اخر المقالات: مشاريع مخطط “المغرب الأخضر”.. تجسيد للرؤية المغربية المبتكرة للتنمية المستدامة || غابات المناطق الجافة بين البحث العلمي ورصيد التأهيل السوسيو ايكولوجي || مكافحة خصاص المياه في منطقة البحر المتوسط || حوار برلين حول تحول الطاقة:مواءمة الطاقة مع اتفاق باريس المناخي || المياه العادمه تساعد في تحقيق أهداف التنمية المستدامة || اليوم العالمي للغابات 2017 || الأبقار البحرية وخطر الانقراض || الذكرى الأولى لافتتاح للمتحف الجامعي للنيازك || اليوم الدولي للغابات 2017 :الغابات والطاقة || اجتماع بالرباط حول حصيلة قمة ” كوب 22 ” وتوقعات مؤتمر ” كوب 23 “ || دور الشعوب الأصلية في صيانة الحياة البرية وسبل العيش القروية || البشر يتركون أثراً لا يُمحى على كوكب الأرض || شراكة ثلاثية من أجل التنمية المستدامة || وضع امدادات الغذاء العالمية قوي أمام تقلص قدرة الحصول على الطعام || الجوانب الجيوسياسية للتحديات البيئية || حقبة الطلائع الوسطى : فترة جيولوجية جديدة  بالمغرب || سباق على الجو بين الطيور والطائرات || الفحم يتراجع عالمياً ويزدهر عربيّاً || الأمن بين المناخ والموارد وحقوق الإنسان || إكتشاف مدينة غارقة تحت الماء بمثلث “برمودا” ||

najibsaabبقلم نجيب صعب

«الطاقة العطشى» عنوان تقرير للبنك الدولي عن الضغط الذي يسببه إنتاج الطاقة عالمياً على الموارد المائية. تستخدم المياه في إنتاج الطاقة بأنواعها كافة، أكانت من النفط والغاز أم الألواح الشمسية كما الغاز الحيوي والطاقة النووية. سنة 2035، سيرتفع استهلاك الطاقة 50 في المئة، بينما يرتفع استهلاك المياه 85 في المئة.
 
إذا أردنا إصدار تقرير عن الموضوع خاص بالمنطقة العربية، فمن الأصح أن نطلق عليه عنوان «المياه الجائعة»، إذ إن تحلية المياه وضخها وتوزيعها تأكل نصف استهلاك الطاقة في بعض البلدان العربية، مقارنة مع 8 في المئة على مستوى العالم.
 
لا توجد منطقة أخرى في العالم ترتبط فيها موارد الطاقة والمياه على نحو حساس كما في المنطقة العربية. فهذه المنطقة، التي هي الأكثر جفافاً وفقراً في موارد المياه على وجه الأرض، تختزن في الوقت ذاته معظم احتياطي النفط العالمي. ويلعب النفط دوراً أساسياً في توفير حاجة العرب الى المياه والغذاء، خاصة لتحلية مياه البحر في منطقة تنتج نصف المياه المحلاة على مستوى العالم، وتعتمد بشكل أساسي على ضخ المياه الجوفية للري.
 
تغير المناخ سيزيد مشكلة المياه تفاقماً، فمع نهاية القرن الحادي والعشرين ستخف كمية الأمطار في المنطقة العربية بمعدل 25 في المئة ويزداد التبخر بمعدل 25 في المئة. رغم هذا، فإن كفاءة الري هي بين الأدنى في العالم، في حين يتجاوز الاستهلاك الفردي للمياه في بعض الدول العربية الأكثر جفافاً أعلى المعدلات العالمية. نصف المياه العادمة يتم تصريفها أرضاً وبحراً بلا معالجة، بينما لا يعاد استخدام أكثر من 20 في المئة من المياه المعالجة.
 
وقد وجد التقرير الأخير للمنتدى العربي للبيئة والتنمية حول الطاقة المستدامة أن إدارة قطاع الطاقة العربي لا تقل سوءاً عن إدارة قطاع المياه. فمع أن كثافة استخدام الطاقة وانبعاثات الكربون للفرد هي بين الأعلى في العالم، يعاني أكثر من 50 مليون عربي فقراً في خدمات الطاقة. وبينما ينمو استهلاك الطاقة بنسبة 8 في المئة سنوياً، لا يتجاوز معدل النمو الاقتصادي 4 في المئة. وهذا يعكس انعدام الكفاءة في إنتاج الطاقة واستهلاكها، بحيث تقدر الدراسات أن 50 في المئة منها يذهب هدراً. لهذا، فإن مزيجاً من تدابير كفاءة الطاقة والمياه يمكن أن يوفر نصف الاستهلاك، مع الإبقاء على مستويات الإنتاج الاقتصادي الحالية.
 
في ضوء التجارب العالمية، فإن مجانية المياه والطاقة تحوّلهما إلى موردين مهدورين. فالأسعار المتدنية والدعم غير المحدود هي في أساس عدم الكفاءة والهدر والتلويث والتدهور البيئي في المنطقة العربية. على سبيل المثال، معدل السعر الذي يدفعه المستهلك للمياه لا يتجاوز 35 في المئة من كلفة إنتاجها، وفي حالة المياه المحلاة فهو 10 في المئة فقط. الدعم غير المنضبط لأسعار المياه والطاقة، الذي يصل الى 95 في المئة في بعض البلدان العربية، هو العقبة الرئيسية في وجه تحقيق نتائج ملموسة لترشيد الاستهلاك. فهذه الممارسة تشجّع على الهدر ولا تساعد الفقراء، إذ إن أكثر من 90 في المئة من مبالغ دعم الأسعار تذهب إلى الأغنياء. إنه عمل شبيه بالانتحار الجماعي أن تهدر المياه الجوفية لزراعة الأعلاف مثلاً، لاستخدامها في إنتاج الألبان وتصديرها، وأن تستخدم المياه المحلاة لري الحدائق، في حين يتم التخلص من مياه الصرف المعالجة في البحر والصحراء.
 
الإدارة السليمة للمياه والطاقة تتطلب اعتماد أنظمة تسعير تحظى بقبول المجتمعات المحلية، وتؤمن الكفاءة الاقتصادية وتسترجع الكلفة، مع ضمان العدالة. والإدارة الحكيمة للمياه والطاقة في العالم العربي ليست مجرد رفاهية بل ضرورة وجودية تتوقف عليها حياة المنطقة. ويكفي لإثبات هذا أن نعرف أنه اذا استمرت مستويات الاستهلاك على ما هي عليه، فستضطر معظم دول الخليج المصدرة للنفط اليوم إلى استخدام كل إنتاجها النفطي محلياً بعد عشر سنوات، ما يحرمها مداخيل كبيرة.
 
في المقابل، برزت مؤشرات إيجابية خلال الفترة الأخيرة، حيث باشرت بعض الدول العربية إجراءات جدية، عن طريق تعزيز الكفاءة وإعادة النظر في برامج الدعم الحالية وتنويع مصادر الطاقة بإدخال الطاقة المتجددة والطاقة النووية في عمليات إنتاج الكهرباء. يبدو أن صانعي السياسات أيقنوا أخيراً أن اعتماد إدارة رشيدة للمياه والطاقة مهمة لا تحتمل الانتظار.
 

اترك تعليقاً