اخر المقالات: تقييم الاجراءات الحكومية المحرزة بشأن تغير المناخ || مشروع نظام للتتبع والإبلاغ والتحقق من انبعاثات الغازات || مبادرة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها || القضاء على الجوع : أعمالنا هي مستقبلنا || الموارد المائية المستدامة والبيئة النظيفة في البحر المتوسط || تدبير ندرة المياه بين الابتكار والاستدامة || المستقبل لا يتوافق مع الوقود الأحفوري || العرب يطالبون بالماء والكهرباء وحل مشكلة النفايات || النقل المستدام وتحديات المستقبل || تحويل النظم الزراعية والغذائية لتحسين التغذية وحماية الكوكب || تحليل مخاطر الجفاف ورسم الخرائط || نظام للقياس والإبلاغ والتحقق لمواجهة مخاطر التغير المناخي || النزاعات والصدمات المناخية تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحالي في العديد من الدول || وثائق خطيرة عن ظاهرة الاحترار المناخي || محاكمة القرن ضد حكومة الولايات المتحدة الامريكية من أجل المناخ || أسواق الغذاء العالمية تعزز جهود الاستجابة لتغير المناخ ومكافحة الجوع || نحو تخلص تدريجي من استخدام المواد المستنزفة للأوزون || نظفوا العالم || تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية || عدد الجياع في العالم يتزايد ||

 

آفاق بيئية : نجيب صعب 

حسناً فعلت جامعة الدول العربية حين أنشأت إدارة خاصة بالتنمية المستدامة. وهي كانت حتى ذلك التاريخ ضمن مسؤوليات إدارة البيئة، التي تتولى سكرتارية مجلس الوزراء العرب المسؤولين عن شؤون البيئة.

ولأن التنمية المستدامة لا تقتصر على البيئة بل تغطي قضايا اجتماعية واقتصادية أيضاً، أنشأت الجامعة في وقت سابق “اللجنة العربية المشتركة للبيئة والتنمية”، بالتعاون مع اللجنة الاقتصادية الاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب). وكان ذلك بهدف استقطاب وزارات الاقتصاد والمال والشؤون الاجتماعية والتخطيط، إلى جانب وزارة البيئة، لتنسيق سياسات إنمائية مشتركة. غير أن دور هذه اللجنة ومهماتها بقيت غامضة، وبقيت المشاركة فيها من خارج وزارات البيئة ضعيفة أو معدومة. فاستمر عملها في إطار الاجتماعات والاعلانات والبيانات، ولم يترجم إلى سياسات وبرامج على المستوى الوطني.

الدائرة الجديدة المختصة بالتنمية المستدامة قد تفعّل دور جامعة الدول العربية في هذا المجال على المستوى الإقليمي. لكن نجاحها يرتبط بقدرتها على لعب دور تنسيقي بين الوزارات المختلفة من جهة، وداخل منظومة جامعة الدول العربية من جهة أخرى. وهذا يقتضي منها أن تثبت أن في استطاعتها تقديم قيمة مضافة إلى ما هو قائم.

التنسيق بين الإدارات المختلفة داخل منظومة الجامعة العربية ضعيف حتى الآن. وقد تجلى هذا في عدم دعوة إدارة التنمية المستدامة الجديدة إلى اجتماع إقليمي مشترك لبحث المساهمة العربية في المنتدى العالمي السياسي الرفيع المستوى حول التنمية المستدامة، الذي يعقد هذا الشهر في نيويورك. صحيح أن هذا الاجتماع التحضيري، الذي نظمته إدارة البيئة والإسكان (والتنمية المستدامة سابقاً) في الجامعة العربية بالتعاون مع “الاسكوا” والأمم المتحدة للبيئة، كان يهدف إلى اقتراح القضايا البيئية الواجب إدخالها في الورقة العربية للقمة العالمية. لكن البحث في البعد البيئي لا يبرر غياب الإدارة المختصة بالتنمية المستدامة، المفترض أن تكون مهمتها التنسيق.

من الضروري أن يحافظ الشأن البيئي على خصوصيته في منظومة التنمية المستدامة، التي تجمع الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية. ولكن من الضروري أيضاً استيعاب التحوّل الذي حصل خلال السنوات الأخيرة، الذي جعل البيئة جزءاً من منظومة متكاملة. وقد يكون “الاقتصاد الأخضر” أبرز التجليات العملية لهذا التحول، عن طريق تحقيق التنمية باستثمار متوازن للموارد يؤمن استمرارها، ويحقق في الوقت نفسه رخاء اجتماعياً يتمثل في عدالة الإنتاج والتوزيع وخلق فرص عمل.

البعض يستخدم “التنمية المستدامة” كغطاء لإلغاء البيئة والعودة إلى مفهوم التنمية المتوحشة، التي تستنزف الموارد الطبيعية بلا قيود، سعياً إلى مزيد من الأرباح. والأدهى الاختباء وراء حجة تأمين حياة أفضل للفقراء.

ما يجب أن نتذكره دائماً أن البيئة كانت الأساس في تطوير مفهوم التنمية المستدامة، ويجب أن تبقى الأساس. ففي مواجهة الادعاءات بأن رعاية البيئة تعيق النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي، أجاب البيئيون بأنه لا يمكن للتنمية أن تستمر إلا بالتعامل المتوازن مع موارد الطبيعة، لأن استنزافها بغير حساب يفقد التنمية أهم عناصرها. فحماية البيئة والاستخدام الرشيد للموارد هما أساس التنمية، إذا أُريد لها أن تستمر.

ليست إدارة التنمية المستدامة في جامعة الدول العربية أمام مهمة سهلة. فعليها التعامل مع تشتت النظرة إلى البيئة والتنمية من جهة، وتقهقر العمل العربي المشترك من جهة أخرى. نأمل أن تواجه هذه الادارة التحديات بأن توفر إطاراً فعالاً للعمل المشترك، وتحقق مهمة التنسيق المطلوبة داخل إدارات جامعة الدول العربية وبين دولها. والأهم ألا تقع في لعبة تضارب الصلاحيات.

(يُنشر بالاتفاق مع مجلة “البيئة والتنمية”)

اترك تعليقاً