اخر المقالات: تنافس على حماية البيئة أم للسيطرة على الموارد؟ || جسر رقمي للوصول للدعم الاجتماعي || المياه النظيفة و النظافة الصحية || كيف يمكن للطبيعة البشرية محاربة التغيرات المناخية || منطق العمل المناخي الـفَـعَّـال || حلول مستقبلية للتخفيف من الإجهاد المائي بالمغرب || فوائد ريادة الأعمال التصاعدية || انتشار الفيروس في المرة القادمة || الصحة العالمية، الإصلاح أو الثورة؟ || الطرح المناخي الجديد || دَقّت ساعة الحساب المناخي || التربية والتعليم من أجل التنمية المستدامة: في ضوء النموذج التنموي الجديد || مشروع إحياء بحيرة “ضاية عوا”،نحو مقاربة مندمجة ومستدامة || جيل الإصلاح: إصلاح النظم الإيكولوجية من أجل السكان والطبيعة والمناخ || الاستثمار في البيانات يُنقذ الأرواح || خفِّف من الهدر، تزداد مكاسبك || تقييم جديد للمنظمة الدولية للهجرة || نحن جزء من الحل || إنجازات المنظمة العربية للتنمية الزراعية لتنمية قطاع زراعة النخيل وإنتاج التمور || جائزة الحسن الثاني للبيئة في دورتها الثالثة عشرة ||

آفاق بيئية : روبرت سكيدلسكي 

قد يفشل فيروس COVID-19 ، كما يبدو الآن ، في نهاية المطاف في إخراج البشرية من عاداتها المسرفة. ولكن بدلاً من اعتبار الوباء مجرد مشكلة أخرى تتطلب إصلاحًا تقنيًا ، يجب على العالم أن ينظر إليه كفرصة لإعادة التفكير في علاقة البشرية بالكوكب.

WASHINGTON, DC – MARCH 18: Despite government warnings to maintain ‘social distancing’ and avoid crowds due to the threat of the novel coronavirus, tourists continue to visit the Tidal Basin as peak bloom for the cherry trees approaches March 18, 2020 in Washington, DC. The National Cherry Blossom Festival Parade and related events were cancelled in response to the COVID-19, which has sickened more than 7000 people and left 112 dead so far in the United States. (Photo by Chip Somodevilla/Getty Images)

إن  احد الاشياء القليلة التي لم تتأثر بحقبة فيروس كورونا المستجد (كوفيد -19) هو هذا الكم الهائل من الاخبار عن الجائحة وطبعا نحن نتفهم ان الفيروس قد نتج عنه تدفق لا يتوقف من الاخبار عن انتشاره وتعليمات عن كيفية تجنبه والنجاة منه بالاضافة الى تحليل اسبابه وعلاجه وتخمينات عن تأثيره على أساليب العمل والصحة النفسية والاقتصاد والشؤون الجيوسياسية وغيرها الكثير .

ان فترة الاحتجاز المنزلي الخاصة بي قد نتج عنها التأملات التالية والتي اضيفها هنا مع شعوري بالتواضع امام جوقة أصوات الخبراء .

بادىء ذي بدء ، قرأت كتاب كلاوس ميوهان “كيف نجعل الصين عصرية” حيث لاحظ ميوهان انه في علم الكونيات الصيني فإن العوالم البشرية والطبيعة مرتبطة بشكل وثيق حيث كتب ” عندما كان هناك احترام للنظام الصحيح فإن العالم الطبيعي كان يسير بسلاسة وازدهر العالم البشري ولكن عندما لم يعد هناك احترام لذلك النظام ، حدثت وقائع غريبة ومدمرة مثل الزلازل أو الفيضانات أو الكسوف أو حتى الاوبئة “.

بأي منطق يمكننا القول بإن كوفيد-19 ربما كان نتيجة لعدم احترام ” النظام الصحيح ” للاشياء ؟ في الفكر الصيني فإن النظام الصحيح يتعلق بالحكم الصحيح وهذا يتضمن المحافظة على العلاقة الصحيحة بين العوالم البشرية والطبيعية. ان جائحة ما توحي بإن اسلوب عيشنا اصبح ينتهك تلك العلاقة .

تعتقد الخبيرة الصحية الانا شيخ أن من المؤكد أنه سيكون هناك اوبئة كثيرة قادمة ” نتيجة للطريقة التي نتفاعل فيها نحن البشر مع كوكبنا “. ان هذا يتضمن ليس فقط الاحتباس الحراري الذي هو بفعل البشر والذي يخلق بيئة خصبة لمسببات الامراض ولكن ايضا اندفاعنا تجاه المساحات البرية المتبقية في العالم .

تقول الانا شيخ ” عندما نحرق ونجرف الغابات المطيرة في الامازون … وعندما يتم تحويل اخر الغابات الافريقية لمزارع وعندما يتم اصطياد الحيوانات البرية في الصين لتصبح على وشك الانقراض فإن هذا يعني انه قد أصبح هناك اتصال بين البشر ومجموعات الحياة البرية التي لم يسبق لهم الاتصال بها من قبل.”

إن هذا يشمل اقترابنا اكثر من اي وقت مضى من الخفافيش والبنغول وكلاهما يعتبران مصدرين محتملين لكوفيد-19 وطالما فشلنا في احترام استقلالية الطبيعية فإن الطبيعة سوف تنتقم .

ان بإمكان المرء ان يستخلص استنتاجات كبيرة او صغيرة من طريقة التفكير تلك . ان الاستنتاج الذي تستخلصه الانا شيخ هو استنتاج صغير وربما سبب ذلك ان الاستدلال الاوسع لا يحظى بقبول واسع عند معظم الناس . تقول الانا شيخ نحن بحاجة لبناء نظام صحي عالمي يتمتع بالقدرة على تمكين البلدان من الاستجابة السريعة للاوبئة ومنعها من ان تتحول الى جائحة. يتوجب على كل بلد ان يحدد ويحجر ويعالج مواطنيه المصابين بشكل فوري.

إن أحد الطرق لتحقيق ذلك باعتقادي هو ان تقوم حكومات مجموعة السبع بإصدار سند كوفيد-19 العالمي بحيث يتم تخصيص العوائد لمنظمة الصحة العالمية بعد اصلاحها واعطاءها تفويض محدد ببناء القدرات الطبية لجميع بلدان العالم لتصبح مثل مستويات الدول المتقدمة على الرغم من أنه وبإعتراف الجميع حتى القدرات الطبية للبلدان المتقدمة كانت غير كافية في مواجهة كوفيد -19 . ان هذا الانفاق من قبل منظمة الصحة العالمية يجب ان يكون اضافي للانفاق التنموي من البنك الدولي .

ان هناك نقطة منطقية اخرى تذكرها الانا شيخ وهي ” ان انظمة طلب المستلزمات عند الحاجة هي انظمة ممتازة عندما تكون الامور تسير بشكر جيد ولكن في وقت الازمة فإن هذا يعني انه ليس لدينا اي احتياطات “. ان هذا يعني انه لو نفذت مسلتزمات الحماية الشخصية من مستشفى ما أو بلد ما ، فإنه يتوجب على ذلك المستشفى او البلد ان يطلب من مورد (غالبا في الصين ) وأن ينتظر ان ينتج هولاء الموردين تلك البضائع ومن ثم شحنها.

إن هذا التحليل النقدي ينطبق على ما هو اكثر بكثير من المشتريات الطبية فهو يتحدى النظرية التقليدية في دنيا الاعمال والمتعلقة بالشراء عند الحاجة حيث انه طبقا لتلك النظرية فإن الاحتياطات تكلف الأموال . ان الاسواق الفعالة لا تتطلب من الشركات ان يكون لديها مخزون من السلع بل فقط ما يكفي لتلبية احتياجات الزبائن عند الطلب .

ان الاحتفاظ باحتياطات مالية من اجل الايام العصيبة يعتبر من التبذير كذلك طبقا لتلك النظرية وذلك بسبب انه في الأسواق الفعالة لا توجد أيام عصيبة وعليه يجب الاستفادة من الشركات الى اقصى درجة.

إن هذا الطرح جيد طالما لا يوجد احداث غير متوقعه ولكن عندما يشهد العالم “صدمة” مثل الانهيار المالي الذي حصل سنة 2008 فإن نموذج السوق الفعال ينهار ومعه ينهار الاقتصاد وهناك شيء مماثل يحصل حاليا لخدماتنا الطبية .

ان مفهوم الطلب عند الحاجة يجب ان يتم استبداله بمفهوم الطلب على سبيل الاحتياط علما أنه من الأفضل ان تحتفظ هيئة دولية ما باحتياطي استراتيجي من التوريدات الطبية اللازمة لدعم الحياة لفترة محدودة ( ثلاثة اشهر على سبيل المثال) في مواجهة مجموعة محددة من التهديدات للصحة العامة. يجب ان يتم تمويل ذلك الاحتياطي عن طريق فرض ضرائب على الحكومات بما يتناسب مع الدخل الوطني لبلدانها ولكن مثل هذا التخزين يمكن ان يتم عمله ايضا على مستوى البلد او على المستوى الاقليمي فعلى سبيل المثال يعتبر الاتحاد الاوروبي مكانا مثاليا للبدء بتطبيق ذلك.

لكن أي من ما ذكر لا يتعامل مع السؤال الاكبر بكثير والمتعلق بالعلاقة الصحيحة بين البشر والطبيعة . لقد عدد الكاتب المتخصص بالشؤون العلمية ستيفن بيترانك في محاضرة القاها سنة 2014 ثمانية احداث يمكن ان تنهي العلم كما نعرفه وهي : الجائحة والتوهج الشمسي والزلازل الضخمة والثورات البركانية والحوادث البيولوجية وتأثيرات غاز الدفيئة والحرب النووية والاصطدام بالشهب . ان اربعة من تلك الاحداث تعتبر ” كوارث طبيعية ” أي احداث كارثية غير ناتجة عن الطريقة التي ننظم بها حياتنا ولكن الاحداث الاربعة الاخرى –الجائحة والاخطاء البيولوجية والحرب النووية والاحتباس الحراري- تعتبر نتيجة مباشرة لطريقة تفاعل البشر مع الطبيعة.

ان فيروس كوفيد -19 والذي يبدو مخيفا الان قد ينتهي به المطاف لإن يكون فيروس خفيف جدا ويمكن السيطرة عليه بحيث يفشل في ان يحدث الصدمة المطلوبة لاجبارنا على التخلي عن عاداتنا وفي واقع الامر يعتقد عالم النفس والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد دانيال كانمان انه” لا يوجد اي قدر من التوعية النفسية ستتغلب على تردد الناس في خفض مستوى معيشتهم.”

لكن سيكون من غير الحكمة الاستمرار في الاعتماد على الحلول التقنية لاخراجنا من المشاكل التي اوقعتنا بها أنماط حياتنا المسرفة لإنه عاجلا آم اجلا سوف نستنفذ الحلول الطبية لمشكلة ” النظام الصحيح ” حيث يتوجب علينا ان نستغل التوقف الحالي عن العمل المفروض علينا للتفكير في حلول ناجحة .

-بروجيكت سنديكيت .

*روبرت سكيدلسكي ، عضو مجلس اللوردات البريطاني ، وأستاذ فخري في الاقتصاد السياسي بجامعة وارويك. مؤلف السيرة الذاتية المكونة من ثلاثة مجلدات لجون ماينارد كينز ، بدأ حياته السياسية في حزب العمل ، وأصبح المتحدث باسم حزب المحافظين لشؤون الخزانة في مجلس اللوردات ، واضطر في النهاية للخروج من حزب المحافظين لمعارضته ل تدخل الناتو في كوسوفو عام 1999.

اترك تعليقاً