آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في سياق الالتزامات الدولية للمملكة المغربية، خصوصا تفعيل الإطار العالمي للتنوع البيولوجي كونمينغ، مونتريال، أطلقت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD) و SDI Global Consult، سلسلة من اللقاءات التشاورية الجهوية الممتدة من ماي إلى يونيو 2026. هذه اللقاءات تأتي في إطار مراجعة وإعداد الاستراتيجية الوطنية وخطة العمل للتنوع البيولوجي 2035 (SPANB 2035)، التي تشكل امتدادا للرؤية الوطنية في أفق 2050، حيث يسعى المغرب إلى وقف فقدان التنوع البيولوجي واستعادة النظم البيئية بشكل مستدام.
المغرب ضمن الدول الغنية بالتنوع البيولوجي لكن تحت ضغط متزايد
يعتبر المغرب من بين 36 منطقة ساخنة عالميا للتنوع البيولوجي، إذ يضم أكثر من 25,597 نوعا حيوانيا منها 3,139 نوعا مستوطنا، و6,694 نوعا نباتيا منها 1,230 نوعا مستوطنا تماما. كما يحتضن 38 موقعا رامسار، و18 حديقة وطنية، و4 محميات للمحيط الحيوي تابعة لليونسكو. وتغطي الغابات حوالي 9 ملايين هكتار أي ما يعادل 12,7 في المائة من التراب الوطني، إضافة إلى واجهة بحرية تمتد على 3500 كيلومتر تضم أكثر من 8000 نوع بحري. وتواجه هذه الثروة الطبيعية ضغوطا متزايدة بفعل التوسع العمراني، الاستغلال المفرط للموارد، التلوث، والتغيرات المناخية، ما يجعل إدماج البعد البيئي في السياسات العمومية ضرورة وجودية وليست مجرد خيار تقني.
الأزمة العالمية للتنوع البيولوجي
وأبرزت المعطيات الرسمية أن العالم يعيش أزمة غير مسبوقة. أكثر من مليون نوع مهدد بالانقراض، انخفاض بنسبة 68 في المائة في أعداد الأصناف البرية منذ 1970، تأثر 75 في المائة من الأراضي بالنشاط البشري، وفقدان 40 في المائة من الأراضي الرطبة خلال القرن الماضي. هذه الأرقام تعطي بعدا استعجاليا للقاءات الجهوية، وتجعل من المغرب جزءا من جهد عالمي لإنقاذ التنوع البيولوجي.
مقاربة تشاركية لترسيخ الجهوية المتقدمة في التخطيط البيئي

و تندرج هذه المشاورات ضمن مسار تعزيز الجهوية المتقدمة وترسيخ التخطيط الترابي التشاركي، بما يضمن مواءمة التوجهات الوطنية مع الخصوصيات والاحتياجات التنموية لكل جهة. وتهدف إلى بلورة برامج ومشاريع مهيكلة قابلة للتنفيذ والتمويل، من خلال إشراك مختلف الفاعلين الترابيين والمؤسساتيين والاقتصاديين والأكاديميين ومكونات المجتمع المدني، بما يعزز الالتقائية والنجاعة في إعداد وتنزيل المشاريع التنموية ذات الأولوية.
ورشات جهوية لترجمة الإطار العالمي إلى مشاريع قابلة للتمويل
وتأتي هذه الورشات الحضورية بعد مرحلة أولى من الندوات عبر تقنية التناظر المرئي، التي خصصت لعرض الإطار العالمي للتنوع البيولوجي واستعراض التوجهات الكبرى للاستراتيجية. أما اللقاءات الحضورية فهي محطة ثانية، تهدف إلى المصادقة على المشاريع ذات الأولوية، والتي تتميز بقابلية عالية للاستثمار والتمويل، وذلك في إطار تنزيل الإطار العالمي على المستوى الترابي وإغناء خطة العمل الوطنية للتنوع البيولوجي.

ستة محاور استراتيجية لإعادة بناء السياسات الوطنية للتنوع البيولوجي
وتقوم الاستراتيجية الجديدة على ستة محاور أساسية، تتجلى في الحد من الضغوط على التنوع البيولوجي، و المحافظة واستعادة النظم الإيكولوجية، ثم الاندماج في القطاعات الاقتصادية، و الحكامة والمشاركة والإنصاف، فضلا عن المعرفة والابتكار والبيانات، وأخيرا التمويل وتعبئة الموارد. و تترجم هذه المحاور إلى 25 هدفا وطنيا، يتم تكييفها على المستوى الجهوي عبر مساهمات الجهات، لتصبح مشاريع قابلة للتمويل من شركاء دوليين مثل الصندوق العالمي للبيئة، البنك الدولي، والاتحاد الأوروبي.

سوس ماسة نموذج لترجمة الرؤية الوطنية على المستوى الترابي
وانعقد بمدينة أكادير لقاء تشاوري بجهة سوس ماسة، كما في باقي الجهات، يمثل خطوة عملية لترجمة الرؤية الوطنية إلى واقع ترابي. كما يرسخ فكرة أن حماية التنوع البيولوجي ليست مسؤولية قطاعية معزولة، بل ورش جماعي تتقاطع فيه السياسات العمومية مع المبادرات المحلية، ليصبح المغرب نموذجا إقليميا في التوفيق بين التنمية والانسجام مع الطبيعة.
التنوع البيولوجي رافعة استراتيجية للأمن والتنمية المستدامة
وأكد عبد النبي العلمي، الكاتب العام للشؤون الجهوية بولاية سوس ماسة، في كلمة افتتاحية للملتقى، أن التنوع البيولوجي لم يعد ينظر إليه باعتباره قضية بيئية فحسب، بل أصبح رصيدا استراتيجيا يرتبط بالأمن الغذائي والمائي، والتخطيط الترابي، والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، مشيرا إلى أن المحافظة على الرأسمال الطبيعي تشكل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وفق التوجيهات الملكية السامية.
بدوره، شدد مصطفى مدبوحي، رئيس قسم التنوع البيولوجي بقطاع التنمية المستدامة، على أن نجاح الاستراتيجية الجديدة رهين بانخراط الجهات والفاعلين المحليين في عملية البناء المشترك، موضحا أن المشاورات الجهوية تهدف إلى تحديد الأولويات الترابية وإعداد مشاريع مهيكلة وقابلة للتمويل تسهم في حماية التنوع البيولوجي وتحقيق التنمية المستدامة.
أما رضا بنهيمة، ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد دعا إلى تحويل مخرجات التشاور الجهوي إلى محفظة مشاريع قابلة للاستثمار والتمويل، معتبرا أن إدماج التنوع البيولوجي في السياسات والبرامج التنموية ليس عائقا أمام التنمية، بل شرطا أساسيا لضمان استدامتها وتعزيز قدرة المجالات الترابية على مواجهة تحديات الإجهاد المائي والتغير المناخي والتدهور البيئي.
ومن جهتها، أبرزت خديجة السامي أن إعداد الاستراتيجية والخطة الوطنية للتنوع البيولوجي في أفق 2035 يندرج في إطار التزامات المغرب الدولية، لاسيما تنفيذ الإطار العالمي للتنوع البيولوجي كونمينغ–مونتريال، مؤكدة أن جهة سوس ماسة، بما تزخر به من مؤهلات طبيعية استثنائية وفي مقدمتها محمية المحيط الحيوي لأركان والأنظمة البيئية الجبلية والساحلية، مطالبة بالاضطلاع بدور محوري في تحديد الأولويات الترابية وصياغة مشاريع عملية لحماية التنوع البيولوجي وتعزيز صمود النظم البيئية.





































