اخر المقالات: فرصة أوروبا الخضراء || “نخيلنا” لتعزيز التنوع الغذائي وضمان استدامته || سبل التغلّب على تحديات المياه في الزراعة || خطة مجموعة العشرين في التعامل مع الديون لا تفي بالحاجة || خطة عمل لدعم التنمية المستدامة ومعالجة قضايا تغير المناخ وحماية البيئة || التعامل مع نقص المياه || أوروبا والصين تمسكان بزمام العمل المناخي || كيف يمكن لبنوك التنمية العامة أن تدعم الحفاظ على الطبيعة؟ || مساعدات الشمال إلى الجنوب بشأن مواجهة التغير المناخي || مشاريع للتخفيف من وطأة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري || استيراد نفايات ايطاليا لردمها في ارض الوطن.. كارثة بيئية أخرى تحل بتونس || وجوب تبادل الخبرات في التخصصات المتعلقة بالصحة والبيئة عبر البلدان العربية || من أجل تحقيق مستويات منخفضة الكربون في مجال النقل البحري || محاسبة المياه كأداة حيوية لإدارة المياه || النتائج الرئيسية والتوصيات لتقرير “أفد” عن الصحة والبيئة في البلدان العربية || البيئة الصحية شرط أساسي لأشخاص أصحاء || الصحة والبيئة في البلدان العربية || دراسة عينة من المجتمع المدني المغربي خلال جائحة كوفيد-19: الأدوار الوظيفية والتطلعات المستقبلية || كيف نجعل الشركات تعمل من أجل الطبيعة؟ || الاستماع إلى العلم ||

آفاق بيئية  : ريما حنا *

ينطوي التوسع الحضري على العديد من المزايا. فمن خلال الجمع بين الناس بدنيا، تُلهِم المدن الإبداع وتغذي الفرصة. وهو يجعل العمال أقرب إلى الوظائف ويسهل نشر الفنون والثقافة. لكن الفوائد التي تتيحها الحياة الحضرية تأتي مصحوبة بتكاليف غالبا.

ولعل لا شيء يُشعِرنا بالإرهاق ــ والحِنق الصريح ــ أكثر من الازدحام المروري. فاكتظاظ الطرق وتلاصق السيارات يعني إهدار الوقت وتقصير أيام العمل. وتظل المركبات المتباطئة تطلق كميات هائلة من أبخرة العوادم، فتلحق الضرر بالبيئة وصحة البشر.

وقد حاولت حكومات عِدة وضع سياسات تهدف إلى الحد من الازدحام المروري من خلال جعل الجلوس وراء عجلة القيادة أكثر تكلفة. فمنذ عام 2003، فرضت لندن بنجاح رسوم الازدحام، في حين تريد سنغافورة استخدم تكنولوجيا تحديد المواقع العالمية لضبط استراتيجية تسعير الازدحام التي أقرتها.

بيد أن تنفيذ مثل هذه السياسات يُصبِح أصعب في الدول الأكثر فقرا، التي تفتقر غالبا إلى القدرات التكنولوجية والبنية الأساسية. ولهذا السبب تسعى الدول النامية عادة إلى تنفيذ سياسات أكثر أساسية لتحسين تدفقات حركة المرور.

على سبيل المثال، في الهند، دَفَع تلوث الهواء الخانق في دلهي الحكومة إلى تجربة سياسات “الأرقام الزوجية والفردية”: حيث لا يستطيع الأفراد قيادة سياراتهم إلا في أيام معينة، استنادا إلى الأرقام على لوحات سياراتهم. لكن الأثر الذي خلفه هذا النهج كان ضئيلا. فقد أظهر جابرييل كريندلر من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أنه في حين تعمل هذه السياسة على تخفيف الازدحام قليلا، فإن السائقين تحايلوا على القاعدة من خلال التحول إلى مركبات أخرى. كما بدأ الباعة يبيعون لوحات قديمة حتى يتسنى للسائقين تغيير لوحاتهم حسب الحاجة.

من المحزن أن الهند لم تتعلم من تجارب دول أخرى. فقد أظهرت أبحاث لوكاس ديفيس من جامعة كاليفورنيا في بيركلي أن سياسة مماثلة، جرى تنفيذها في مكسيكو سيتي في عام 1989، لم تنجح في التقليل من تلوث الهواء ــ وهو الهدف المنشود ــ ولم تخفف بشكل ملموس من الازدحام المروري. وكما هي الحال في دلهي، وجدت الأسر في مكسيكو سيتي العديد من الطرق للتحايل على القواعد.

مع وضع هذه الإخفاقات الموثقة في الاعتبار، عكفت مع زملاء على دراسة سياسات ربما تكون أكثر فعالية. وبالتعاون مع بنجامين أولكن من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وكريندلر، قمنا في جاكارتا في إندونيسيا بفحص التأثير المترتب على سياسة واسعة النطاق من القيود المفروضة على المركبات الضخمة، والتي تقيد السفر على أساس عدد الركاب في كل سيارة.

تعاني جاكارتا من بعض أسوأ الاختناقات المرورية في العالَم. ومنذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، سعت حكومة جاكارتا إلى تحسين تدفقات المرور بالاستعانة بقاعدة فرضت على السيارات الخاصة التي تتحرك خلال ساعات الذروة في المنطقة التجارية المركزية في المدينة أن تحتوي على ثلاثة ركاب أو أكثر. بيد أن الجميع تقريبا أظهروا الاستخفاف بسياسة “ثلاثة في واحدة” هذه، وكثيرا ما اشتكى الناس من أنها تخلق المزيد من أسباب الانزعاج، دون أن تقلل من الوقت الذي ينفقونه على الطريق. وسعت أبحاثنا إلى تحديد التأثير الحقيقي المترتب على هذه السياسة كميا.

في الدفاع عن الرأي القائل بأن هذه السياسة كانت مرهقة وغير فعّالة، كثيرا ما أشار السائقون إلى العمل غير الرسمي المتمثل في تجنيد ركاب “محترفين”. إذ كان هؤلاء “المحتالون” ينتظرون بالقرب من نقاط الدخول إلى الطرق التي تطبق عليها سياسة “ثلاثة في واحدة”، وفي مقابل نحو 15 ألف روبية (1.10 دولار)، يرافقون السائقين حتى تمر مركباتهم من المنطقة. وكان بوسع السائق الوحيد الذي يحتاج إلى راكبين إضافيين أن يستأجر أما ومعها طفلها. ووفقا لمعارضي هذه السياسة، فما بدا وكأنه استخدام مجمع للسيارات كان في حقيقة الأمر تهربا منه.

وفي نهاية المطاف، انحازت حكومة جاكارتا إلى رافضي هذه السياسة، معلنة في مارس/آذار 2016 أن القواعد المعمول بها ستعلق إلى أجل غير مسمى.

من منظور الباحثين، أتاح هذا فرصة ذهبية لقياس تأثير السياسة قبل اعتمادها وبعد إلغائها مباشرة. ولتحقيق هذه الغاية، لجأنا إلى واجهة خرائط جوجل كل عشر دقائق، على مدار 24 ساعة يوميا. وبالاستعانة ببيانات المرور اللحظية المستقاة من مصادر حاشدة لكل مسار كان خاضعا للقيود سابقا، بات بوسعنا التأكد مما حدث لتدفقات المرور بعد تعليق السياسة.

وكانت النتائج مذهلة. فعلى الرغم من تصورات السائقين ــ والحكومة في نهاية المطاف ــ كانت سياسة “ثلاثة في واحدة” فعّالة للغاية في الحد من الازدحام. كما أظهرت بياناتنا أن الازدحام المروري تفاقم بشكل كبير بعد إلغاء السياسة. فعلى طرق جاكارتا الخاضعة للتنظيم، انخفض متوسط السرعات من 28 كيلومترا في الساعة إلى 19 كيلومترا في الساعة خلال الذروة الصباحية، ومن 21 كيلومترا في الساعة إلى 11 كيلومترا في الساعة خلال الذروة المسائية.

وعلاوة على ذلك، وجدنا زيادات في حركة المرور في أوقات من النهار لم تكن خاضعة للتنظيم سابقا، فضلا عن ظهور عدد أكبر من المركبات على الطرق غير الخاضعة للتنظيم في عموم الأمر. وعلى هذا فقد أدى تعليق السياسة إلى إنتاج زيادة في حركة المرور وتراجع في الاستخدام المجمع للسيارات.

وكان لهذه النتائج أثار على تدابير مراقبة حركة المرور في مدن أخرى. على سبيل المثال، أشارت بياناتنا ضمنا إلى أن القيود التي فرضتها جاكارتا على السيارات الضخمة كانت أكثر فعالية من فرض رسوم الازدحام في لندن أو سياسة الأرقام الزوجية والفردية في دلهي. كما أشارت النتائج إلى أنه في حين كان حضور “المحتالين” في جاكارتا مرئيا، فإنهم لم يتسببوا في إضعاف تأثير السياسة.

مع استمرار ظهور المدن الكبرى في العديد من الدول النامية، من الممكن أن تساعد استراتيجيات مثل نهج ثلاثة في واحدة الذي طبقته جاكارتا في الحد من الاختناقات المرورية. ولكنها من غير الممكن أن تنجح في تسليم الفوائد المنتظرة إلا إذا صيغت بحكمة، وفُرِضَت بفعالية، ودُرِسَت بشكل جيد. وسوف يظل الناس يسعون دائما إلى التحايل على القواعد التنظيمية، ولكن يتعين على صناع السياسات أن ينظروا في جميع الأدلة قبل أن يقرروا اتخاذ الطريق الفرعية.

* ريما حنا هي مدير مشارك في برنامج بحوث تصميم السياسات في جامعة هارفارد.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

اترك تعليقاً