اخر المقالات: سبل التغلّب على تحديات المياه في الزراعة || خطة مجموعة العشرين في التعامل مع الديون لا تفي بالحاجة || خطة عمل لدعم التنمية المستدامة ومعالجة قضايا تغير المناخ وحماية البيئة || التعامل مع نقص المياه || أوروبا والصين تمسكان بزمام العمل المناخي || كيف يمكن لبنوك التنمية العامة أن تدعم الحفاظ على الطبيعة؟ || مساعدات الشمال إلى الجنوب بشأن مواجهة التغير المناخي || مشاريع للتخفيف من وطأة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري || استيراد نفايات ايطاليا لردمها في ارض الوطن.. كارثة بيئية أخرى تحل بتونس || وجوب تبادل الخبرات في التخصصات المتعلقة بالصحة والبيئة عبر البلدان العربية || من أجل تحقيق مستويات منخفضة الكربون في مجال النقل البحري || محاسبة المياه كأداة حيوية لإدارة المياه || النتائج الرئيسية والتوصيات لتقرير “أفد” عن الصحة والبيئة في البلدان العربية || البيئة الصحية شرط أساسي لأشخاص أصحاء || الصحة والبيئة في البلدان العربية || دراسة عينة من المجتمع المدني المغربي خلال جائحة كوفيد-19: الأدوار الوظيفية والتطلعات المستقبلية || كيف نجعل الشركات تعمل من أجل الطبيعة؟ || الاستماع إلى العلم || ازمة ” ديمقراطيتنا ” و ثالوثها المحرم || الدكتور جواد الرباع منسقا عاما للشبكة المغربية للمراكز البحثية والفكرية ||

آفاق بيئية : فادي شحادة

كانت جائحة فيروس كورونا سببا في التحول السريع الذي طرأ على شبكة الإنترنت لتصبح البنية الأساسية الأكثر أهمية على وجه الأرض. فمن خلال تمكين الناس والشركات من البقاء على اتصال في ظل الإغلاق، ساعدت الإنترنت في منع الاقتصاد العالمي من الانهيار بالكامل. في واقع الأمر، مع استمرار الخوف والتباعد الاجتماعي في الفصل بين كثيرين منا، عملت الإنترنت عمل النسيج الضام لقدر كبير من التفاعل البشري والنشاط الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم.

Internet technology network and cyber security concept .Shield icon on secure data global network technology With social network icons surrounded, cyber attack protection for worldwide connections.

لكن قِلة من الناس يدركون كيف ظل هذا المورد العالمي الخطير الحساس مستقرا وصامدا منذ نشأته، حتى على الرغم من خضوع نطاقه ووزنه لنمو متفجر لم ينقطع. في عصر حيث تتسع الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كيف جرى الحفاظ على “الإنترنت الواحدة” التي تربط أجزاء العالم أجمع؟ وكيف يمكننا مواصلة حماية هذه الشبكة على أفضل نحو؟

تبدأ الإجابة على كل من السؤالين بفهم العناصر التي تجعل الإنترنت ــ التي تتألف من عشرات الآلاف من الشبكات المختلفة ــ تبدو وتعمل كشبكة واحدة للجميع. تتضمن هذه المكونات، أو مُـعَـرِّفات الإنترنت الفريدة، عناوين بروتوكولات الإنترنت (IP)، المرتبطة بكل جهاز متصل بالإنترنت، وأسماء نطاقات الإنترنت (مثل ft.com، أو harvard.edu، أو apple.news)، التي نستخدمها للبحث عن أجهزة الكمبيوتر والتوصيل بينها بسهولة.

تضمن هذه المعرفات الفريدة، بصرف النظر عن مكانك أو أي شبكة تتصل بها، قدرتك كمستخدم على التواصل الدائم مع الكمبيوتر المناسب الذي يحمل اسم النطاق المطلوب، أو الوصول إلى الجهاز المستهدف الصحيح الذي يحمل رقم بروتوكول الإنترنت المضمن embedded IP (كالترموستات الذكي على سبيل المثال). تعكس هذه البنية المعمارية البسيطة الأنيقة عبقرية حفنة من المهندسين اللامعين الذين أنشأوا الإنترنت قبل نصف قرن من الزمن. منذ ذلك الحين، لم تفشل الإنترنت قط في مساعدتنا في تحديد مواقع المليارات من الأجهزة التي أضيفت إلى آلاف الشبكات التي تشكل الاقتصاد السيبراني اليوم. وفي حال فشل هذه المعرفات، فسوف نشهد فوضى رقمية فورية عارمة.

نظرا للدور الحاسم الذي تضطلع به المعرفات، فمن الأهمية بمكان ألا تُـنـتَـقَـص أو تسيطر عليها أي سلطة غير ملتزمة بالإبقاء على الإنترنت منفعة عامة مفتوحة وعالمية. وإذا وقعت في الأيدي الخطأ، فيمكن استخدامها لتفتيت الإنترنت وتمكين التحكم في استخدامها ومستخدميها من الأعلى إلى الأسفل من قِـبَـل الحكومات الخبيثة النوايا. ومثل هذه المخاوف حقيقية، نظرا لتدخل الحكومات الاستبدادية عبر الإنترنت في الانتخابات، وشبكات الأمن الوطني، والمعاملات التجارية الرقمية في السنوات القليلة الأخيرة.

وعلى هذا فإن السؤال الرئيسي الآن هو من يجب أن يُـعـهَـد إليه اليوم بمهمة الحفاظ على أمن ومصداقية معرفات الإنترنت. الإجابة بسيطة: المهوسون بالكمبيوتر والإنترنت، وليس الحكومات.

الواقع أن ذات المهندسين الذين أنشأوا الإنترنت قاموا بإنشاء مؤسسات غير ربحية، مثل شركة الإنترنت للأسماء والأرقام الممنوحة (ICANN) وفريق عمل هندسة الإنترنت (IETF)، لتحمل المسؤولية عن المعرفات الفريدة والحفاظ على روح الانفتاح الأصلية للإنترنت. وتعمل هذه المؤسسات وغيرها على تنسيق الجهود العالمية لإدارة البروتوكولات الضرورية لعمل شبكة الإنترنت على نحو مستقر ويمكن التعويل عليه، ويتولى المهندسون الذين يديرونها اليوم هذه المهمة بقدر لافت للنظر من الاستقلالية، والدقة، والتفاني، والتواضع.

جاء آخر اعتداء كبير على استقلالية هذه المؤسسات في ديسمبر/كانون الأول من عام 2012، عندما حاولت مجموعة من الحكومات في إطار مؤتمر الأمم المتحدة للاتصالات الدولية السيطرة على المعرفات الفريدة. لكن هذه الجهود أُحـبِـطَـت بفضل يقظة الحكومات الديمقراطية التي قدرت قيمة الإنترنت العالمية الواحدة لتعزيز الإبداع، والتجارة، والتعاون الدولي.

ولكن اليوم، وسط الفوضى التي أحدثتها جائحة كوفيد-19، تعود الحكومات الاستبدادية مرة أخرى إلى استخدام الأمم المتحدة لمحاولة انتزاع السيطرة على موارد الإنترنت المهمة من المهندسين. وخلال اجتماع الاتحاد الدولي للاتصالات مؤخرا، جرى تقديم اقتراح لمعيار جديد لتكنولوجيا الشبكات الأساسية.

الأمر الذي يدعو للأسف، والأكثر إثارة للقلق والانزعاج، أن الجماعات الناشطة المتطرفة والحكومات الديمقراطية على حد سواء تتدخل بتهور في عمل هذه المؤسسات المستقلة، لكبح حرية التعبير على وسائط التواصل الاجتماعي على سبيل المثال. بعد أن أرفق موقع تويتر تحذيرا بشأن ضبط الحقائق باثنتين من تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة، هَـدّدَ ترمب بأن إدارته تعتزم فرض “ضوابط تنظيمية قوية” أو إغلاق منصات وسائط التواصل الاجتماعي التي يعتقد أنها “تُـسـكِـت الأصوات المحافظة”.

الواقع أن منظمات مثل شركة الإنترنت للأسماء والأرقام الممنوحة وفريق عمل هندسة الإنترنت أمضت عقودا من الزمن في تطوير وصقل عمليات اتخاذ القرار القائمة على الإجماع، وقد تضمن هذا المشاركة الشاملة الشفافة “من الأسفل إلى الأعلى” من قِـبَل المهندسين، والشركات، ومنظمات المجتمع المدني، والحكومات. مكمن الخطر هنا هو أنه من خلال تخريب الإجراءات الراسخة التي تحكم عمل هذه المؤسسات، سيتسبب التدخل الرسمي والضغوط في تحويلها إلى فريسة سهلة للأنظمة الاستبدادية.

إن محاولة إعادة التشكيل من خارج إطار قرارات هيئات مثل شركة الإنترنت للأسماء والأرقام الممنوحة، أو تغذية جهود الأنظمة الاستبدادية لتحويل السيطرة على الإنترنت إلى الحكومات في إطار الأمم المتحدة، يتعارض مع روح الإنترنت الأصلية وقد يفضي إلى عواقب وخيمة تدمرنا جميعا.

يتعين علينا أن نلتزم بحماية النظام المرن الصامد الذي يعمل على تمكين الإنترنت من العمل دون تدخل أو تحكم سياسي. وفي وقت حيث تتداعى صحتنا البدنية والاقتصادية في مواجهة فيروس قوي، تصبح حماية المؤسسات المستقلة الديمقراطية الشفافة التي حكمت على نحو يمكن التعويل عليه البنية الأساسية للإنترنت منذ إنشائها أعظم أهمية من أي وقت مضى.

بروجيكت سنديكيت – ترجمة: مايسة كامل

فادي شحادة ، الرئيس والمدير التنفيذي السابق لـ ICANN (2012-2016) ، وعضو في اللجنة رفيعة المستوى للأمين العام للأمم المتحدة بشأن التعاون الرقمي وعضو المجلس الاستشاري لمركز المنتدى الاقتصادي العالمي للثورة الصناعية الرابعة.

 

اترك تعليقاً