اخر المقالات: بروز الثقافة الأشولية بشمال إفريقيا منذ مليون و 300 ألف سنة || تدبير الموارد الطبيعية من خلال الاستخدام المستدام للمياه والتربة بالأطلس المتوسط || أجندة مناخية بقدر مجموعة العشرين || كيفية تحقيق صفر انبعاثات الغازات || مسؤوليتنا تجاه مهاجري المناخ || مواجهة التحديات العالمية من منطلق حقوق الإنسان || نظام الغذاء العالمي يفقد صلاحيته || فداحة الطرح الإثيوبي لسد النهضة من منظور الاقتصاد الأزرق || تحيين مساهمة المغرب في تخفيف انبعاثات الغازات الدفيئة || السباق إلى الرخاء المستدام || وبدأ الأحباش فى الملىء الثانى لبحيرة سد النهضة || تباري دولي حول النخلة في عيون العالم و النخلة بألسنة بالشعراء || الجمهورية البيئية || عن الحرية والتآمر والتلقيح || الصحفية فاطمة ياسين تتوج بجائزة الحسن الثاني للبيئة || حفل التتويج بجائزة الحسن الثاني للبيئة   || أحمر الشفاه وكوفيد-19 || مبادرة طموحة بالمغرب لاقتصاد بلاستيكي دائري || المفتاح إلى التنمية || الجائحة تهدد القيادات النسائية ||

آفاق بيئية : غرو هارلم برونتلاند 

شارك اثنان من زملائي في منظمة الحكماء، ماري روبنسون وبان كي مون في الكشف عن “ساعة القيامة” (المؤشر السنوي للمخاطر الكارثية العالمية الذي تنشره نشرة علماء الذرة). في عام 2020، اقتربت عقارب الساعة من “منتصف الليل” أكثر من أي وقت مضى ــ على بُـعـد 100 ثانية فقط ــ وسوف تظل هناك في عام 2021.

The Doomsday Clock reads 100 seconds to midnight, a decision made by The Bulletin of Atomic Scientists, during an announcement at the National Press Club in Washington, DC on January 23, 2020. – President and CEO of the non-profit group Rachel Bronson said “It is the closest to Doomsday we have ever been in the history of the Doomsday Clock.” The clock was created in 1947. (Photo by EVA HAMBACH / AFP) (Photo by EVA HAMBACH/AFP via Getty Images)

ليس من المطمئن على الإطلاق أننا اقتربنا إلى هذا الحد من “منتصف الليل” هذا العام. أظهرت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) على نحو صارخ ومميت إلى أي حد أصبح أسلوب حياتنا هشا متداعيا. لقد أحرزنا تقدما ملحوظا في مجال اللقاحات، كما أن الإدارة الأميركية الجديدة تجلب الأمل في تجدد التعاون المتعدد الأطراف. ولكن ليس هناك من شك في أن المستقبل سيكون عامرا بالمخاطر التي تهدد وجود البشرية: الجائحات الجديدة، وأزمة المناخ، والصراع النووي، وغير ذلك من المخاطر التي لا يجوز لنا أن نتجاهلها.

ستكون القيادة السياسية في مرحلة ما بعد الجائحة اختبارا حاسما لقدرة العالم على الارتقاء إلى مستوى هذه التحديات. لقد تبين أن كثيرين من قادتنا ضعفاء يفتقرون إلى الكفاءة. فقد حصدت الجائحة أرواح نحو مليوني إنسان وأحدثت دمارا اقتصاديا في مختلف أنحاء العالم. ورغم أن طرح اللقاحات على نطاق واسع يجلب بصيصا من أمل لبعض الناس، فسوف يظل أغلب سكان العالم مفتقرين إلى الحماية لبعض الوقت.

من المؤكد أن القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي جو بايدن بالعودة إلى التعامل مع منظمة الصحة العالمية كان إشارة محمودة لالتزام أميركا المتجدد بالتعددية، وكذا كان توقيعه على خطة COVAXلتوزيع اللقاحات بشكل عادل. لكن تيدروس أدهانوم غيبريسوس، مدير عام منظمة الصحة العالمية، حَـذَّرَ من “فشل أخلاقي كارثي” ما لم نبذل المزيد من الجهد لضمان إنتاج وتوزيع لقاحات كوفيد-19 وفقا لمبادئ التغطية الصحية الشاملة.

كما يوضح تقرير جديد صادر عن منظمة الحكماء، فإن التغلب على جائحة كوفيد-19 بشكل كامل وتجهيز أنفسنا لحالات الطوارئ الصحية في المستقبل يتطلب إعادة صياغة سياسة الصحة العامة العالمية حول ثلاث ركائز: الاستعداد للجائحات المنتظرة في المستقبل؛ وضمان التغطية الصحية الشاملة على المستويين الوطني والعالمي؛ وتعزيز المجتمعات الأوفر صحة من خلال السياسات الشاملة والتنمية الاجتماعية.

لا تشتمل هذه الأجندة على أي جزء ثوري أو شديد التعقيد إلى الحد الذي يحول دون التمكن من تحقيقه بسرعة وعلى نطاق واسع. الواقع أن بعض البلدان التي كان أداؤها طيبا أثناء الجائحة ــ بما في ذلك تايلاند وفيتنام، حيث لم يتجاوز عدد الوفيات بسبب كوفيد-19 بين البلدين 100 حالة ــ تنفذ مثل هذه الاستراتيجيات بالفعل. ويكمن التحدي، كما هي الحال دوما، في دعم الأقوال بالأفعال، وضمان تمويل جهودنا وتصميمها على النحو اللائق دون التغافل عن احتياجات الفقراء والمهمشين.

لا شيء أكثر أهمية الآن من سياسة التطعيم. كان التطوير السريع لعدة لقاحات وليس لقاحا واحدا في أقل من عام واحد إنجازا مذهلا وانتصارا للإبداع البشري، والابتكار، والتعاون. وإنها لجريمة لا تغتفر أن لا يجري توزيع هذه اللقاحات الثمينة بالعدل والإنصاف في مختلف أنحاء العالم. في ظل جائحة عالمية، لا يجوز لنا أن نأمل في تحقيق التعافي الكامل أو إصلاح نسيجنا الاجتماعي ما لم نؤكد على ــ ونطبق ــ مبادئ التعددية والتضامن.

يتمثل واحد من أهم الدروس المستفادة من أزمة كوفيد-19 في أن السعي إلى تحقيق المصالح القصيرة الأمد والنزعة القومية تسببا في إضعاف سياسة الصحة العالمية. والآن بات من الواضح أن التحركات الوطنية نحو التغطية الصحية الشاملة يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع الجهود المتعددة الأطراف لتعزيز أنظمة الصحة العامة على مستوى العالم.

لتجهيز هذه الأنظمة للتعامل مع الجائحات في المستقبل، ينبغي لجميع أصحاب المصلحة أن يتعاملوا مع قضية التأهب والاستجابة لأي جائحة باعتبارها “منفعة عامة عالمية” تستلزم نهجا متعدد الأطراف، حيث تعمل الدول والمؤسسات العالمية على تجميع الموارد والقدرات والخبرات. ولا يقل عن هذا أهمية دعم (واحترام) العمل الجاري الذي تقوم به منظمة الصحة العالمية وغيرها من الهيئات المكلفة خصيصا بالتأهب للجائحات، بما في ذلك المجلس العالمي لمراقبة التأهب (الذي أشارك في رئاسته) والهيئة المستقلة للتأهب والاستجابة للجائحة.

من المنظور الاقتصادي، يوفر الاستثمار في التأهب لتعزيز الأمن الصحي قيمة ممتازة مقابل المال. في حالة المجلس العالمي لمراقبة التأهب، من الممكن أن يؤدي الإنفاق العالمي السنوي بنحو خمسة دولارات للفرد إلى تجنيبنا تكرار كارثة كوفيد-19، التي كلفت الاقتصاد العالمي بالفعل أكثر من 11 تريليون دولار. والعائد مرتفع على نحو مماثل عندما يتعلق الأمر بإصلاحات التغطية الصحية الشاملة، التي ثبت أنها تحقق للبلدان فوائد صحية واقتصادية ومجتمعية سريعة على مختلف مستويات الدخل.

يتعين علينا أن نبني عملنا على الدروس المستفادة من أزمة كوفيد-19 لخلق “لحظة بريتون وودز” جديدة من الابتكار والإبداع في خدمة الحوكمة العالمية. هذه هي الطريقة الوحيدة لحماية الكوكب الذي نعيش عليه وسكانه جميعا على الأمد البعيد.

لا شك أننا قادرون على حل التحديات الجمعية التي تواجهنا. لكننا الآن في احتياج إلى أن يبادر بايدن وغيره من قادة العالم إلى اغتنام هذه الفرصة والالتزام الكامل بالتعاون التعددي المستدام. والآن، كما كانت الحال دوما، يُـعَـد تحريك عقارب ساعة القيامة بعيدا عن منتصف الليل مسألة إرادة سياسية.

بروجيكت سنديكيت – ترجمة: مايسة كامل  

*غرو هارلم برونتلاند ، رئيس وزراء النرويج الأسبق والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية ، هو الرئيس المشارك لمجلس مراقبة التأهب العالمي وعضو في منظمة الحكماء.

اترك تعليقاً