حين يتعلم البحر أن يتنفس من جديد: حكاية «سولوبايا» بين العلم والإرادة

محمد التفراوتي7 يناير 2026آخر تحديث :

آفاق بيئية:محمد التفراوتي

 مشاهد التدهور كانت صارخة. شعاب مرجانية شاحبة، مصائد أسماك خاوية، ومجتمعات ساحلية تكافح من أجل البقاء. غير أنه من قلب هذا اليأس، في أرخبيل بالاوان  (Palawan Island) الفلبيني، حيث يلتقي جمال الطبيعة بهشاشتها، انبثقت قصة استثنائية، ترويها عدسة فيلم “سولوبايا” . شريط وثائقي، ورحلة إنسانية وعلمية تثبت أن الإرادة قادرة على تحويل أفكار بسيطة إلى بحر نابض بالحياة من جديد.

الانطلاق: من عالم العقار إلى عمق المحيط

تبدأ الحكاية بمنعطف درامي في حياة زوجين فرنسيين، فريدريك وزوجته، حين قررا مغادرة عالم العقار في فرنسا للبدء بحياة جديدة في الفلبين. القرار منح تقاعدهما معنى أعمق، توج بتأسيس “مؤسسة سولوبايا  ” سنة 2012.

تجاوزت الخطوة حدود النقلة النوعية والتغيير الجغرافي، لتغدو تحولا في الوعي والرسالة. وهكذا، يتحول الفيلم إلى فضاء يعرض تجربة بيئية حية، ويستكشف العلاقة الدقيقة بين القرار الفردي والأثر الكوني، بما يرسخ دور الإرادة الشخصية كرافعة فعلية للتغيير.

المختبر المفتوح: حيث يلتقي العلم بالبحر

مبادرة «سولوبايا» رحلة عاطفية، ومغامرة علمية دقيقة. ينقلنا الفيلم إلى قلب ما يسمى “المختبر المفتوح”، حيث تزرع آلاف قطع المرجان على هياكل اصطناعية مبتكرة، بمعدل بقاء لافت بلغ نحو 70  في المائة.

غير أن الترميم لم يكن هدفا معزولا. فمن خلال “أكاديمية البحر”، تحول الصيادون أنفسهم، الذين طالما وضعوا في خانة الخصم، إلى غواصين علماء، يجمعون البيانات ويراقبون الأنواع البحرية. هنا يطرح الفيلم سؤالا نقديا جوهريا.
هل تستطيع هذه الحلول التقنية أن تعوض التدهور المتسارع للنظم البيئية؟ أم أنها مجرد إسعافات أولية في مواجهة إعصار الاستهلاك العالمي؟

قلب النجاح: حين يصبح الصيادون حراسا للبحر

ربما تكمن أكثر لحظات الفيلم إشراقا في هذا التحول الجذري. لقد كسر «سولوبايا» الصورة النمطية التي تضع حماية البيئة في مواجهة مباشرة مع مصالح السكان المحليين. بدل ذلك، قدم نموذجا تشاركيا جعل الصيادين شركاء حقيقيين في الحماية.

عبر مشروع “تشاما”، تلقى الصيادون تدريبا على الغوص العلمي، ورافقوا الباحثين تحت الماء، ليصبحوا عيونا ساهرة على مواردهم. يقول أحدهم في الفيلم، متحدثا عن تجربة الغوص: “وجدنا فيها فرصة ثمينة”.
هذا الانتقال من مستخدم للموارد إلى حارس لها هو الدرس الأعمق، وإن ظل السؤال مفتوحا. هل يمكن لهذا الالتزام أن يصمد طويلا أمام ضغوط الحاجة اليومية للقمة العيش؟

المفارقة الخضراء: السياحة المستدامة بين الوعد والتهديد

لم يكن البعد الاقتصادي غائبا عن التجربة. يعرض الفيلم السياحة البيئية كأداة تمويل ذكية، تحول الحماية إلى مصدر دخل للمجتمعات الساحلية. ففي جزيرة جزيرة كالويت (Calauit)، أطلق شعب “تاجبانوس” الأصلي (The Tagbanwa or Tagbanua) مشروعا لمراقبة حيوان الأطوم (Dugong) النادر، الذي يعدونه جزء من تراث أجدادهم، وتستخدم عائداته في حماية أراضيهم. لكن الفيلم يلمح، دون توسع، إلى مفارقة دقيقة. ألا يمكن أن تتحول هذه السياحة نفسها، إذا لم تدار بحذر شديد، إلى سيف ذي حدين يهدد الهشاشة البيئية التي وجدت لحمايتها؟

توباتاها: الحلم والواقع عند حافة البحر

ينتقل بنا الفيلم إلى متنزه توباتاها البحري، جوهرة بحر سولو، حيث تتجسد الحماية في شكل التزام إنساني يومي. هناك نلتقي بـ«ماما رينجر»، التي كرست أكثر من 22 عاما من عمرها لحراسة هذا الأتول، أحد أهم مواقع تجمع الطيور البحرية في آسيا.

نعيش مع الحراس في محطتهم المتواضعة، التي تبنيها الأمواج وتهددها العواصف، ونشعر بعزلتهم وتضحياتهم بعيدا عن أسرهم. يقول أحد الحراس، وهو ابن لعائلة صيادين:
“أملي أن أنقل هذه المعرفة إلى زملائي الصيادين… لأن بعضهم يدمر الشعاب دون وعي”.
في توباتاها، تتحول الحماية من شعار إلى واجب أخلاقي، وتصبح القيمة البيئية حياة متدفقة تمد الجزر المجاورة باليرقات والأسماك.

التحديات والتدخلات: الوجه الآخر للمعرفة

لا يخفي الفيلم صعوبة الطريق. فالعواصف المفاجئة التي علقت قوارب سياحية في الميناء تذكر بهشاشة المشاريع البيئية أمام تقلبات المناخ. وفي مشهد أكثر جرأة، نقاد إلى “مختبر الأسماك”، حيث يجمع الباحثون اليرقات باستخدام مصائد ضوئية، ويعيدون تربيتها قبل إطلاقها في البحر، بهدف إدخال نحو 40 ألف سمكة يافعة سنويا.هذا التدخل العلمي يثير جدلا مشروعا حول حدود العبث بالنظم الطبيعية، لكن القائمين عليه يبررونه بالضرورة الإنسانية في مواجهة أزمة معيشية خانقة للصيادين.

ولا يخلو الفيلم من لحظات قاسية، حين يلمح إلى مأساة غرق قارب غوص في توباتاها، مذكرا بأن العمل البيئي ليس مغامرة رمزية، بل مسار محفوف بالمخاطر، قد تدفع فيه أثمان بشرية باهظة.

رمزية البناء: الاستمرار رغم العواصف

في مقابل هذه الهشاشة، يوثق الفيلم لحظة أمل صامتة: بناء محطة جديدة لحراس توباتاها، مكونة من ثلاث بنايات مترابطة، لتحل محل المحطة القديمة التي أنهكتها الرياح والأمواج. مشهد يجسد صراع الإنسان مع الطبيعة، وإصراره على مواصلة الحماية رغم كل التحديات.

البحر… مسؤولية الجميع

في محصلته، تبدو مبادرة «سولوبايا» عقد أمل لا وعدا ورديا. إنه يقدم دليلا ملموسا على أن التغيير ممكن، حين تلتقي الإرادة بالعلم والمشاركة المجتمعية، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام أسئلة ثقيلة. عن حدود النماذج المحلية في مواجهة الأزمات الكوكبية، وعن صراع المصالح مع القوى الاقتصادية الكبرى، وعن إمكانية نقل التجربة إلى سياقات مختلفة.

الرسالة التي تبقى عالقة بعد انتهاء المشاهدة هي أن البحر، بكل عظمته وهشاشته، ليس ملكا لأحد، بل أمانة مشتركة. الأفكار هي البذور، والمشاركة والإرادة هما الماء والضوء… وحين يلتقيان، يمكن للبحر أن يزدهر من جديد، لا في الفلبين وحدها، بل على كل شاطئ يلامس أفق هذا الكوكب الأزرق.

يشار أن الفيلم  «ذا بلو كويست، بالاوان» (The Blue Quest – Palawan)  يكتسب بعدا إضافيا، من خلال عرضه في سياق المهرجان الدولي لأفلام البيئة بشفشاون، حيث ينظم ضمن فعاليات الدورة الثالثة عشرة درس سينمائي جماعي (Master Class) بمشاركة ضيوف المهرجان، خصص لمناقشة القيم الفنية والجمالية والبيئية التي يحملها الفيلم.

الفيلم، من إخراج كليمان بورطال و جيروم بروس، هو شريط وثائقي ملتزم تبلغ مدته 70 دقيقة، يستعرض المبادرات المرتبطة بالحفاظ على البيئة البحرية في جزيرة بالاوان، المصنفة محميةً للمحيط الحيوي من قبل اليونسكو، والمعروفة بـ«آخر حدود الفلبين البيئية». ومن خلال مشاهد غامرة ولقاءات ميدانية مع منظمات غير حكومية مثل Solubay وC3، إلى جانب حراس متنزه توباتاها البحري، (Tubbataha Reefs Natural Park) يكشف الفيلم عن ديناميات التعاون القائم بين المجتمعات المحلية وجهود حماية النظم البحرية.

يذكر أن  الفيلم كما يسلط الضوء على قصص إنسانية ملهمة، من بينها مبادرة «أكاديمية البحر» (Sea Academy) التي أسسها زوجان فرنسيان، ودور النساء الحارسات (Mama Rangers)، والعلماء الشباب المنخرطين في دعم الأمن الغذائي والحفاظ على التنوع البيولوجي. وفي جوهره، يحمل الفيلم رسالة أمل واضحة، إذ يؤكد على الدور الحيوي الذي تؤديه المناطق البحرية المحمية، ويبرز أهمية تحقيق هدف 30×30، أي حماية 30 في المائة من المحيطات بحلول عام 2030.

وقد توج «ذا بلو كويست – بالاوان» بجائزة Conservation Award في مهرجان سان فرانسيسكو الدولي لأفلام المحيطات، كما حصد جوائز أخرى في دوفيل ومانيلا، واختير للمشاركة في أكثر من 50 مهرجانا دوليا، محققا ما يفوق 100 ألف مشاهدة عبر الإنترنت. كما عرض ضمن تظاهرات دولية بارزة، من بينها قمة الاستدامة بجامعة ستانفورد، ومؤتمر Our Ocean، ومؤتمر نيس للمحيطات 2025، ما يعزز مكانته كعمل سينمائي بيئي يتجاوز حدود الشاشة ليصبح أداة للتفكير والتأثير.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!