اخر المقالات: ماكرون الثاني: مواجهة التحديات البيئية عبر الفعل أم الاكتفاء بمواصلة الخطاب المعسول || حوارات بيئية في قصر الأمم || الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والتدابير اللازمة للمعالجة || توحيد الجهود للحد من التلوث البحري بالبلاستيك في المناطق البحرية المحمية في البحر الأبيض المتوسط || نكهة حياد الكربون الرائعة  || البحث الزراعي بالمغرب نتائج مبتكرة وآفاق واعدة || شجرة أركان ، رمز الصمود والتأقلم مع الظروف المناخية || البلاستيك: مشكلة وأربعة حلول || الجفاف والتدبير المستدام للأراضي || النسخة السادسة للمؤتمر الدولي لشجرة أركان || ما نحتاجه لتحقيق السلام والازدهار على المدى الطويل || يوم الأرض حدث سنوي للتوعية البيئية || الاقتصاد العالمي في خطر || أسرع طائر في العالم لحماية مسجد الحسن الثاني الكبير بالدار البيضاء || إيجاد حل لسعر الكربون || صندوق النقد الدولي بحاجة إلى تخفيف مخاطر التحول المناخي || أربعة مسارات لمواجهة أزمة أسعار الغذاء || في حوار مع الخبير المغربي الدكتور عبد الوهاب زايد : يؤكد المنشأ المغربي من خلال تحليل الحمض النووي لعدة عينات من نخيل المجهول || العدالة المناخية تتطلب قيادة نسائية || بناء الإجماع حول التعافي الأخضر ||

آفاق بيئية : الفاو 

كيف يؤدي الجمع بين التكنولوجيا الحديثة والمعارف التقليدية إلى جمع مياه الأمطار وإعادة الأراضي إلى هيئتها الأصلية .

يخلق محراث دلفينو أشكالًا هلالية عبر المنظر الطبيعي لجمع المياه من أجل زراعة الشتلات وإعادة الأراضي إلى هيئتها الأصلية. ©FAO/Giulio Napolitano

ليست الزراعة في منطقة الساحل الافريقي بالأمر السهل. إذ تعاني هذه المنطقة من تدهور التربة وعدم انتظام هطول الأمطار وتتعرّض في الكثير من الأحيان لفترات طويلة من الجفاف. ولهذا السبب، غالبًا ما تكون الأراضي الزراعية فيها قاسية جدًا مما يجعل من الصعب على المزارعين أن يزرعوا البذور وعلى المحاصيل أن تنمو. ولكنّ التكنولوجيا الجديدة قادرة على الحد من هذا العبء الذي ترزح الأراضي الزراعية تحت وطأته وعلى إعادة الأراضي إلى هيئتها الأصلية لصالح أجيال المستقبل.

وعندما يتكلّم السيد Moctar Sacande، منسّق برنامج منظمة الأغذية والزراعة للعمل على مكافحة التصحّر، عن إعادة الأراضي إلى هيئتها الأصلية في أفريقيا، تكون الحماسة في صوته واضحة. 

“تشكل إعادة الأراضي المتدهورة إلى حالتها السليمة والمنتجة فرصة كبيرة لأفريقيا. فهي تعود بمنافع اجتماعية واقتصادية ضخمة على المجتمعات الزراعية الريفية”. ويضيف: “إنها تشكل درعًا واقيًا من تغيّر المناخ كما أنها تستفيد من التكنولوجيا لتحسين المعارف التقليدية”.

محراث دلفينو

من حسن الحظ أنّ هناك أداة تكنولوجية يمكنها أن تساعد المزارعين الذين يواجهون ظروفًا صعبة في الزراعة، وأن تعيد الأراضي الزراعية إلى هيئتها الأصلية وهي: محراث دلفينو. 

ولقد أدخلت منظمة الأغذية والزراعة هذه الحفّارة الكبيرة والمتطوّرة إلى منطقة الساحل في إطار برنامجها للعمل على مكافحة التصحّر من أجل استخدامها لاختراق التربة الملوّثة والشديدة الجفاف حتى عمق نصف متر وأكثر. ولقد تم إدخال أربعة محاريث من نوع دلفينو إلى أربعة بلدان – هي بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا والسنغال – في إطار مبادرة الجدار الأخضر العظيم التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة. 

 ويخلق محراث دلفينو مستجمعات كبيرة هلالية الشكل وجاهزة لزرع البذور والشتلات فيها، ما يزيد كميّة مياه الأمطار المجمّعة بمقدار عشرة أضعاف ويجعل التربة أكثر قابلية للزرع مقارنة بأسلوب الحفر التقليدي – والمرهق – باليد. 

وتُعدّ الحراثة الهلالية الشكل أسلوبًا تقليديًا للزرع في منطقة الساحل وتقضي بخلق حواف لمنع جريان مياه الأمطار، ما يحسّن تسرب المياه في التربة التي تبقى رطبة لفترة أطول. ومن شأن ذلك أن يهيّئ ظروفًا مناخية موضعية مؤاتية لنمو البذور والشتلات. 

إضافة إلى ذلك، يتمتع محراث دلفينو بكفاءة عالية. فباستطاعة مئة مزارع يحفرون خنادق ريّ تقليدية هلالية الشكل باليد أن يغطوا هكتارًا واحدًا في اليوم، ولكن عندما يتم وصل محراث دلفينو بجرّار، يصبح بإمكانه أن يغطّي ما بين 15 و20 هكتارًا من الأراضي في اليوم. 

وما أن تُحرث منطقة معيّنة، يتم غرس بذور الأنواع الخشبية والعشبية الأصلية وزرع الشتلات الملقّحة. وتتمتع هذه الأنواع بقدرة عالية على الصمود وتنمو جيدًا في الأراضي المتدهورة، الأمر الذي يوفّر غطاء عشبيًا للأراضي التي سبق أن كانت قاحلة ويزيد إنتاجيتها.

أهمية الأراضي المستصلحة

عندما يتم إحياء الأراضي المتدهورة، لا يعدّ من الضروري أن يزيل المزارعون أراض حرجية إضافية لتحويلها إلى أراض زراعية من أجل تلبية الطلب المتنامي على الأغذية من جانب السكان الذين تتزايد أعدادهم في أفريقيا. 

وفي بوركينا فاسو مثلًا، يعاني ثلث المناظر الطبيعية من التدهور. ويعني ذلك أنه لم يعد من الممكن الآن استخدام أكثر من تسعة ملايين هكتار من الأراضي التي كانت تستخدم سابقًا للزراعة، ومن المتوقع أن يستمر هذا التدهور بمعدل 000 360 هكتار في السنة. وإن لم يتم تصحيح هذا الوضع، ستتعرّض الغابات لخطر الإزالة من أجل إفساح المجال للأراضي الزراعية المنتجة. 

ولهذا السبب، تفقد أفريقيا حاليًا أربعة ملايين هكتار من الغابات كل سنة، ولكنّ أكثر من 700 مليون هكتار في الأراضي المتدهورة فيها قابلة لإعادتها إلى هيئتها الأصلية. 

وفي بوركينا فاسو والنيجر، تم بالفعل بلوغ العدد المستهدف من الهكتارات القابلة للاستصلاح الفوري وزيادته بفضل محراث دلفينو. وتعمل نيجيريا والسنغال من جهتهما على توسيع نطاق عملية إعادة الأراضي المتدهورة إلى هيئتها الأصلية. 

ويقول السيد Moctar: “إن الالتزام المحلي أمر ضروري. فالمجتمع المحلي بكامله معني بهذا الأمر وقد استفاد من المحاصيل العلفية من قبيل الدريس الذي يصل ارتفاعه إلى مستوى الركبتين في غضون سنتين فقط. وباستطاعة [السكان] إطعام حيواناتهم، وبيع الفائض، والانتقال إلى جمع المنتجات غير الخشبية مثل الفاكهة الصالحة للأكل، والزيوت الطبيعية لإنتاج الصابون، والعسل البرّي، والنباتات المستخدمة في الطب التقليدي”.

تحسين حياة النساء

تقول السيدة Nora Berrahmouni، التي كانت المسؤولة الأولى المختصة بالغابات في المكتب الإقليمي لأفريقيا التابع لمنظمة الأغذية والزراعة عندما تم نشر محراث دلفينو، إن هذا الأخير سيسمح أيضًا بالحد من العبء الذي تتحمّله النساء. 

وتضيف:” يحلّ موسم العمل الشاق المتمثّل في حفر سدود الري الهلالية الشكل باليد عندما يضطر رجال المجتمع المحلي إلى التنقل مع الحيوانات. ويقع بالتالي عبء العمل على عاتق النساء”.

وبما أن محراث دلفينو يسرّع عملية الحراثة بشكل ملحوظ ويحدّ من العمل الجسدي المطلوب، فإنه يتيح للنساء وقتًا إضافيًا للاضطلاع بالمهام المتعددة الأخرى الخاصة بهنّ. 

ويهدف المشروع أيضًا إلى تعزيز قيادة المرأة ومشاركتها في عملية إعادة الأراضي المحلية إلى هيئتها الأصلية على نطاق أوسع، الأمر الذي يجعل المرأة تؤدي أدوارًا قيادية من خلال اللجان القروية التي تضع الخطط لعمليات الاستصلاح. وفي إطار برنامج العمل على مكافحة التصحّر، يشجَّع كل موقع يتم اختياره لإعادته إلى هيئته الأصلية على تشكيل لجنة قروية تتولّى إدارة الموارد وذلك لكي تأخذ بزمام الأمور منذ البداية. 

ويشرح السيد Moctar قائلًا: “تتولّى نساء كثيرات إدارة اللجان القروية المحلية التي تنظّم هذه الأنشطة، ولقد أخبرتنا عن شعورهن بأنهن أكثر تمكّنًا وعن تزايد الاحترام تجاههن”. 

ويُعدّ احترام المعارف المحلية والمهارات التقليدية مفتاحًا آخرً للنجاح. فلطالما أدركت المجتمعات المحلية أن السدود الهلالية تشكل السبيل الأمثل لجمع مياه الأمطار من أجل موسم الجفاف الطويل. وليس محراث دلفينو العظيم سوى وسيلة لزيادة فعالية العمل وجعله أقلّ شقاء. 

ويردف السيد Moctar قائلًا: “دلفينو هو في نهاية المطاف مجرّد محراث. ولا شك في أنه جيّد جدًا وملائم، ولكنه محراث من بين محاريث كثيرة. ولا يمكننا أن نحرز مثل هذا التقدم إلا عندما نستخدمه بشكل مناسب من خلال التشاور والتعاون”. 

وهناك حاجة ملحّة إلى إحراز التقدم. ففقدان الأراضي هو أحد الدوافع الكامنة وراء العديد من المشاكل الأخرى مثل الجوع، والفقر، والبطالة، والهجرة القسرية، والنزاعات، وتزايد خطر الأحوال الجوية القصوى المرتبطة بتغيّر المناخ. وعلى حدّ قول السيد Moctar، لا يمكن لمنظمة الأغذية والزراعة أن تبقى مكتوفة اليدين فيما يواجه الأشخاص الضعفاء كل هذه المشاكل. 

اترك تعليقاً