Raouf New final

آفاق بيئية : د. محمد عبد الرءوف *

ان تعزيز التكامل البيئي بين دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) قد يبدو أن قضية ذات أولوية منخفضة في المجال السياسي، ولكنه في الواقع حافزا وأداة لتعزيز العلاقات الخليجية حيث أنها ستمكن من تجميع الجهود والموارد لجميع أصحاب المصلحة للإسراع في البحث عن حلول للمشكلات البيئية المشتركة.
والتكامل الإقليمي هو عملية بموجبها تدخل الدول في اتفاق إقليمي من أجل تعزيز التعاون الإقليمي من خلال المؤسسات الإقليمية والسياسات المشتركة. وليس هناك من شك في أن بناء البرامج البيئية على المستوى الإقليمي هو عنصر هام في أي مبادرة للتكامل الإقليمي.
ويعرف الكاتب التكامل البيئي “هو الترتيبات البيئية بين بلدين أو أكثر تتميز بالتنسيق و / أو توحيد السياسات البيئية والمواقف وتنفيذ مشروعات / أنشطة كبري بيئية مشتركة، فضلا عن إزالة الحواجز البيئية لمصلحة شعوب هذه الدول. والهدف من التكامل البيئي هو لتحقيق التنمية المستدامة وبالتالي تحقيق نوعية حياة أفضل لشعوب البلدان المعنية.

أهمية التكامل البيئي

على المستوى الإقليمي، كما في حالة دول مجلس التعاون الخليجي، التكامل البيئي يعني السياسات والمواقف والمعايير البيئية المشتركة التي تعتمدها كل دولة من الدول الأعضاء من أجل تسهيل جهود التكامل الاقتصادي والسياسي. وبالنظر إلى أن الركيزة البيئية للاستدامة هي أساس التنمية المستدامة الشاملة، فيمكن للمرء أن يقول أن التكامل البيئي هو الخطوة الأولى لتحقيق التكامل في التنمية المستدامة (SD). ووفقا للاتحاد الأوروبي، فان التنمية المستدامة توفر رؤية طويلة الأجل التي تنطوي على الجمع بين اقتصاد ديناميكي مع التماسك الاجتماعي ومعايير بيئية عالية.
إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي ترغب في تحقيق التكامل الإقليمي في المجال السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي وكذا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل وغيرها بحيث تؤدي إلى شكل أكثر تنظيما للوحدة الخليجية، فالتركيز على البيئة هو شرط أساسي ومبدئي ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:
• القضايا البيئية جزءا لا يتجزأ من جميع القضايا السابق ذكرها، من الطاقة إلى الإقتصاد، إلي القضايا الأمنية والسياسية.
• القضايا البيئية هي جزء لا يتجزأ من الخطط القطاعية والإستراتيجيات والسياسات، مثل سياسة الطاقة والسياسة الزراعية سواء علي مستوي الدولة أو المستوى الإقليمي.
ونتيجة لذلك، نجد أنه كلما كان التكامل البيئي أكبر بين الدول، كلما كانت إمكانية التكامل والوحدة الإقتصادية والسياسية أسهل وأسرع، ومن المهم أيضا تسليط الضوء على مختلف مراحل التكامل البيئي والتي يمكن تصنيفها إلى أربعة مراحل: 1) التنسيق الأساسي للمشكلات المشتركة البيئية، والمشاريع البيئية المشتركة؛ 2) قواعد تنظيمية إرشادية بشأن المعايير البيئية وكذا التنسيق المؤسسي؛ 3) سياسات وقوانين بيئية مشتركة، وتنسيق فى المفاوضات متعددة الأطراف؛ 4) والتكامل البيئي الكامل (أي موقف واحد فى المفاوضات للاتفاقيات البيئية، وسياسة واحدة، قوانين ومؤسسات بيئية مركزية…)
ما الخطوات التي إتخذت بالفعل وما المفقود؟
إن دول مجلس التعاون الخليجي لم تنس القضايا البيئية في سعيها لتحقيق تعاون أوثق. ومع ذلك، لا بد من الإعتراف بأن القضايا السياسية والاقتصادية هل التي حازت على الاهتمام. وتشمل المبادرات المشتركة البيئية التي اتخذتها دول مجلس التعاون الخليجي: إعتماد المجلس الأعلى لمجلس التعاون في دورته السادسة التي عقدت في مسقط في عام 1985 “السياسات والمبادئ العامة لحماية البيئة.” ويعتبر هذا الإطار الاستراتيجي للعمل البيئي المشترك والأساس للعمل البيئي المستقبلي بين دول مجلس التعاون الخليجي.
وكذلك تشمل جهوداً أخرى مثل إنشاء لجنة الإعلام والتوعية البيئية لدول مجلس التعاون الخليجي، وعقد العديد من المؤتمرات البيئية لمجلس التعاون الخليجي، وعقد أسابيع الوعي البيئي الخليجي وعدداً من الجوائز البيئية علي مستوى الخليج العربي.
والجدير بالذكر إن إنشاء شبكة الكهرباء الخليجية هي واحدة من أهم المشاريع المشتركة التي يستفيد منها جميع البلدان. بالإضافة إلى كونها قادرة على الاستفادة من فائض الطاقة خلال فترات الطوارئ، فإن الشبكة تضع الأساس لسوق الطاقة الخليجية المشتركة. وهي تمكن من إنشاء محطات توليد الطاقة في أكثر المواقع ملائمة، ونتيجة لذلك، يتجنب و / أو يقلل من المستوى العام للتلوث البيئي في المنطقة وكذا التكلفة. وأيضاً، إن ربط الشبكات الوطنية توفر أساساً لتحقيق التكامل في جوانب أخرى عديدة مثل الطاقة المتجددة، السكك الحديدية، والجمارك، والأسواق.
وعلاوة على ذلك، نظرا لموقع دول الخليج الإستراتيجي، فإن نظام الشبكة الكهربائية الموحدة يمكن توسيعها لتجارة الطاقة ليس فقط داخل دول مجلس التعاون الخليجي ولكن أيضا مع مناطق أخرى مثل شمال أفريقيا وأوروبا وأسيا وخاصة الهند.
في الواقع، إن التعاون خصوصاً في مجال الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية تحديداً) هو أمر ضروري لتطوير مزيج الطاقة المستدام لدول مجلس التعاون الخليجي من أجل تلبية الطلب على الطاقة المتزايدة. وسيعطي منطقة مجلس التعاون الخليجي ميزة تنافسية وضمان تنمية الاقتصادات المنخفضة الكربون التي تعالج الآثار السلبية لتغير المناخ والحد من إنبعاثات غازات الدفيئة وكذا خلق فرص العمل.
فى الحقيقة إن التكامل البيئي الكامل والتحرك نحو الإقتصاد الأخضر هو أمر بديهي وأساسي نظراً لوحدة المشكلات البيئية والا فإن دول مجلس التعاون الخليجي تغامر بخسارة ما تم تحقيقه من نجاحات إقتصادية فالبيئة والموارد الطبيعية هى أساس التنمية ورفع نوعية الحياة.
هنا، يمكن أن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تنظر إلى أمثلة ناجحة أخرى مثل تجربة الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالتكامل البيئي الإقليمي. فمنذ أوائل سبيعنات القرن الماضي، قد التزمت أوربابحماية البيئة ومواردها بما في ذلك حماية نوعية الهواء والماء، والحفاظ على الموارد، وحماية التنوع البيولوجي، وإدارة النفايات ما إلي ذلك. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي قد وضع برنامج عمل من شأنه أن توجه ليس فقط السياسة البيئة الأوروبية حتى عام 2020 ولكن أيضا على المدى الطويل بحلول عام 2050.
وبالتالي تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي لتجاوز الاقتصاد والسياسة وإلى عالم آخر: البيئة والطاقة المتجددة. أن التعاون في هذا المجال أن يكون وضع مربح لدول المنطقة وتعزيز التكامل الإقتصادي والبيئى في نهاية المطاف وهو ما سيخلق فرص عمل خضراء عديدة فضلا عن المساعدة في معالجة قضايا مثل تغير المناخ، وأزمة الغذاء، أزمة الطاقة، والتصحر.
الدكتور محمد عبد الرءوف هو زميل أبحاث في برنامج أبحاث البيئة بمركز الخليج للأبحاث

اترك تعليقاً