اخر المقالات: اليوم ، نحن جميعا لاجئي المناخ || التربة الصحية ضرورية للقضاء على الجوع وتحقيق السلام والازدهار || المياه العادمة تنذر بكارثة بيئية بتنغير || تدبير ندرة المياه على  مستوى الاحواض المائية : ابتكارات وتنمية مستدامة || أمطار طوفانية في فصل الصيف بشمال افريقيا يعيد سيناريوهات تغير المناخ || قبل الطوفان || المغرب يؤشر على حظر استيراد النفايات الخطيرة || جدلية البيئة || حريق أثينا ناتج عن عمل تخريبي || جولة دراسية حول الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية والإدارة المتكاملة للموارد المائية || تتويج مدينة مراكش بجائزة الحسن الثاني للبيئة 2018 || العواقب المميتة للزراعة || ازدواجية الخطاب حول الوقود الأحفوري || مسابقة النخلة في عيون العالم في دورتها العاشرة || جائزة الحسن الثاني للبيئة تعلن عن المتوجون برسم الدورة 12 || تنظيم الأسرة لرفاه المجتمع و نحو جودة الحياة || الموارد المائية المستدامة والبيئة النظيفة في البحر المتوسط || حالة الغابات في العالم || تمويل التنمية المستدامة ومكافحة الفساد  || إضافة موقعين جديدين إلى قائمة الفاو للتراث الزراعي ||

solarsystem-saidaonline

حمص: عبدالهادي النجار  

على الرغم من أنها لم تشعر أبداً بالإحباط أو الندم أو الفشل، إلا أن عالمة الفلك وداد عبده تؤكد أنها لم تنجُ من الأسئلة الغربية المعهودة التي تصدم كل عربي عندما يسمعها من نوع: «كيف الحياة في الخيمة والصحراء؟»

 وداد التي نتحدث عنها هي واحدة من علماء الفلك الذين لا يحظون بشهرة علماء فلك آخرين تسعى وراءهم معظم وسائل الإعلام العربية ويتابع أخبارهم عشرات الملايين. فشهرتها لا تقارب مطلقاً شهرة كارمن شمّاس أو ميشال حايك أو ماغي فرح أو حسن الشارني أو حتى نجلاء قباني!

 وداد تستحق أن تكون سوبر ستار العرب، إلا أن مشكلتها الوحيدة هي أن قدميها على الأرض وفكرها في السماء، أما من نال الشهرة من «نجوم الفلك» الآخرين فأقدامهم في السماء وفكرهم على الأرض. هي تبحث عن الحقائق المجردة بالشك الذي يميز جميع العلوم، وهم يبيعون الأمنيات للنفوس التي اضطرب فيها الأمل فلم تجد بدّاً من أن تتعلق بحبال الغيب.

 الحقائق غالباً ما تكون قاسية، باردة، خالية من التشويق، أما الأمنيات فهي جذابة مثيرة تلعب بالعقول قبل القلوب. أيهما يشدّكم أكثر: أن تصف كوكب الزهرة (فينوس) بأنه نجم الصباح الذي يرمز إلى الحب والجمال أم أن تتحدث عن حرارته اللاهبة التي تقترب من 450 درجة مئوية وتحيل جوّه الكبريتي إلى جحيم لا يطاق؟

 منذ فجر التاريخ لا يوجد قوم اشتغل فكرهم بالسماء قبل الأرض كما هي حال أبناء منطقتنا. فإذا كان هناك شعب اشتهر لعلومه الفلكية فهم البابليون أبناء الرافدين، وإذا كان هناك رجال دين شغلتهم مواقيت السماء فلم يكن بينهم من هو بعمق فهم كهنة مصر القديمة. أنتحدّث عن بطليموس الإسكندراني صاحب مخطوطة المجسطي أقدم مؤلف في الفلك، أم عن البتّاني ابن حرّان أحد أهم عشرين عالماً فلكياً عرفتهم البشرية جمعاء، أم عن ابن الشاطر الدمشقي ومرصده الفلكي على جبل قاسيون؟

 الأمر الأكثر إدهاشاً هو أنه، في زمن التردّي العربي هذا، ما زالت أرض العرب تنجب علماء فلكٍ حقيقيين من أمثال المصرية وداد عبده، ومواطنها فاروق الباز، والسورية شاديّة الحبّال، والعراقي حميد النعيمي، واللبناني إدغار شويري ومواطنيه جورج الحلو ومصطفى شاهين، وغيرهم الكثير.

 وإنه لمن المؤسف أن يسبق اسم معظمهم صفة «الأميركي من أصل عربي»، وكأن هذه الصفة لفظ مهذب لحقيقة أن دور البلاد العربية يقتصر على إنجاب الكفاءات ثم طردها إلى بلاد أخرى تقدّر قيمتها وتوفر لها متطلبات التفوق، كما هي حال الحجر الكريم في الأرض المهملة الذي لا يظهر بريقه ولمعانه إلا بفضل الأيادي التي تجيد صقله!

 الناس في بلادنا لا يعرفون قيمة هذا الحجر الكريم، لأنه ببساطة حجرٌ خام «لا يلمع» بين أيديهم، ويفضّلون عليه الجواهر التقليدية البخسة لرواجها وسهولة الحصول عليها، وهي فوق كل ذلك تناسب جميع الأذواق. ولذلك ليس من المستغرب أن تكون الأبراج هي أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن العربي عند الحديث عن علم الفلك، بل الأدهى من ذلك أن يكون «حظّك اليوم» أحد أبرز المواضيع في موقع إلكتروني يحمل عنوان البيئة ويقول انه يسعى لتحقيق التنمية المستدامة. وكأن علوم البيئة وقضاياها لا تحقق التشويق والجذب اللذين تحققهما أخبار برج الحوت وبرج الدلو.

 يقول ويل ديورانت في مؤلفه الشهير «قصة الحضارة»: «لئن بدأ السحر بالخرافة فإنه ينتهي بالعلوم». وعليه، فالسياق التاريخي لمعرفة سحر الغيب عن طريق مراقبة الكواكب والنجوم أدّى إلى نشأة علوم الفضاء وتطورها. ومع ذلك فإن بعضنا ما زال يصرّ على البقاء في دوامة الخرافة!

 (ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد تموز/يوليو 2013)

اترك تعليقاً