اخر المقالات: نفوق أقدم قرد من قبيلة الشمبانزي الشهيرة في غينيا عن عمر يناهز 71 سنة || لقاء تشاوري مع كفاءات مغاربة العالم الخبراء في مجالات المياه والتغيرات المناخية والطاقات البديلة || كيف يمكن لقانون “رايت” أن يعيد بناء المناخ؟ || تعاون دولي لرسم سياسات مائية رائدة || مهمته الإنقاذ… صرصور يعمل بالطاقة الشمسية || الجدول الزمني المنقح للتقرير التجميعي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ || تعزيز النتائج الصحية والمناخية لأكثر من 11 مليون مغربي || الأنواع الغازية تغيّر من طبيعة البحر الأبيض المتوسط || بارقة أمل في صراع المناخ || الرأسمال البشري رافعة حقيقية لتنمية المنتوجات المحلية بجهة سوس ماسة || من إدارة الكوارث إلى إدارة الموارد || بحوث وتجارب علمية تعكس واقع وآفاق زراعة النخيل بموريتانيا || الحمض النووي للمياه  || انطلاق الدورة الأولى للمهرجان الدولي للتمور الموريتانية || حقوق الإنسان هي مفتاح حماية التنوع البيولوجي || كيفية تشكّل أولى الثقوب السوداء فائقة الكتلة في الكون || استعادة المحيطات || الصندوق العالمي للطبيعة بالمغرب جهود معتبرة ونتائج مميزة || مبادرات خضراء ذكية لمواجهة آثار تغير المناخ || مهرجان الدولي للتمور بموريتانية ||
أبريل
02

فتّش عن الماء

najibsaab

صديقي وزير النفط في دولة ميسورة دائم التفاؤل. فهو يعتقد أن في التحذيرات من التلوث ونضوب الموارد وتغيّر المناخ كثيراًمن المبالغة، ولا يرى بالتالي حاجة إلى تعديل أنماط التنمية في بلده لتتلاءم مع محدوديات الموارد وقدرة الأنظمة الطبيعية على التجدد. «لدينا الأموال لنشتري كل ما نريده وما نفتقر إليه في بلدنا. نحتاج إلى ماء وغذاء وإلى أيد عاملة، نشتريها بأموالنا. هذا حق سيادي».

وحين نذكّر معاليه بأن هناك حدوداً للتنمية تحكمها العوامل الطبيعية، وأن هذه قد لا يمكنها استيعاب الكمّ الهائل من ملايين العمال المستوردين، الذين يستنزفون البيئة المحلية، استهلاكاً ومخلفات، يجيب بأن خطط التنمية المعتمدة تتطلب هذا. نوضح لمعاليه أن هدف التنمية تحقيق سبل الحياة الرغيدة للناس، فإذا تسببت باستنزاف للرأسمال الطبيعي بما لا يمكن تعويضه، يجب تعديلها باعتماد أنماط التنمية القابلة للاستمرار. وإذ يستفسر معاليه، نعطي مثلاً أن هدف إنشاء الأبنية تلبية حاجات الناس الى مأوى، بينما ما يحصل في حالات كثيرة هو البناء أولاً ثم البحث عمن يشغلون المباني، ولو بالاستعارة والاستيراد، وذلك لرفع أرقام الناتج المحلي فقط.
يتهمنا الصديق الوزير باعتماد أفكار غربية هدفها منع الدول النامية من تحقيق طموحاتها المشروعة، فنذكّره بأن عالم الاجتماع العربي ابن خلدون هو من علّم الغرب قبل ستمئة سنة أن على النمو أن يحترم أحوال المحيط الطبيعي. الطموح مشروع، لكن لا يمكن «استيراد» خطط التنمية الوطنية وتلزيمها إلى مقاولين دوليين.
صديقي وزير البيئة متفائل أيضاً. فكلّما أصدر تقريراً دورياً عن «الانجازات»، يستعرض فيه الاجتماعات والدراسات والخطط، يدعوني باعتزاز الى المشاركة في الاحتفال. وحين يقترح أحدهم أن يستعرض التقريرُ التالي التحسُّن الفعلي في أوضاع البيئة خلال سنة، لا عدد الخطط والاجتماعات، يطلب منه النظر بإيجابية إلى النصف المليء من الكأس.waterrrrrrrrr
بعض الأصدقاء المتشائمين، في المقابل، يُصرّون على حصر النظر بالنصف الفارغ من الكأس. فإذا نفّذ بلد ما مشروعاً رائداً لانتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، يتجاهلونه ويتحدثون فقط عن عدم كفاءة استخدام الطاقة في ذلك البلد. وإذا خفضت شركة صناعية استهلاكها للطاقة بنسبة 20 في المئة باعتماد تدابير لتحسين الكفاءة، يحمل عليها جماعة الغربان الناعقة لأنها لم تخفض بنسبة 40 في المئة مرة واحدة.
يذكّرني هذا بتعليق لنائبة الرئيس لشؤون البيئة في شركة جنرال إلكتريك، حين اتهم أحدهم بالخداع شركة بنت مصنعاً هو الأقل تلويثاً في مجال صناعة السيارات، لكنه ينتج واحدة من أكثر السيارات إصداراً للانبعاثات. أجابت: «أليس الأفضل أن يبدأوا ببناء مصنع نظيف، والانطلاق من هذا لتصنيع سيارة نظيفة في مرحلة لاحقة، من أن يبقى المصنع والسيارة كلاهما ملوثين؟»
بينما يتلهى المتفائل والمتشائم معاً في النظر إلى النصف المليء أو النصف الفارغ من الكأس وتدبيج النظريات، يغيب عن كليهما أن الماء يتناقص تحت أعينهما، كما الهواء يتلوث والموارد تنضب والمناخ يتغير.
في الوضع البيئي العربي الراهن، نحتاج إلى شخص ثالث غير المتفائل والمتشائم، هو الشخص العملي. إنه الذي يتوقف عن إضاعة الوقت بالنظر فرحاً إلى النصف المليء أو حزناً إلى النصف الفارغ، ويركض بحثاً عن مصدر للماء ليملأ منه الكأس، بعد أن يضعه مستقيماً لوقف الهدر.
لقد حان الوقت للانطلاق من الاكتفاء بوصف التحديات البيئية الى العمل على حلها.

(ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد نيسان/أبريل 2013)

اترك تعليقاً