
آفاق بيئية: محمد التفراوتي
شهدت المملكة المغربية خلال شهر يناير 2026 تحولا مائيا غير مسبوق، إذ بلغت حقينة السدود الوطنية أزيد من 8.1 مليار متر مكعب، أي بنسبة ملئ إجمالية تقارب 48.6 في المائة إلى غاية 22-23 يناير. وقد تراوحت هذه النسبة بين 47.8 في المائة و50.1 المائة خلال الفترة الممتدة من 19 إلى 24 يناير، في مؤشر على دينامية تصاعدية عززتها التساقطات المطرية والثلجية المهمة التي ضخت مليارات الأمتار المكعبة في أحواض السدود.
هذا الارتفاع الملحوظ ينهي سنوات من الإجهاد المائي، ويعيد إلى الأذهان حلم سيدنا يوسف عليه السلام بالبقرات السمان والعجاف. فكما أن سنوات الوفرة لم تكن ضمانا ضد العجاف، فإن امتلاء السدود لا يعني بالضرورة نهاية التحديات المائية في المغرب. إنها لحظة فرح، نعم، لكنها لحظة تستدعي يقظة استراتيجية، لا نشوة عابرة.
الذاكرة المائية للمغرب: بين العجاف والسمان
لقد خبر المغرب في السنوات الأخيرة نقصا حادا في التساقطات، انعكس على الفلاحة، الاقتصاد، والحياة اليومية للمواطنين. واليوم، مع عودة المطر والثلج، يبدو وكأن الأرض استجابت لدعاء الناس. غير أن الحكمة تقتضي أن نتذكر أن الأمن المائي لا يبنى على موسم واحد، بل على رؤية طويلة الأمد، كما فعل يوسف عليه السلام حين لم يكتف بتفسير الحلم، بل وضع خطة لتدبير سنوات الوفرة والعجاف، فإن المغرب مطالب اليوم بتأويل حلمه المائي عبر سياسات تخزين ذكية، ترشيد الاستهلاك، وتثمين الموارد غير التقليدية مثل تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة.
الارتواء المتطرف: فرحة تحمل مخاطر
الارتواء المفاجئ، كما الجفاف، يحمل في طياته مخاطر بيئية واجتماعية. ففيضانات بعض المناطق، تآكل التربة، واضطراب النظم الزراعية، كلها آثار جانبية للارتواء غير المتوازن. لذا، فإن ترقب الفصول القادمة يجب أن يكون بعينين مفتوحتين. عين تفرح بالمطر، وعين تخطط لما بعده.
إن المغرب أمام فرصة تاريخية ليكتب روايته المائية بحكمة، فلا يغرق في نشوة المطر، ولا يستسلم لرهبة الجفاف. بين البقرات السمان والعجاف، يكمن درس يوسف. أن الحلم لا يفسر بالفرح وحده، بل بالتدبير والتأويل.
إن بلوغ حقينة السدود أكثر من 8.1 مليار متر مكعب هو رسالة الطبيعة إلى المغرب. أن الفرص لا تدوم إلا إذا أحسنا استثمارها. فالماء فصلا عن كونه موردا اقتصاديا، فهو أساس الحياة والسيادة. والمغرب، وهو يخرج من مرحلة الجفاف، مطالب بأن يترجم فرحة المطر إلى حكمة الماء، حتى لا يجد نفسه يوما أمام عجاف جديدة وقد نسي كيف يرتوي.ونسي أن الوفرة بلا حكمة قد تتحول إلى عطش جديد