً فى تنظيف الميادين فور انتهاء الثورة وكذلك حملات النظافة والطلاء عقب الثورة. وهناك العديد من المقولات الشهيرة عن ثورة 25 يناير 2011م ومنها ما يشير للبعد البيئى حيث ذكرت شبكة سى إن إن الإخبارية CNN: لأول مرة نري شعبا يقوم بثورة ثم ينظف الشوارع بعده. وهذا يعد ترجمة عملية، وإن كانت غير منظمة، لمفهوم المواطنة البيئية. وتنبع أهمية هذا التصرف من أنه يعطى إشارة واضحة للسلطة القادمة أياً كانت بأهمية نوعية الحياة للمواطنين وضرورة حماية البيئة. كما أنه يتحدى النموذج التقليدى حول المواطن المهتم بمصالحه الشخصية فقط والتى – بناء عليه – رسمت سياسات حكومية خاطئة لذلك يجب أن يتغير المفهوم أكثر للإهتمام بالقضايا البيئية والاجتماعية للمواطنين.
  • مشكلة المياه بابعادها المختلفة سواء توفيرها وتخصيصها للقطاعات والمدن المختلفة بالكميات والجودة المناسبة، بلا شك فان نزاعات القرى المرتبطة بالرى تمثل عاملا هاما هنا، اضف الى ذلك بين الحين والاخر مشكلة المياه الملوثة التى تتسبب فى امراض وتسمم فى عدد من القرى وما يترتب عليه من تذمر وتجمهر..الخ
  • كما يناقش الكتاب مشكلات وقضايا اخرى عديدية مثل نكسة الغاز الطبيعى مع قضية عدالة توزيع الثروة المرتبطة بالموارد الطبيعية، الأغذية والمبيدات المسرطنة، البيئة فى الانتخابات الرئاسية والدستور والتشكيل الحكومى.
  • حملة وطن نظيف وضرورة وضع خطة قصيرة ومتوسطة وطويلة لعلاج مشكلة القمامة وتدمير المخلفات وصولا للهدف طويل المدى بتحقيق مبأ “صفر مخلفات”. انه لمن العجيب ان تكون المخلفات فى مصر من اسباب سخط الجمهور فى القوت الذى يجب ان تكون فيه المخلفات فى مصر بصفتها دولة كبيرة ولديها مخلفات من مختلف الانواع بكمنيات ضخمة تسمح بتدويرها وبالتالى تكون مصدر دخل.

هذا ولم يغفل على المؤلف موضوع النكات المرتبطة بالثورة مع التركيز على تلك التى لها دلالات بيئية. ولأن المصرى يمتاز بخفة الدم فإن الباحث رصد أيضاً مجموعة من النكات المتعلقة بالبيئة التى صاحبت أحداث الثورة ليؤكد بالدليل القاطع أن مشاكل البيئة حاضرة فى أذهان المصريين حتى وقت الثورات فانعكس ذلك على تعليقات المصرين الممزوجة بروح النكته والفكاهة. ومن أطرف النكات التى تم تداولها قبل وأثناء الثورة ذات الدلالة البيئية: “ليه رئيس الحكومه إسمه نظيف والتلوث قاتلنا…الخ”.

وفى نهاية الكتاب إشارة سريعة لأهم القضايا البيئية الغائبة حتى الان عن المشهد فى الثورة وبعدها مثل قضية تغير المناخ وأسباب ذلك.

أن الكتاب يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك على وعى الشعب المصرى بأهمية قضايا البيئية وأهمية المشكلات البيئة فى قيام الثورة. مع أن قضايا البيئة كانت ولا زالت مهملة ولا تحتل الأولوية على الأجندة السياسية فى حين أن الشعارات البيئية التى رفعت خلال الثورة تؤكد ضرورة اهتمام متخذى القرار والقيادة السياسية بالبعد البيئى لما له من أثار صحية واجتماعية واقتصادية.

كما يوضح البعد الاستيراتيجى للبيئة والموارد الطبيعية ودورها فى نشوء النزاعات بين الشعب والسلطة أو بين فئات الشعب أو بين المدن والقرى والمحافظات المختلفة.

كما يوضح الكتاب أن البيئة قد تكون أكبر فائز أو أكبر خاسر نتيجة الثورة ويعتمد ذلك بالأساس على عدة عوامل منها : مدى سلمية الثورة ومدى نجاح الثورة ومدتها، ومدى نجاحها فى تغيير الفكر الاستيراتيجى فى إدارة موارد الدولة؟ وبكل تأكيد البيئة هي الرابحه فى حالة إنتاج الثورة نظاماً ديموقراطياً ومستقراً. ويشترط عند اتخاذ أى قرار سياسى أن يكون نابعاً من أوسع (أدنى) مستوى شعبى ممكن. والهدف من ذلك هو توفير أكبر تأييد إجتماعى للمشاريع التنموية والقرارت والسياسات المختلفة وخاصة البيئية منها والتى تكون نابعة من أوسع طبقات المجتمع تأثيراً فى القرار السياسى. فلابد أن يضع أى نظام قادم البيئة في أولوياته.

بلا غرو ان جمهورية مصر العربية تواجه تحديات ومشكلات بيئية عديدة، ويتعين عليها فى كثير من الأحيان أن توازن بين أولويات قد تبدو متعارضة، بدءاً من العدالة الاجتماعية والنمو الإقتصادي إلى أمن الطاقة والغذاء والمياه.

وبلا شك أن مصر بمواردها وظروفها وموقعها وشعبها تحتل موقعاً يتيح لها تطبيق التحول للاقتصاد الاخضر الذى يحقق العديد من الاولويات السابقة، ولابد من تبنى “استيراتيجية قومية للاقتصاد الاخضر” تغطى عدة محاور متعلقة بالطاقة الخضراء  Green Energy ، والاستثمار الاخضر Green Investment فى تكنولوجيات وقطاعات مختلفة وصناعات قليلة الكربون، وأيضاً المدن الخضراء Green Cities والحياة الخضراء بصفة عامة.

ولا يمكن باى حال من الاحوال التغلب على المشكلات المختلفة الا بتطبيق الحوكمة البيئية الرشيدة Good Environmental Governance والتى تؤدى الى سياسة أكثر فاعلية. وكجزء من الحوكمة الرشيدة لابد من تقوية البناء البيئى المؤسسى خاصة دور وزارة البيئة بحيث يصبح دورها أكثر فاعلية وتأثيراً. فهى تلعب دوراً لا يقل أهمية عن دور اى وزارة سيادية ان لم يكن يفوقهم خاصة انها الوزارة المسئولة عن ادارة الثروة الطبيعية الوطنية للاجيال الحالية والمستقبلية.

ومن هنا أقول بكل أمانه إن هذا الكتاب يوثق أحداث الثورة، ويحدد مشاكل البيئة .. كتاب يقدم روشته علاج، ويرسم خريطة طريق لخلق بيئة نظيفة لمن يهمه الأمر.

انه كتاب يربط بذكاء بين المشكلات التى يعانى منها العامة والقضايا البيئية الحديثة مثل الاقتصاد الاخضر والحوكمة البيئية ويوضح كيفية ترجمة هذه المفاهيم البيئية الحديثة (والتى هى اصلا تنبع من ثقافتنا الاسلامية) الى ارض الواقع بهدف الارتقاء بنوعية الحياة التى تشمل بيئة صحية وتعليم وصحة وخدمات…الخ.، اى حياة ومستقبل أفضل لنا ولاولادنا وأحفادنا.

اترك تعليقاً