batir_photoباتر محمد علي وردم (عمّان)

في مشهد لا ينسى من مسرحية “مدرسة المشاغبين” يقول الممثل المصري عادل أمام مستهزئاً بنظام التعليم: “العلم لا يكيّل بالباذنجان”. في هذا الزمن الذي أصبحت فيه المعرفة والمعلومات والحقائق متاحة أمام جميع من يمتلك اشتراكاً في الإنترنت، لا يزال بعض المسؤولين في العالم العربي بالذات مصراً على استخدام منهجية “العلم يكيّل بالباذنجان” في تقديم بعض الأساطير والأوهام التي يريدون من الرأي العام تصديقها.

 قبل أسابيع سخر الناس من تصريحات ناطقين عسكريين مصريين بالتوصل إلى جهاز لاكتشاف وعلاج فيروس الإيدز والكبد الوبائي، من دون نشر ورقة علمية محكمة واحدة عن هذا الموضوع. حتى أن السماجة وصلت بأحد هؤلاء “العلماء” إلى القول بأنه سيتم تدمير فيروس الإيدز وتقديمه في الكفتة كنوع من البروتين الغذائي للناس! الحادثة التي أثارت غضب المستشار العلمي للرئيس المصري الدكتور عصام حجي، الذي وصفها بفضيحة علمية لمصر، حصلت على دعم غريب من بعض وسائل الإعلام المؤيدة للتحول السياسي في مصر، بالرغم من الركاكة العلمية الهائلة التي تحملها هذه الإدعاءات في بلد يتباهى بأنه، وبحق، مهد للحضارة والمعرفة ويتمتع بوفرة من أبرز العلماء والخبراء في الميادين العلمية كافة.

 في الأردن قصة مشابهة تتعلق بالبرنامج النووي الأردني. بعد عدة محاولات لإقناع الأردنيين بأن شركة روسية، لم تنفذ حتى الآن مفاعلاً واحداً من مفاعلات الجيل الرابع، ستكون قادرة على إنتاج ألف ميغاواط من الطاقة الكهربائية في مفاعل سيتم بناؤه في الصحراء يستخدم 40 مليون متر مكعب من المياه العادمة للتبريد، فاجأتنا قصة جديدة بطلها الناطق الرسمي باسم هيئة الطاقة الذرية الأردنية. في المرة الأولى، صرح الناطق لمجلة “العربي الجديد” بأن “الأردن يعوم على بحر من اليورانيوم”. وفي التصريح الثاني كان أكثر التزاماً بالأرقام، وأشار إلى أن الأردن استخرج فعلاً 50 ألف طن من اليورانيوم من أصل 200 ألف طن موجودة في البلاد، وذلك لإنتاج كعكة اليورانيوم الصفراء لتشغيل المفاعل النووي العتيد. الرقم الثاني الهائل يتناقض مع التقديرات الرسمية التي أعلنها رئيس هيئة الطاقة الذرية قبل سنوات وهي 70 ألف طن. فكيف قفزت إلى 200 ألف خلال هذه الفترة؟

 يشير تصريح الناطق الرسمي إلى أن شركة “أريفا” الفرنسية، كبرى شركات تعدين اليورانيوم في العالم والتي انسحبت من الأردن منذ سنتين لعدم توفر كميات تجارية، قامت باستخراج 28 ألف طن، بينما أكملت الشركة الأردنية للتعدين التي تأسست بسرعة بعد رحيل “أريفا” و”ريو تنتو” استخراج 22 ألف طن أخرى. لو كانت “أريفا” وقبلها “ريو تنتو” قد وجدتا 28 ألف طن يورانيوم، لكان من المستحيل أن تتركا الأردن، لأن هذه الكمية أكثر مما استخرج من بعض المناجم الأفريقية التي ما زالت الشركة تعمل فيها.

 دعونا نفهم جيداً. في تصريح لرئيس هيئة الطاقة الذرية قبل أسابيع في ما يتعلق بعمل شركة “أريفا”، قال إن الشركة لم تلتزم بالعقد الموقع معها ولم تقم بالتنقيب عن اليورانيوم بالطرق “السليمة”، فضلاً عن عدم الاتزان الزمني في التنقيب. إذا كان رئيس الهيئة يقول إن “أريفا” لم تتمكن حتى من الالتزام بمعايير التنقيب السليمة، فكيف يقول الناطق الرسمي إن الشركة تمكنت بالفعل من استخراج 28 ألف طن؟

 بعد خروج شركة “أريفا” من الأردن، قامت الهيئة باستقدام اختصاصي اسمه مارات أبزالوف كان يعمل مع شركة “ريو تنتو”، لكي يقوم هو شخصياً بتقدير كميات اليورانيوم في الأردن. قام أبزالوف بدراسة مساحة محدودة، وأصدر تقديراته التي تفيد بوجود 70 ألف طن بطريقة عجيبة، وتم التنكر لجميع تقارير الشركات الأخرى الكبيرة التي أشارت إلى عدم وجود هذه الكميات.

 هذه المغامرات والتصريحات غير المسؤولة، التي تفترض جهل الناس، ليست مناسبة لدول مثل مصر والأردن تفخر بقوة التعليم، وهي تضر بمصداقية الدولة وثقة الرأي العام بها. القول بأن الأردن استخرج 50 ألف طن من اليورانيوم يجب إثباته بطريقة علمية واضحة وصريحة ومحايدة ومن دون فذلكة. على سبيل المثال، يمكن تنظيم جولة للصحافيين لرؤية هذه الكميات ومعرفة تراكيز اليورانيوم الفعلية فيها، لا حجم الصخور الموجودة، وإلا فلتتوقف جميع هذه التصريحات غير المبنية على الأسس السليمة واحترام ذكاء الناس.

 العلم في العالم العربي يبقى خاضعاً للفذلكات السياسية التي زادت سذاجتها بطريقة لا تعقل في الآونة الأخيرة.

 (ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد تموز/آب – يوليو/أغسطس 2014)

اترك تعليقاً