التحول نحو الجمارك الخضراء لتحقيق تنمية بيئية مستدامة

محمد التفراوتيمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
التحول نحو الجمارك الخضراء لتحقيق تنمية بيئية مستدامة

آفاق بيئية: أشرف السوقي *

أصبحت التحديات البيئية في صدارة الاهتمامات الدولية، لما تحمله من مخاطر تهدد التوازن الطبيعي ومستقبل البشرية. وتتجلى هذه التحديات في تغير المناخ، والاحتباس الحراري، وانقراض الأنواع، وتلوث البحار والأنهار، إضافة إلى ذوبان الجليد في المناطق القطبية وتفاقم موجات الجفاف.

وفي هذا السياق، بات من المسلم به أن الاتجار غير المشروع بالسلع ذات التأثير البيئي الخطير، مثل المواد المستنفدة لطبقة الأوزون، والنفايات الخطرة، والأسلحة الكيميائية، والأنواع المهددة بالانقراض، يشكل تهديدا عالميا له انعكاسات سلبية على الإنسان والبيئة على حد سواء.
تتحمل مختلف الجهات، وفي مقدمتها الجمارك، مسؤولية حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية. وتبرز الإدارات الجمركية كخط الدفاع الأول ضد الجرائم البيئية العابرة للحدود. فقد اضطلعت الجمارك، على المستويين الدولي والوطني، بدور مهم في التصدي للتجارة غير المشروعة ذات الأبعاد البيئية، من خلال تعزيز الرقابة على الحدود والتعاون مع المنظمات الدولية المختصة، بما يسهم في التطبيق الفعال للاتفاقيات البيئية الدولية.

وقد عملت المنظمة العالمية للجمارك على تطوير آليات التعاون والتنسيق مع مختلف الشركاء الدوليين، وأقرت توصيات لمكافحة الانتهاكات البيئية وتعزيز قدرة الإدارات الجمركية على التصدي لها بفعالية وحزم. ومن هذا المنطلق، أصبح من الضروري أن تظل حماية البيئة ضمن أولويات العمل الجمركي، عبر دعم برامج بناء القدرات، وتبادل المعلومات والخبرات، وتطوير أدوات المراقبة والتتبع.

مبادرة الجمارك الخضراء

جاءت مبادرة “الجمارك الخضراء” لتعزيز قدرات الإدارات الجمركية وشركائها في تنفيذ القوانين البيئية، من خلال تطوير آليات الكشف عن الاتجار غير المشروع بالسلع والمواد الضارة بالبيئة ومكافحته، وفقا للاتفاقيات الدولية ذات الصلة. وترتكز هذه المبادرة على إرساء إطار للتعاون والتنسيق بين الإدارات الجمركية والهيئات والمؤسسات المختصة بحماية البيئة، بما يسهم في تعزيز فعالية الرقابة على الحدود والحد من الجرائم البيئية العابرة للحدود.

وقد خصص اليوم العالمي للجمارك لسنة 2009 لشعار “الجمارك والبيئة: حماية ميراثنا الطبيعي”، بهدف إبراز مساهمة الجمارك في صون الموارد الطبيعية والتصدي للأنشطة غير المشروعة التي تهدد البيئة، وهو ما يعكس الوعي المتزايد بأهمية العمل الجماعي والتعاون الدولي في حماية البيئة وضمان استدامتها.

البعد المغربي

وفي المغرب، برزت الجمارك كفاعل أساسي في مكافحة تهريب النفايات والمواد الخطرة، عبر تعزيز الرقابة على الموانئ والحدود، والتعاون مع المؤسسات الوطنية والدولية. وقد واجهت هذه الجهود تحديات مرتبطة بتزايد حجم المبادلات التجارية وتنوع السلع، ما يفرض تطوير آليات أكثر حداثة للكشف والتتبع.

المعايير البيئية والتجارة الدولية

إذا كانت التدابير البيئية تؤدي دورا أساسيا في حماية البيئة والتنوع البيولوجي، فإنها اكتسبت في ظل تحرير التجارة الدولية أبعادا جديدة، حيث أصبحت تستعمل أحيانا كإجراءات غير جمركية تؤثر في انسياب المبادلات التجارية تحت مبررات تتعلق بالمعايير البيئية ومتطلبات المنتجات الصديقة للبيئة. وقد أثار هذا الوضع نقاشا واسعا حول مدى توظيف هذه المعايير كوسيلة لحماية الأسواق الوطنية للدول المتقدمة في مواجهة المنافسة الخارجية.

ويرى عدد من الباحثين أن بعض الدول الصناعية تلجأ إلى فرض قيود ومعايير بيئية وصحية صارمة على الواردات القادمة من الدول النامية، الأمر الذي قد يحد من قدرتها على الولوج إلى الأسواق الدولية رغم تمتعها بمزايا تنافسية في بعض القطاعات. وتستشهد الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها من أكثر الدول اعتمادا لهذه المعايير، مما يفرض تحديات إضافية أمام صادرات الدول النامية، بما فيها المغرب، عند سعيها إلى النفاذ إلى السوق الأمريكية.
إن التحول نحو الجمارك الخضراء لا يمثل مجرد توجه إداري، بل هو خيار استراتيجي يفرضه واقع التحديات البيئية العالمية. فبقدر ما تسهم الجمارك في حماية الحدود من الجرائم الاقتصادية، فإنها مطالبة اليوم بأن تكون خط الدفاع الأول عن البيئة، ضمانا لحق الأجيال القادمة في إرث طبيعي سليم ومستدام، وتحقيق تنمية بيئية متوازنة على المستويين الوطني والدولي.

*أشرف السوقي: باحث في القانون البيئي والتنمية المستدامة 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!