اخر المقالات: الزعفران : دراسات وأبحاث بيولوجية واﻟﻔﻴﺰﻳﻮﻟﻮﺟﻴة لمكافحة التغيرات المناخية || “النخلة بعيون العالم” تواصل قبول أجمل صور العالم للشجرة المباركة || التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر || الطبيعة الأم ضد تغير المناخ || إحصاءات بيئية تدق ناقوس الخطر || الفيلم  الوثائقي “المملكة المستدامة” || منح شهادة “إيزو 20121” لمؤتمر الأطراف كوب 22 || “مسارات 2050”: مبادرة لتطوير نموذج اقتصادي منخفض الكربون || تجربة واحة ليوا أمام مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ بمراكش || محرك مبادرات وتمويلات المساهمات المعتزمة المحددة وطنيا NDCs || إعلان مراكش للعمل من أجل المناخ والتنمية المستدامة || شراكة بين المغرب والولايات المتحدة الامريكية فيما يتعلق بالتدبير المستدام  للموارد الغابوية || قمة نساء الرائدات تجمع قياديات من أجل المناخ بمؤتمر COP22 || إطلاق شراكة مراكش من أجل العمل المناخي الشامل || تعزيز تكيف منطقة البحر المتوسط مع تقلبات المناخ || خطاب ملكي بقمة العمل الإفريقية خلال مؤتمر الأطراف COP22 || يخت عملاق لتنظيف المحيطات || مشاريع بيئية نموذجية بمدينة مراكش  || يوم التربية بمؤتمر الأطراف COP22 || الأميرة للا حسناء تفتتح يوم المحيط بمؤتمر الأطراف “كوب 22 “ ||

الصور الفضائية تكشف مجاري مائية في سيناء

BAZ

شبكة أودية وادي العريش في شمال سيناء التي تنتهي في مدينة العريش.

تم وضع هذه الخريطة اعتماداً على صور الأقمار الاصطناعية

 أظهرت دراسة علمية لشمال سيناء المجرى المندثر والبحيرات القديمة في وادي العريش، التي كانت مليئة بالمياه في العصور المطيرة التي انتهت قبل نحو 5000 سنة. في هذا المقال يروي العالم المصري الدكتور فاروق الباز مدير مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن الأميركية الذي أشرف على الدراسة، سبل استغلال نتائجها للاستفادة من السيول الموسمية في تنمية شمال سيناء. كما يعرض إمكانات استخدام صور الأقمار الاصطناعية ومعلومات الرادار لكشف مسارات الأنهار القديمة التي تدل على مواقع تركيز المياه الجوفية تحت سطح الصحارى العربية، باعتبارها مصادر جديدة للأجيال المقبلة

 فاروق الباز

تعتبر شبه جزيرة سيناء واجهة مصر الشمالية الشرقية، وعلى رغم ذلك فلم تنل حظها من التنمية، التي اقتصرت على مدن ساحلية في الجنوب فيما ظل الشمال يعاني قلة الموارد وسوء الأوضاع الاقتصادية. لكن المعلومات المناخية تؤكد أن شمال سيناء من أفضل المناطق على مستوى البلاد التي يمكن تنميتها بشكل مستدام باستخدام مصادر المياه الجوفية المتجددة، لأن المنطقة تستقبل أعلى معدل للأمطار في مصر قاطبة.

 ولقد حاول الرئيس الراحل أنور السادات دعم إنماء سيناء في العصر الحديث. وبدأ بالفعل التخطيط لعدد من المشاريع في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، ومنها استزراع أراض في سهل القاع في غرب سيناء باستخدام المياه الجوفية. لكن هذا السهل يقع أيضاً في الجنوب، وبقي شمال سيناء من دون تنمية.

 كذلك بدأت دراسة علمية في التسعينات عن شمال سيناء، بمجموعة علمية من معهد الصحراء والمساحة الجيولوجية ومركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن. نتج عن هذه الدراسة تحديد أودية شمال سيناء وتاريخ تطورها واقتراح استزراع أراضيها باستخدام مياهها الجوفية. ومع أن نتائج هذه الدراسة ظهرت في كتاب أصدره مركز الصحراء في مصر، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ.

 لذلك بدأت دراسة علمية مستفيضة لشمال سيناء كرسالة لنيل درجة الدكتوراه للباحث مصطفى أبوبكر من جامعة الأزهر، تحت إشرافي في جامعة بوسطن. أوضحت الدراسة أن لا بديل عن استخدام المياه الجوفية المتجددة كأحد أهم المصادر الطبيعية للحياة في سيناء. علاوة على ذلك، فشمال سيناء مكان مثالي لتنمية زراعية وسكانية، إذ يتميز بمناخه المعتدل ويعتبر قريباً نسبياً من المدن المزدحمة بالسكان مثل العريش ومدن قناة السويس، إضافة الى سكانه من البدو.

 شملت الدراسة التفصيلية مسار نهر العريش القديم غرب جبل الحلال. وأظهرت للمرة الأولى المجرى المندثر والبحيرات القديمة لوادي العريش، التي كانت مليئة بالماء في العصور المطيرة التي انتهى آخرها قبل نحو 5000 سنة، كما أثبتت دراساتي أن هذه هي الحال في سائر الصحراء العربية.

 اعتمدت الدراسة على دمج بيانات الصور الفضائية والمعلومات الطبوغرافية مع التأكيد الحقلي بمعدات الجيوفيزياء والدراسات الميدانية، بالإضافة إلى معالجة وتفسير مجموعة واسعة من بيانات صور الرادار التي أظهرت أن المجرى القديم لوادي العريش كان يمر في منطقة السر والقوارير بطول نحو 110 كيلومترات، وتراوح عرض مجراه بين 500 و3000 متر. وتم اكتشاف رسوبيات هذا النهر القديم تحت غطاء رقيق من الرمال. إضافة إلى ذلك، تم تحديد ثلاثة مواقع لبحيرات قديمة تكونت في منخفضات خلف جبال خريم وطلعة البدن والحلال ويعتقد احتواؤها على مياه جوفية.

 اقترحت نتائج الدراسة شق قناة بطول كيلومترين وعمق ستة أمتار عند وادي أبوسويير، جنوب غرب طلعة البدن، لكي تصل المجرى الحالي لوادي العريش بمجراه القديم. هذه القناة سوف تحول مسار السيول الموسمية الى منطقة منبسطة غرب جبل الحلال، فيها قرابة نصف مليون فدان يمكن استصلاحها لتوفير حياة مستقرة والاستثمار في الإنتاج الزراعي.

 وسوف تقلل القناة المقترحة من مخاطر السيول المدمرة على مدينة العريش، وتزيد استفادة المجتمع من الأمطار الموسمية بدلاً من فقدان ملايين الأمتار المكعبة من المياه العذبة في البحر. كما أن تحويل مسار السيول سوف يساهم في زيادة تغذية مياه الأمطار للخزان الجوفي، ما يؤهل ارتفاع منسوب المياه الجوفية ويساعد على تجدد الخزان.

 لذلك يمكن أن تؤدي نتائج هذا البحث العلمي الجديد إلى مساعدة الحكومة المصرية على التخطيط لعبور جديد يكون غرضه تنمية شمال شبه جزيرة سيناء ورفعة أهلها.

مياه تحت الرمال

تؤهل لنا الصور الفضائية دراسة الصحراء لأنها توضح تضاريس صخورها بجلاء. كذلك يسهل متابعة ما يحصل من تغيرات بيئية على سطح الصحراء بمقارنة صور تؤخذ في أوقات مختلفة.

تبين من أبحاثنا في الصحراء العربية، في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، أساسيات كثيرة يمكن تطبيقها على بقية صحارى العالم، ومنها ما يأتي:

أصبح حزام الصحراء العربية في صورته الحالية منذ نحو 5000 عام. أما الحقبة ما بين 5000 عام ونحو 11,000 عام فكانت تتميز بهطول أمطار غزيرة كانت تغذي أنهاراً عديدة يصب أكثرها في بحيرات كبيرة. سبق هذه الحقبة الممطرة حقبة جافة ثم حقبة ممطرة أخرى ثم حقبة جافة وهكذا. ودامت كل حقبة من هذه الأحقاب المتتالية من 6000 آلاف إلى 30 ألف سنة، واستمرت هذه الحال طوال النصف مليون سنة الأخيرة على الأقل. وقد نتج من تغير المناخ منذ 5000 عام أن قلت الأمطار وجفت مياه الأنهار والبحيرات.

وبما أن الرمال جاءت أصلاً مع المياه التي تجمعت في بحيرات، فإن مواقع تراكم الرمال في المنخفضات هي أيضاً أماكن تجمع المياه تحت سطح الأرض. ولقد كانت هذه الحقيقة العلمية غائبة كلياً لدى خبراء المياه الجوفية في بلادنا، ويلزم أخذها في الحسبان مستقبلاً. وهذا يعني أيضاً ضرورة دراسة الصور الفضائية دراسة متعمقة أثناء البحث عن مصادر جديدة للمياه الجوفية في المنطقة العربية.

على سبيل المثال، أثبتت الأبحاث في مركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن نتائج دراسة معلومات الرادار الحديثة من الفضاء، التي أوضحت آثاراً لبحيرة قديمة كانت تغطي مساحة دارفور الشمالية بكاملها. وقد اتضحت حدود البحيرة من دراسة صور الفضاء والمعلومات الطبوغرافية من مكوك الفضاء. حددت المعلومات أن حوض البحيرة امتلأ بالماء حتى ارتفاع 573 متراً فوق سطح البحر منذ آلاف السنين. عند ذلك وصلت مساحة البحيرة الى 30,750 كيلومتراً مربعاً، واحتوت على 2,530 كيلومتراً مكعباً من المياه.

 يشبه هذا المنخفض موقع بحيرة قديمة أخرى في جنوب غرب مصر استخرجت منها مياه جوفية بغزارة، حيث يوجد حالياً أكثر من 1000 بئر في منطقة شرق العوينات. وتستخدم هذه الآبار حالياً في الزراعة لإنتاج القمح والحمص والفول وغيرها.

 لذلك أعلن السودان مبادرة «ألف بئر في دارفور» لاستخراج المياه الجوفية ورفع المعاناة عن أهل دارفور وفتح آفاق جديدة للتنمية في شمال غرب السودان. كذلك أعلنت الأمم المتحدة أنها سوف تتكفل بحفر عدة آبار لاستخدام قوات السلام التي يخطط لانتشارها في دارفور.

 وقد أوضحت لنا صور الرادار التركيبات الجيولوجية في كثير من أنحاء العالم. كذلك اتضح أن لهذه الموجات قابلية فريدة في اختراق رمال الصحراء الجافة وتوضيح تضاريس الأرض المغمورة بالرمال. ولهذه الخاصية استخدامات هامة في الصحارى العربية. فصور الرادار توضح لنا مسارات الأودية القديمة التي كانت تمثل أنهاراً تسري فيها المياه بغزارة في الأحقاب الجيولوجية السابقة، عندما كانت الأمطار تهطل بكثرة، ثم اختفت تحت الرمال بعد أن حل الجفاف في منطقتنا قبل نحو 5000 سنة. وتتمثل أهمية مسارات الأنهار القديمة في أنها تدلنا على مواقع تركيز المياه الجوفية تحت سطح الصحراء، كما هي الحال في ليبيا حيث تبين من صور الرادار أن هناك واديين يصلان تحت الرمال الى واحة الكفرة.

 إن خطوات إعداد خبراء في مجال تكنولوجيا المعلومات الفضائية لا تستعصي على مؤسسات تعليمية تنشأ لهذا الغرض في العالم العربي، لأن ذلك لا يحتاج إلى ما ليس متاحاً. ويبين ما سلف أن التعمق في دراسة صور الفضاء يعود علينا بنفع ملموس في حياتنا وفي فهم البيئة التي نعيش فيها. والمثل الحي على ذلك هو التعرف على سبل تجمع المياه في باطن الأرض وأهمية ذلك في البحث عن مصادر جديدة للمياه الجوفية لتأمين مستقبل الأجيال القادمة في الوطن العربي.

(ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد كانون الثاني/ شباط – يناير/فبراير 2014)

اترك تعليقاً