اخر المقالات: القيمة النفيسة للأحياء البرية || لا وقت للهزل : كيف نتجنب كارثة مناخية || هل عفا الزمن عن المدن؟ || مفارقة إزالة الكربون || سعد السعود في الموروث الجمعي بالمشرق العربي || تنزيل مشاريع شجر الأركان يمضي بخطى ثابتة نحو تطوير سلسلة زراعية بيئية قائمة الذات || رسائل المصرى القديم فى عيد الشمس الشتوى بابى سنبل || تقدير التكلفة الاجتماعية الحقيقية المترتبة على استهلاك الكربون || نيازك المناطق الصحراوية المغربية : تراث مادي ذو أهمية علمية || دورة تدريبية حول صناعة الأفران الشمسية للطبخ || مسابقة النخلة بألسنة الشعراء في دورتها الخامسة 2021 || التغير المناخي كان سبب الهجرات وزوال مستوطنات في مصر القديمة || القطب الشمالي على الخطوط الأمامية || المرجين.. كارثة بيئية يخلفها موسم جني الزيتون || الجائحة وساعة القيامة || الجائحة الصامتة لمقاومة المضادات الحيوية || ملتقى دافوس يناقش التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والتكنولوجية في أعقاب جائحة كوفيد-19 || أوروبا يجب أن تكون قوة مناخية عالمية || مشروع دعم المياه والبيئة في سياق الرهانات الواقعية والتوقعات المستقبلية || فى احتفال مصر بيوم البيئة الوطني : لنتقدم نحو اقتصاد أخضر ||
سبتمبر
08

لو كنتُ نيمار

آفاق بيئية : نجيب صعب 

بينما تقتصد بعض الدول في الميزانيات المخصصة للبحث العلمي والبيئة لأنها تعتبرها من الكماليات في زمن التقشّف، فهي تجد ما يكفي من الأموال لصرفها على أمور تعتقد أنها أكثر أهمية.

كلفة شراء لاعب كرة القدم البرازيلي نيمار من فريق برشلونة الإسباني تجاوزت 800 مليون دولار. هذه الصفقة تقضي أن يلعب نيمار مع فريق “باريس سان جيرمان” الفرنسي لخمس سنوات. اهتمامنا بالموضوع لا يعود إلى أن الصفقة هي الأغلى في تاريخ كرة القدم، بل إلى أن مصدر تمويلها بلد عربي، هو مالك النادي الفرنسي، كواحد من استثماراته في العلاقات العامة.

لو كانت هذه الأموال لتعزيز الرياضة بين أهل البلد، لكان الاستثمار مفهوماً، حتى في زمن التقشّف. لكن الهدف هنا ينحصر في العلاقات العامة. وقد شاع في السنوات الأخيرة أيضاً شراء رياضيين أجانب محترفين في ألعاب القوى الفردية وتجنيسهم، لمجرد ذكر اسم البلد الشاري، إذا حاز أحدهم على ميدالية في مسابقة الركض أو القفز. فهل يساهم هذا في تعزيز القدرات الرياضية المحلية وتشجيع المواطنين على ممارسة الألعاب الرياضية والمنافسة والتفوّق؟ ويتساوى هذا مع إنشاء فروع محلية لجامعات عالمية، تكلف آلاف الملايين ولا يستفيد منها الا طلاب وباحثون أجانب، أو استيراد متاحف للفن الحديث لا يزورها احد من أبناء البلد.

ليس ثمن شراء نيمار هو المبلغ الوحيد الذي كان يمكن استخدامه لغايات أكثر إلحاحاً. ومن هذه تعزيز التعليم والأبحاث، وتشجيع الرياضة بين المواطنين، ودعم الثقافة والفنون، وخلق فرص عمل وإنتاج حقيقية، ورفع مستوى الخدمات الصحية والبنى التحتية. ناهيك عن تحقيق مستويات أعلى من العدالة الاجتماعية والتخفيف من حدة الفقر حيث وُجد.

لكن حتى لا أخرج عن موضوعي، سأحصر كلامي هنا في البيئة. فماذا – لو كنتُ نيمار – كنت أستطيع أن أفعل بمئات الملايين هذه؟

كنت خصصت نصف المبلغ للبحث العلمي في قضايا المياه والتصحر والطاقة وتغير المناخ والسياسات البيئية، على أن يتم صرفها في جامعات ومراكز أبحاث وطنية يديرها مواطنون، وتستخدم نتائجها في تطبيقات على الأرض.

ربع المبلغ كان يمكن تخصيصه لتطوير برامج في التربية البيئية للمدارس تتعدى المناهج والكتب إلى نشاطات خارج الصفوف، وبرامج توعية بيئية تستخدم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي للوصول إلى جميع القطاعات والأعمار. أما الربع الباقي فكنت استخدمته لبرامج تدريب في مجالات مختلفة في الإدارة البيئية، لعاملين في القطاعين العام والخاص.

لكنني لست نيمار، ولست لاعب كرة قدم، بل أنا عاملٌ في مجال البيئة. لذا لا أملك مئات ملايين الدولارات لاستثمارها في برامج بيئية نافعة. غير أنني أعرف، بحكم عملي، أن البلدان العربية تواجه أوضاعاً بيئية حرجة تعرّض وجودها نفسه للخطر، إذا لم تتم مواجهتها سريعاً.

وفي طليعة التحديات التناقص المتسارع في كمية المياه المتجددة، والعجز في إنتاج الغذاء بسبب تفاقم الجفاف والتصحّر، وتلوُّث الهواء والشواطئ. وقد يكون الأهم من كل هذا المخاطر المتعاظمة لتغيّر المناخ، في منطقة هي الأكثر عرضة لآثاره المدمرة، خاصة من تفاقم الجفاف وارتفاع مستويات البحار. وقد أظهر “أطلس البصمة البيئية” الذي أصدره المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) أن المنطقة العربية تستهلك من الموارد ضعف ما يمكن لأنظمتها الطبيعية تجديده، أي إنها في حالة إفلاس بيئي.

لهذه الاعتبارات كلها، نقول إنّ الدول العربية مدعوة إلى الاستثمار في مستقبل أجيالها، بدءاً من تأمين استمرار حصولهم على الموارد الطبيعية الأساسية للحياة، من ماء نقي وتربة خصبة وهواء نظيف. وهذا يتطلب الاستثمار في إدارة رشيدة للموارد، الطبيعية والبشرية.

لكن الواقع اليوم أنه في حين تقتطع بعض الدول مبالغ ضئيلة مخصصة للعلم والثقافة والبيئة، أو تحجبها بالكامل بحجة التقشّف لتراجع الأوضاع الاقتصادية، فهي لا تجد حرجاً في تخصيص آلاف الملايين لنوع من الاستثمارات الشبيهة بشراء لاعب الكرة نيمار.

لو كنت نيمار، لاستخدمت الملايين في إحداث نهضة بيئية تنقل العرب إلى مشارف المستقبل.

(يُنشر بالاتفاق مع مجلة “البيئة والتنمية”)

اترك تعليقاً