اخر المقالات: المؤتمر الإسلامي لوزراء البيئة يعقد دورته السابعة  في مقر الإيسيسكو بالرباط || إدماج المرأة القروية  في المنظومة البيئية والمحيط السوسيواقتصادي || مؤتمر رفيع المستوى لتسريع تفعيل لجنة المناخ لحوض الكونغو || الأستاذ نجيب صعب في حوار عن واقع المشهد البيئي العربي || التغيرات البيئية خلال العقد الماضي || عدد أكتوبر من مجلة “البيئة والتنمية”: هل نشرب البلاستيك ؟ || استغلال طاقة الشمس || الرأي العام العربي والبيئة || صانعو التغيير الأخضر في حوض المتوسط || هل نشرب البلاستيك؟ || تدابير تنظيمة من أجل قنص مسؤول || نتائج قمة ” فرصة المناخ ” وآفاق قمة المناخ القادمة “كوب 23” || حوار إقليمي لإفريقيا بشأن المساهمات المحددة وطنيا للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة || تقييم تغير أثر تغيُّر المناخ والتكيف معه في المنطقة العربية || المحافظة و تثمين المنتزه الوطني لتوبقال || صدور تقرير منظمة “الفاو ” حول التوقعات حيال حالة المحاصيل والأغذية || وجبة غذاء جيدة من أجل المناخ || إنذار بزوال الجليد البحري قرب القطب المتجمد الشمالي || دعوة عالمية لمكافحة هدر وفقد الأغذية || نحو دمج ثقافة الاستدامة في إدارة المدرسة بفلسطين ||

هشام روزاق

آفاق بيئية / جريدة الايام : هشام روزاق 

ربما لا يعلم كثير من سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، وكثير من عشاقه وعشاق ثقافته ونموذج الحياة الذي أنتجته عبر قرون، أن تلك القطعة الساحرة من هذه الأرض لم تعد مرادف جمال.

لا يعرف الكثيرون أن البحر الأبيض المتوسط، هو بكل البرودة والبشاعة أكثر بحار العالم قذارة واتساخا. أنه… البحر الذي “يعيش به” أكبر عدد من النفايات الطافية، وخصوصا البلاستيك، وأنه… البحر الذي تتوفر مياهه على أكبر الملوثات الهيدروكربونية وغيرها من الملوثات.

هذا البحر الصغير‪: البحر “شبه” المغلق، يشكل أقل من 1 بالمائة من مجموع المساحات البحرية الموجودة على سطح الأرض، لكن حركة تنقل البترول وناقلاته فيه تشكل أكثر من 20 بالمائة من مجموع حركة التنقل في العالم، علما أن مياهه لديها إيقاع تجدد  يتراوح بين 80 و90 سنة.

على الشواطئ الإسبانية فقط، أحصت الدراسات والأبحاث غير ما مرة وجود 33 قطعة من النفايات الطافية في كل متر مربع، ربع هذه النفايات… هي نفايات بلاستيكية.

 بعيدا عن الشواطئ، في المياه المفتوحة للبحر الأبيض، وجدت كثير من الأبحاث ما معدله 35 قطعة من النفايات العائمة في المتر المربع الواحد، لكن الأفظع … هو ما يحدث في الأعماق.

في أعماق المتوسط، يوجد ما معدله 1935 قطعة نفايات في المتر المربع الواحد، وهو أبشع وأكبر رقم مقارنة مع أعماق كل بحار ومحيطات العالم.

وفي المتوسط… لا يقف الأمر عند هذا الحد. هناك النفايات السائلة. هناك ما يتجاوز أحيانا… 10 غرامات من الهيدروكربونات في كل لتر من مياه الأبيض المتوسط.

 ولأن كل هذه الجرائم لم تكن كافية وحدها لإعدام المتوسط، فقد كان لا بد للجريمة أن تكتمل.

ولكي تكتمل الجريمة، كان لابد لسكان الحوض… لدوله أن تمثل بجثته.

في حوض البحر الأبيض المتوسط يصب 69 نهرا… يحملون إليه كل سنة 283 كيلومترا مكعبا من المياه، لتكون بذلك أهم سبب في تلوثه، نظرا لما تحمله معها من نفايات مختلفة، صلبة وسائلة قادمة إليه من المناطق الحضرية والصناعية.

وحدها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، تتسبب في 60 بالمائة من التلوث الذي يتدفق على مياه المتوسط.

 في حوض البحر الأبيض المتوسط، يعيش حوالي 150 مليون شخص، إضافة إلى 200 مليون آخرين يزورونه كل سنة، وهؤلاء، مقيمين وسياحا، يتسببون في واحد من أكبر أسباب تلوث المتوسط.

حسب دراسة لــ (Oceana)… فإن التلوث “الروتيني” أو اليومي للمتوسط هو أكثر خطورة من كل أنواع التلوث التي تنجم عن الكوارث الضخمة، مثل الحرائق التي تتسبب في تسرب كميات هائلة من البترول أو الهيدروكربونات.

في كل سنة… هناك 400 ألف طن من الهيدروكربونات التي يتم إفراغها في مياه المتوسط، وبطريقة غير قانونية، وبكيفية عشوائية.

 طبيعة البحر الأبيض المتوسط، صغره وكونه بحرا شبه مغلق، تضاعف من خطورة تعرضه لكل أنواع الموت الناتج عن التلوث.

بطء تجدد مياه الأبيض المتوسط (حوالي 90 سنة) يضاعف من خطورة الكارثة… فمن مضيق جبل طارق، تتدفق المياه القادمة من المحيط الأطلسي نحو الأبيض المتوسط، لتعبر قناة صقلية الإيطالية، وتصل إلى حدود لبنان كي تعود أدراجها في ما بعد، متنقلة في الأعماق، وهذا يعني، بحسب بعض الدراسات، أنه في حال تسرب أو إفراغ أو غرق ناقلة بترول مثلا، فإن مياه المتوسط (التي لا تتجدد بسرعة) تواجه ما يعرف بالــ (anoxie)… أي نقص الأوكسجين، ما يشكل موتا محققا لكل الكائنات الحية وكل أشكال الحياة الموجودة تحت عمق 500 متر. الأمر يصبح أفظع، حين نتذكر مثلا أن من بين 8750 نوعا المسجلة في إطار التنوع البيولوجي البحري… هناك 10 بالمائة من هذه الكائنات تعيش فقط في البحر الأبيض المتوسط.

 والأمر يصبح كارثة حين نعرف أن… 50 بالمائة من الأبيض المتوسط توجد على بعد 100 كيلموتر فقط من الشاطئ

تنقل البترول على الأبيض المتوسط يعتبر أكبر خطر يواجه المنطقة بكاملها… ولائحة “الحوادث” والكوارث التي تسبب فيها تنقل البترول هنا كافية وحدها لتنذرنا بموت “الأبيض المتوسط” منذ زمن بعيد

كافية وحدها كي تذكرنا بأن فترة الاحتضار التي طالت لم تكن في النهاية سوى بعض من التمثيل بجثة بحر وهب الحياة لثقافة استثنائية عبر العالم والزمن، لكنه لم يسلم من العقيدة الأصل للبشر… عقيدة القتل.

ثقافة القتل التي تجعل، بحسب دراسات مرعبة:

أكثر من 40 نوعا من الأسماك البحرية الموجودة في البحر المتوسط هي أسماك معرضة للانقراض خلال السنوات القليلة القادمة.

أسماك، وكائنات بحرية، لم يكن عليها أن تواجه بشاعة البشر، من خلال التلوث فقط…

كان عليها أيضا أن تواجه جرائم الصيد المبالغ فيه، وجرائم استعمال أدوات وتقنيات صيد غير قانونية

 كان على البحر الأبيض المتوسط، تلك البقعة التي لا تتجاوز الــ 1 بالمائة من مياه العالم، أن تواجه كل هذه الفظائع على امتداد عقود، وأن تتفرج على البشر الذي منحته الحياة منذ القديم، وهو يغتال جمالها كل يوم

وهو يصدر فيها حكما يوميا بالإعدام.

يصدر عليها حكما بالموت… الموت الذي يمكن أن يداهمها، ويجعل الحياة عليها مجرد ذكرى…

 

 

 

 

اترك تعليقاً