اخر المقالات: التعليم من أجل التنمية المستدامة || مسح ميداني وعلمي لإشكالية تغير المناخ بحوض أوريكا || رعاية جميع الحياة تحت الشمس || معدلات الجوع تزداد بفعل النزاع الذي يفاقمه تغير المناخ || المنتخبون الأفارقة يتكثلون لمواجهة الآثار السلبية لتغير المناخ || انطلاق قمة ” فرصة المناخ ” بالمغرب من أجل التصدى لتغير المناخ || اليابان تحرق نفاياتها || لو كنتُ نيمار || السيارات الكهربائية تغزو العالم والألمان يترقبون || مقاربة تشاركية جديدة تعيد إحياء النظم البيئية بمنطقة واد أوريكا || في يوم عيدنا نحافظ على بيئتنا   || ظلام دامس بمنتصف النهار في أمريكا || مواجهة العنف الناجم عن تغير المناخ || الدجاج الاوربى الملوث هل وصل الى العرب؟ || شريط وثائقي عن إشكالية تغير المناخ بحوض تانسيفت || مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء || تعزيز العمل المناخي في سياق السياسة العالمية الراهنة || دور المجتمع المدني في تنمية السياحة البيئية || واحة تودغى بالمغرب وإشكالية مياه الصرف الصحي || انطلاق موسم قنص طائر اليمام  ||

آفاق بيئية : كيوتو (اليابان)- عبد الهادي النجار

صدر عام 1900 قانون للنظافة في اليابان جعل مسؤولية إدارة النفايات الصلبة البلدية على عاتق كل مدينة. إلا أن العديد من المدن، بما فيها طوكيو وأوساكا، فشلت في إدارة نفاياتها بشكل مستقل، نظراً لمحدودية الأراضي التي تستخدم كمواقع طمر.

كان على المدن أن تفتش عن طرق أخرى لمعالجة النفايات كالتحويل إلى سماد (كومبوست) والتدوير والهضم اللاهوائي. وفي سنة 1930 نصحت الحكومة اليابانية في قانون التخلص من النفايات بتقنية الترميد كطريقة مفضلة في معالجة النفايات الصلبة بهدف جعل حجم النفايات الذاهبة إلى المطامر أصغر ما يمكن.

برج كيوتو

محطات الترميد المستخدمة في ذلك الحين ساهمت في خفض حجم النفايات بشكل كبير، غير أنها تسببت بآثار سلبية عدة نتيجة ضعف أدائها والتلوث الناتج عنها، ولم يتم الشروع بحل هذه المشاكل حتى منتصف ستينيات القرن الماضي، عندما بدأت البلاد تشهد نمواً صناعياً متسارعاً.

نتيجة لأزمتي النفط العالميتين في 1973 و1979، أدرك المجتمع الياباني أن الإدارة السليمة للنفايات يجب أن تلحظ أيضاً الإقلال من استهلاك الموارد الطبيعية واسترجاع المواد من المخلفات. وفي بداية التسعينيات، بدأت الحكومة اليابانية الترويج لأهمية التقليل من النفايات وتدويرها بهدف اعادة استعمالها، وجرت مراجعة القوانين بهدف تأسيس مجتمع قائم على استرجاع المواد.

هذا التوجه لاقى نجاحاً وفقاً لما تظهره الأرقام الرسمية، اذ تراجعت كمية النفايات البلدية المتولدة بين سنتي 2004 و2015 من نحو 50 مليون طن في السنة (1.086 كغ/شخص/يوم) إلى نحو 44 مليون طن (0.939 كغ/شخص/يوم)، وارتفعت معدلات التدوير من 17.6 في المئة إلى 20.7 في المئة، وانخفضت كمية النفايات التي يتم التخلص منها في المطامر من 8 ملايين طن في السنة إلى 4 ملايين طن، علماً أن معظم ما يتم طمره هو نواتج عمليات المعالجة (رماد الحرق ومخلفات التدوير). النفايات التي يتم التخلص منها في المطامر من دون أي معالجة كانت تشكل 3.5 في المئة من مجمل النفايات المتولدة في 2004 وانخفضت لتصبح 1.1 في المئة فقط في 2015.

على الرغم من أن وزارة البيئة اليابانية لا تعرض أرقاماً تفصيليةً عن كمية النفايات التي يتم ترميدها سنوياً، فمن الواضح أن نحو 65 إلى 70 في المئة من النفايات تتم معالجتها بالترميد، وبذلك تأتي اليابان في صدارة الدول التي تعتمد الحرق وسيلة أساسية للتخلص من النفايات. وقد بلغ عدد محطات الترميد في اليابان 1141 محطة في سنة 2016، تستطيع حرق أكثر من 180 ألف طن من النفايات يومياً، ومن بينها 765 محطة تستفيد من حرارة الحرق المتبقية، أي ما يزيد عن نصف عدد محطات استرداد الطاقة من النفايات الموجودة في جميع أنحاء العالم.

للاطلاع على التجربة اليابانية في إدارة النفايات الصلبة القائمة على الترميد، جرت زيارة مدينة كيوتو، عاصمة اليابان القديمة التي يبلغ تعداد سكانها حالياً نحو 1.5 مليون نسمة. وتم التعرف على خطة إدارة النفايات في المدينة، ومعاينة منظومة الحرق في إحدى محطات الترميد، والاطلاع على تقنيات منع التلوث الناتج عن حرق النفايات.

تأسست مدينة كيوتو في سنة 794 ميلادية كعاصمة إمبراطورية لليابان، واستمرت كذلك لأكثر من ألف سنة. وتقع المدينة في الجزء المركزي من جزيرة هونشو وسط البلاد. المدينة القديمة في كيوتو تضم العديد من المعابد والأضرحة إلى جانب المباني التاريخية والمؤسسات الثقافية، وهي تشهد تقليديا مهرجانات ضخمة وفعاليات تراثية، ما يجعلها قبلةً للسواح من كل مكان. كيوتو هي أيضاً موطن لكثير من الصناعات التقليدية والحديثة، كما تحتضن عدداً من الجامعات الرسمية والخاصة.

تتوّزع النفايات المنزلية في كيوتو على أربعة أصناف يتم جمعها بشكل دوري، هي: القوارير الزجاجية والبلاستيكية والمعدنية والمستوعبات البلاستيكية ومواد التغليف (مرة واحدة في الأسبوع)، والأغراض المعدنية الصغيرة والعبوات المضغوطة (مرة واحدة في الشهر)، والنفايات القابلة للحرق بما فيها نفايات المطبخ (مرتان في الأسبوع). وتوجد أصناف أخرى من النفايات لا يتم جمعها بشكل دوري مثل نفايات الورق والكرتون والمخلفات الضخمة والأجهزة المنزلية والإلكترونيات وغيرها.

جمع النفايات المنزلية في المدينة يمكن أن يكون عن طريق البلدية أو عن طريق القطاع الخاص. في حال كان الجمع من قبل البلدية، يجب أن توضع النفايات في أكياس مخصصة مدفوعة الثمن مسبقاً حسب الحجم، وتوضع أكياس النفايات في أماكن ومواعيد محددة.

ولا تعكس أسعار الأكياس الكلفة الحقيقية التي تتحملها المدينة في إدارة النفايات. فمن بين 251 مليون دولار أنفقتها على هذا القطاع في السنة المالية 2013، استردت مدينة كيوتو نصف المبلغ فقط من خارج ميزانيتها، بما فيها الرسوم المترتبة على المواطنين.

في سنة 2012، بلغت كمية النفايات المتولدة عن السكان ما وزنه 1318 طناً في اليوم، حيث كانت حصة الشخص الواحد 0.83 كيلوغراماً يومياً. معظم هذه النفايات (64.6 في المئة) تمت معالجتها بالحرق، في حين كانت نسبة النفايات المسترجعة بالتدوير 23.5 في المئة، أما النفايات التي ذهبت إلى المطمر البحري المشترك في خليج أوساكا فكانت نسبتها 11.3 في المئة، والكمية المتبقية (0.6 في المئة) جرى تحويلها إلى كومبوست أو قُدمت كعلف للحيوانات.

توجد في كيوتو خمس محارق للنفايات الصلبة البلدية، أو ما يسميها اليابانيون “مراكز نظيفة”، أهمها المحرقة الجنوبية التي تعمل منذ 1986 والمحرقة الشمالية الشرقية التي تعمل منذ 2001، بالإضافة إلى محرقة ياماشينا الصغيرة الاستطاعة (25 طن يومياً) التي تعمل منذ 2010، والمحرقة الشمالية التي يعود تشغيلها إلى 2007، والمحرقة الشرقية التي تعد الأقدم فهي تعمل منذ 1980.

ومن هذه المحارق، قمنا بزيارة المحرقة الشمالية الشرقية التي تقع في قرية صغيرة من ضواحي كيوتو تدعى شيزويتشي إيتشيهارا، ولا تبعد كثيرا عن قرية أوهارا التي تزود كيوتو بالخضار المحلية، وهي على مسافة ستة كيلومترات إلى الشمال من مركز المؤتمرات الدولي الذي شهد إعلان بروتوكول كيوتو حول التغير المناخي عام 1997.

كما هي الحال في معظم المساكن اليابانية خارج الوسط التجاري والإداري للمدن، تتكون المساكن في إيتشيهارا من طابقين فقط، إلا أن بعض المساكن هنا تمتلك قطعة صغيرة من الأرض الزراعية يُزرع فيها الرز وبعض أنواع الخضار والفواكه المحلية.

تبلغ مساحة المحرقة أكثر من 22 ألف متر مربع، وهي تضم وحدتي ترميد تقليديتين تبلغ استطاعة كل منهما 350 طن من النفايات، وهي تعمل على مدار الساعة يومياً، بالإضافة إلى وحدتي سحق للنفايات الضخمة باستطاعة إجمالية تصل إلى 80 طن تعمل لمدة ست ساعات يومياً.

تتضمن محرقة نفايات كيوتو الشمالية الشرقية عدة أنظمة لمعالجة الملوثات الغازية والسائلة والصلبة، حتى أنها تتبنى مواصفة خاصة بها أكثر تشددا من المواصفة الوطنية للغازات العادمة، وهي تلتزم بالاتجاه العالمي لخفض ثاني أوكسيد الكربون من خلال الإفادة من الحرارة الفائضة في توليد الكهرباء وتوفير المياه الساخنة لسكان قرية إيتشيهارا وجوارها.

تقوم آليات النظافة بنقل النفايات القابلة للحرق وتفريغها في حفر الاستقبال، أما النفايات الضخمة فيجري تكسيرها في وحدتي السحق التي تشتمل على مغناطيس كهربائي لاسترجاع الحديد من النفايات.

وتقوم رافعتان قابضتان بمجانسة النفايات وتقليبها ثم نقلها إلى إحدى الحفرتين القمعيتين اللتين تتصلان بوحدتي الترميد. يتم حرق النفايات بدرجة حرارة تبلغ 900 درجة مئوية وتبقى داخل وحدة الترميد مدة كافية يحددها آلياً جهاز التحكم بالاحتراق. يستفاد من حرارة الاحتراق في غلي الماء المضغوط ضمن مرجل بخاري يعمل على توفير المياه الساخنة وتوليد الكهرباء عبر عنفة تصل استطاعتها إلى 15 ألف كيلوواط.

تجري معالجة التلوث الغازي على عدة مراحل تبدأ بإزالة أكاسيد النيتروجين، ثم بفلترة الغاز العادم لإزالة السخام والغبار، ويتبع ذلك إزالة أوكسيد الكبريت وغاز كلوريد الهيدروجين. وباستخدام الطريقة الرطبة ومواد كيميائية عضوية، تُعدّل باقي الأحماض الغازية ويتم احتجاز الزئبق والمعادن الثقيلة.

يتم إطفاء غاز العادم الحار في برج التبريد السريع مما يحول دون تشكل الديوكسينات من جديد، علماً أن الديوكسينات تتشكل ضمن درجة الحرارة بين 400 إلى 700 درجة، وعندما تحترق النفايات في درجة أعلى من هذه العتبة تتفكك الديوكسينات، ثم تعاود التشكل مع انخفاض درجة الحرارة ضمن هذا المجال الحراري، ولذلك يعد التبريد السريع في المحارق الحديثة أحد السبل لمنع تشكل الديوكسينات.

ولضمان إزالة أية آثار متبقية من الديوكسينات، يمرر الغاز العادم عبر برج الكربون المنشّط الذي يمتص أية بقايا للديوكسينات. وعند هذه المرحلة تكتمل معالجة الغاز العادم الذي يتم تحريره إلى الجو عبر مدخنة يبلغ ارتفاعها 100 متر.

أما الصرف الصحي للمنشأة ومياه تبريد وغسيل الرماد والمياه العادمة المستخدمة في تنظيف برج تنقية الغاز بالطريقة الرطبة ومياه غسيل الفلاتر، فتجري معالجتها في وحدة معالجة المنصرفات من خلال تطبيق عدة تقنيات من بينها التخثير والترسيب والترشيح باستخدام عوامل الاحتجاز، والتبادل الأيوني. وتستخدم المياه المعالجة لتأمين احتياجات المحرقة من المياه، ويصرف الفائض إلى شبكة الصرف العامة.

تتم معالجة الرماد الناتج عن الاحتراق بطريقة البلازما التي تعتمد على ضخ النيتروجين ضمن قوس كهربائي يحوّله إلى غاز متأيّن يعمل على صهر الرماد المتطاير. نتيجة ذوبان الرماد يتحرر غاز عادم يحتوي العديد من الملوثات مثل كلوريد الهيدروجين والفيورانات والديوكسينات وأشباهها، ويتم تمريره إلى منظومة معالجة الغازات. وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تعتبر من أفضل التقنيات المتاحة في معالجة رماد الحرق، إلا أن الرماد لا يصبح آمناً بما يكفي للتخلص منه في مطامر النفايات البلدية غير المعدة لاستقبال النفايات الخطرة.

تقنياً، لا تزال معالجة الرماد الناتج عن حرق النفايات موضع بحث لدى اليابانيين بهدف الوصول إلى أفضل السبل للاستفادة من الرماد بشكل آمن وبكلف معقولة تغني عن رميه في مطامر خاصة تستنفذ الأراضي المحدودة. وتوجد العديد من المشاريع التجريبية التي جرى اختبارها ولم تثبت جدواها، من بينها مشروع قولبة الرماد على شكل بلاط أرصفة (إنترلوك). ولحين إيجاد طريقة مبتكرة يبقى الخيار الحالي للتخلص من رماد محارق النفايات في كيوتو بردمها بشكل آمن في مطمر إيكولاند في غابة أوتوا أو ضمن المطمر البحري في خليج أوساكا المعروف باسم مشروع الفينيق.

إلى جانب التقنية التقليدية التي لا تزال رائجة في مجمل المحارق اليابانية حتى الآن، بما فيها محرقة نفايات كيوتو الشمالية الشرقية، بدأت اليابان استخدام طريقة جديدة، تقوم على تلقيم النفايات بشكل رأسي مع تعريضها لحرارة مرتفعة تؤدي إلى تحرير الغازات منها. أما الرماد المتساقط فيصهر بدرجة حرارة تصل إلى 1600 درجة مئوية، وهذا ما يجعل الرماد آمنا للاستخدام في تعبيد الطرق أو ضمن الخلطة الإسمنتية.

التقنية الجديدة لاتزال في بداياتها كونها مطبقة في 10 محطات حرق جرى تشييدها منذ سنة 2003. وهي لا تتميز بحل مشكلة رماد الحرق فحسب، وإنما تمتلك كفاءة أكبر على استرداد الطاقة من الغاز العادم مقارنة بالمحطات التقليدية.

 

اترك تعليقاً