اخر المقالات: خرافة التخلص التدريجي من الوقود الاحفوري || أول شفرة ريحية “مصنوعة بالمغرب || استجابة عالمية حقا لتغير المناخ || قمة الكوكب الواحد: محاولة رأب الصدع بين الدول المتطورة و النامية || قمة الكوكب الواحد مبادرة ممتازة لاستثمار زخم قمة “كوب 23” || الإدارة المستدامة لمخلفات معاصر زيت الزيتون ||  الجبال عرضة للضغط : المناخ والجوع والهجرة || تأثيرات تغير المناخ على الموارد المائية || جهود المغرب في مجال التنمية المستدامة || واقع زراعة النخيل وإنتاج وتصنيع التمور في السودان || حدود أسعار الكربون || حالة الأمن الغذائي والتغذية في أوروبا وآسيا الوسطى سنة 2017 || الاقتصاد الأزرق وإيجاد فرص العمل والاستثمار || برامج البيئة والمياه في منطقة البحر الأبيض المتوسط || نتائج قمة الأطراف “كوب23 ” لم تكن مرضية إلى حد كبير || المعرفة هي التوجه الجديد من أجل مستقبل الأغذية والزراعة || حملة القضاء على الجوع تصل إلى نقطة الانعطاف || موح الرجدالي رئيسا لدائرة البرلمانيين المتوسطيين من أجل التنمية المستدامة || محمية المحيط الحيوي للاركان :  في أفق نقلة نوعية || الاحتفال باليوم العالمي للمراحيض بجماعة “أوكايمدن” ||
سبتمبر
04

رجال من المريخ

najar

آقاق بيئية : عبدالهادي النجار

في لقاء تلفزيوني بثته إحدى القنوات الأوسترالية مؤخراً، اعتبر الإمبراطور الإعلامي روبرت مردوخ أن مقاربة التغير المناخي وأسبابه يجب أن تتم بكثير من الشك. وأضاف شارحاً ذلك بأن «جليد القطب الشمالي يذوب حالياً ولكن في المقابل فإن جليد القطب الجنوبي يزداد حجماً. الأشياء تحدث، ولكن ما مقدار مساهمتنا في ذلك نتيجة الانبعاثات وما شابهها؟ الصورة ضبابية وغير واضحة».

روبرت مردوخ هو رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لأكبر تجمع إعلامي يضم وول ستريت جورنال وفوكس نيوز وغيرهما من أكثر وسائل الإعلام تأثيراً في الرأي العام العالمي، وهو في الوقت نفسه داعم قوي للحكومة الأوسترالية الحالية التي تناهض بعض السياسات الاقتصادية للحكومة السابقة، وخاصّةً ما يتصل منها بقضية التغيّر المناخي وخفض الانبعاثات.

إن التشكيك الذي ينادي به مردوخ هو كلمة حقّ يراد بها باطل. فعلوم المناخ، والعلوم بشكل عام، تقوم على الشك لا على اليقين. ومستوى المعرفة التي وصل إليها العالم في إثبات الدور البشري في حصول التغيّر المناخي هو أفضل ما تمّ التوصل إليه وفق المعطيات المتوفرة، وهي تبيّن أن هذا الدور «مرجّح إلى أبعد حد»extremely likely) ) كما أظهر ذلك التقرير التجميعي الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ.

منهج التشكيك هو ذاته ما يدفعنا للنظر بطريقة علمية في ما أدلى به روبرت مردوخ حول أن جليد القطب الجنوبي يزداد حجماً، إذ تشير الدراسات إلى أنه، على العكس، يتعرض للذوبان نتيجة ارتفاع الحرارة العالمي، وإن كان معدّل الذوبان فيه أقل مما يحصل في القطب الشمالي. بعض الدراسات أظهر أن أجزاء من الطبقة الجليدية للقطب الجنوبي ذوت بشكل غير قابل للعكس، وأن الذوبان الحاصل مرجّح للتسارع.

وإن يكن مردوخ دافع عن وجهة نظره بتقديم معلومات غير صحيحة، فإن شخصيات أخرى دافعت عن وجهة النظر ذاتها بإجراء مقارنات خارجة عن أي منطق، ومن هؤلاء براندون سميث النائب عن ولاية كنتاكي الأميركية.

ففي جلسة استماع حول كيفية تعامل ولاية كنتاكي مع التشريعات المقترحة من وكالة حماية البيئة الأمريكية بخصوص غازات الدفيئة المنبعثة من المصانع العاملة على الفحم، أجرى سميث مقارنة بين ظاهرة الاحتباس الحراري على الأرض وما قال إنه احتباس حراري يحصل على كوكب المريخ، فقال: «من الناحية الأكاديمية أظن أن الحرارة على المريخ هي نفسها كما على الأرض، ولا أحد سيجادل في ذلك. ولا توجد مصانع تعمل بالفحم على المريخ حسب ما أعلم. ولذلك فإن ما نناقشه هو شيء أكبر بكثير مما يستوجب علينا اتخاذ إجراءات خاصّة تجاهه».

من الناحية الأكاديمية، فإن تشبيه حرارة الأرض بحرارة المريخ لا يقوم على أي أساس علمي أو منطقي. فالمعدّل الوسطي لدرجة حرارة سطح كوكب الأرض هو 15 درجة مئوية، في حين أن المعدّل الوسطي لدرجة حرارة سطح كوكب المريخ هو 63 درجة مئوية تحت الصفر.

أما مسألة حصول تغيّر مناخي على المريخ، التي طرحها سميث، فقد تكون استناداً إلى حصول ذوبان في الغطاء الجليدي للقطب الجنوبي على المريخ. ولكن حتى هذه الظاهرة لا يمكن اعتمادها كدليل علمي يؤيّد حصول ذوبان واسع النطاق في جليد الكوكب. وفي غياب المعلومات المتوفرة لدينا عن كوكب المريخ قبل سبعينات القرن الماضي، يعجز العلم عن الفصل في حالة ذوبان جليد القطب الجنوبي للمريخ باعتبارها ظاهرة مطّردة أم مجرد ظاهرة مرحلية.

المفارقة في طرح براندون سميث هي في حماسته لتأييد حصول تغيّر مناخي على كوكب المريخ استناداً إلى بضع صور تظهر جليداً ذائباً في قطبه الجنوبي. وفي المقابل، فإنه يُنكر حصول تغيّر مناخي على كوكب الأرض بالرغم من جبل المعطيات التي تبرهن على ذلك.

لقد أصبحت مغالطات سميث واستنتاجاته موضع تندّر رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أن أحدهم أشار إلى تصريح المدير التنفيذي لشركة سبيس إكس SpaceX حول «قدرة الشركة على وضع إنسان على كوكب المريخ في غضون 12 سنة»، واعتبر أن براندون سميث هو الشخص الأنسب ليتم إرساله إلى المريخ نظراً لعميق خبرته في هذا الكوكب.

المعطيات العلمية لتقييم الدور البشري في تغيّر المناخ أصبحت من الموثوقية بحيث لم يعد بالإمكان دفعها على ما يبدو إلا بطرح معلومات كاذبة أو بإجراء مقارنات فاسدة أو بخطاب لا أساس علمي له. وقد أصبح من الواجب على من يعارض هذه المعطيات أن يقول علماً أو يصمت، وبعيداً عن النقاش العلمي الموضوعي سيكون كوكب المريخ في انتظاره.
(ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد أيلول/ت1 – سبتمبر/أكتوبر 2014)

اترك تعليقاً