batir_photo

آفاق بيئية : باتر محمد علي وردم

عندما نظم الأردن في العام 2000 المؤتمر الدولي للاتحاد العالمي لحماية الطبيعة، وشارك فيه نحو 3000 خبير وباحث مختص في حماية البيئة، لفت نظري رجل في منتصف الستينات من عمره ذو لحية كثة وملابس رثة، يدور بين المشاركين ويتحدث مع الجميـع بطريقة مباشرة وحماسية. اعتقدت في البداية أن هذا الشخص قد يكون دخيلاً على علماء البيئة المشاركين. ولكن عندما سألت عنه عرفت أنه تاجي فرفار، وهو إيراني الجنسية وأحد أهم العلماء المحترفين في مجال التنمية الاقتصادية الاجتماعية وحماية الطبيعة، ورئيس اللجنة الاقتصادية في الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة. أثار الرجل اهتمامي كثيراً، فتحدثت معه وتابعت ورش العمل التي شارك فيها، ووجدتـه يمتلك علمـاً وخبـرة ومعـرفة كبيرة جـداً ويحظى باحترام كبير من المشاركين. وتعلمت ألا أحكم على أحد بناء على المظهر.

 لكن تاجي فرفار هو نموذج لجيل من حماة البيئة الذين عملوا في الستينات والسبعينات والثمانينات، في أصعب ظروف حماية الطبيعة سياسياً واقتصادياً. وهم قضوا سنوات وشهوراً في مواقع معزولة وظروف عمل صعبة، مما جعل خياراتهم الشخصية محصورة وأعطاهم مظهراً يشبه إلى حد كبير «الهيبيين»، ولكن ليس لأسباب تتعلق بالتمرد على المجتمع بل نتيجة الرغبة في بساطة العيش والملبس والتركيز على الإنجاز في العمل. الغالبية العظمى من خبراء ونشطاء البيئة من ذلك الجيل لم يمثلوا أي مرجعية في الأناقة أو «الموضة» أو التميز الاجتماعي. لكن هـذه الحال تغيرت في السنوات الماضية.

 مع تطور مفهوم حماية البيئة من قضاء الساعات الطويلة في البراري والصحارى والغابات إلى نشاط القطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام، ودخول مفهوم «الاستدامة» إلى قاموس حماية البيئة، نشأ جيل جديد من الناشطين والمختصين ولاسيما الشباب ممن أصبحت حماية البيئة بالنسبة اليهم ذات ميزة جاذبة حتى على المستوى الاجتماعي.

أن تكون من حماة البيئة في هذا العصر يعني أن تكون صاحب شخصية فريدة وجذابة ومتواصلا مع عدة فئات في المجتمع والقطاعات الاقتصادية، ومشاركاً في نشاطات اجتماعية ومؤتمرات وورش عمل وشبكات من العلاقات العامة وفرص عمل جيدة برواتب مغرية وضمن عدة تخصصات. الجيل الجديد من حماة البيئة من الشباب والصبايا يتميز بالأناقة والذكاء الاجتماعي، وحسب المصطلح المتداول cool في الأوساط الاجتماعية المختلفة. لقد ذهبت إلى غير رجعة حالة الملابس الرثة وشظف العيش الذي أصبح مقتصراً على بضعة باحثين ميدانيين يصرون على إبقاء صورتهم «الفوضوية» السابقة.

 ليس في هذا الأمر ما يعيب سواء من ناحية الناشطين الأنيقين أو الفوضويين، فالجميع يعمل على الهدف نفسه ولكن بطرق مختلفة. من المهم أن تصبح حماية البيئـة ذات مواصفـات جذابة للشباب العصري الذي يطمح إلى مهن مجزية مالياً واحترافياً واجتماعياً، لأن ذلك يعني أيضاً دمج البيئة في القطاعات الاقتصادية الرئيسية. دور حماة البيئة الأنيقين في المجتمعات العربية بات مهماً في هذا الزمن، ونتمنى لهم كل التوفيق، ولا بأس علينا نحن المعتادين على سراويل الجينز والقمصان الخفيفة والأحذية الميدانية الثقيلة وحقائب الظهر والقبعات الواقية من الشمس، فالزمن بدأ يتغير!.

 (ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد أيلول/ت1 – سبتمبر/أكتوبر 2014)

اترك تعليقاً