اخر المقالات: المناخ بين النفط واللحم || حالة التنوع البيولوجي للأغذية والزراعة في العالم || معالجة التلوث الصناعي من معاصر زيت الزيتون والدباغة في فلسطين || إعلان الفائزين جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي في دورتها 11 || ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء لدى الفاو في يناير || إطعام العشر مليارات انسان || رصد الأمن الغذائي في البلدان التي تشهد حالات نزاع || مركز إفريقي للمناخ والتنمية المستدامة || الإستفادة الكاملة من أموال التنمية || قنص إيكولوجي و مستدام بمنطقة الأطلس الكبير || إنشاء مؤسسة “المبادرة من أجل تكييف الفلاحة الإفريقية” بالمغرب || إعادة تمويل الصندوق العالمي || دليل متفائل لتغير المناخ ||  دليل للنيازك في افريقيا والعالم العربي || بنايات المستقبل رشيقة وصديقة للبيئة || لا يمكن لمعركة تغير المناخ تجاهل القضايا الاجتماعية || استعراض لأهم أحداث سنة 2018 والإجراءات اللازمة لخلق عالم أكثر شمولاً واستدامة. || البيئة في 2018: كوارث مناخية وحرب على البلاستيك || قمة المناخ نجحت || المنتزه الوطني للحسيمة بالمغرب ||

solarsystem-saidaonline

حمص: عبدالهادي النجار  

على الرغم من أنها لم تشعر أبداً بالإحباط أو الندم أو الفشل، إلا أن عالمة الفلك وداد عبده تؤكد أنها لم تنجُ من الأسئلة الغربية المعهودة التي تصدم كل عربي عندما يسمعها من نوع: «كيف الحياة في الخيمة والصحراء؟»

 وداد التي نتحدث عنها هي واحدة من علماء الفلك الذين لا يحظون بشهرة علماء فلك آخرين تسعى وراءهم معظم وسائل الإعلام العربية ويتابع أخبارهم عشرات الملايين. فشهرتها لا تقارب مطلقاً شهرة كارمن شمّاس أو ميشال حايك أو ماغي فرح أو حسن الشارني أو حتى نجلاء قباني!

 وداد تستحق أن تكون سوبر ستار العرب، إلا أن مشكلتها الوحيدة هي أن قدميها على الأرض وفكرها في السماء، أما من نال الشهرة من «نجوم الفلك» الآخرين فأقدامهم في السماء وفكرهم على الأرض. هي تبحث عن الحقائق المجردة بالشك الذي يميز جميع العلوم، وهم يبيعون الأمنيات للنفوس التي اضطرب فيها الأمل فلم تجد بدّاً من أن تتعلق بحبال الغيب.

 الحقائق غالباً ما تكون قاسية، باردة، خالية من التشويق، أما الأمنيات فهي جذابة مثيرة تلعب بالعقول قبل القلوب. أيهما يشدّكم أكثر: أن تصف كوكب الزهرة (فينوس) بأنه نجم الصباح الذي يرمز إلى الحب والجمال أم أن تتحدث عن حرارته اللاهبة التي تقترب من 450 درجة مئوية وتحيل جوّه الكبريتي إلى جحيم لا يطاق؟

 منذ فجر التاريخ لا يوجد قوم اشتغل فكرهم بالسماء قبل الأرض كما هي حال أبناء منطقتنا. فإذا كان هناك شعب اشتهر لعلومه الفلكية فهم البابليون أبناء الرافدين، وإذا كان هناك رجال دين شغلتهم مواقيت السماء فلم يكن بينهم من هو بعمق فهم كهنة مصر القديمة. أنتحدّث عن بطليموس الإسكندراني صاحب مخطوطة المجسطي أقدم مؤلف في الفلك، أم عن البتّاني ابن حرّان أحد أهم عشرين عالماً فلكياً عرفتهم البشرية جمعاء، أم عن ابن الشاطر الدمشقي ومرصده الفلكي على جبل قاسيون؟

 الأمر الأكثر إدهاشاً هو أنه، في زمن التردّي العربي هذا، ما زالت أرض العرب تنجب علماء فلكٍ حقيقيين من أمثال المصرية وداد عبده، ومواطنها فاروق الباز، والسورية شاديّة الحبّال، والعراقي حميد النعيمي، واللبناني إدغار شويري ومواطنيه جورج الحلو ومصطفى شاهين، وغيرهم الكثير.

 وإنه لمن المؤسف أن يسبق اسم معظمهم صفة «الأميركي من أصل عربي»، وكأن هذه الصفة لفظ مهذب لحقيقة أن دور البلاد العربية يقتصر على إنجاب الكفاءات ثم طردها إلى بلاد أخرى تقدّر قيمتها وتوفر لها متطلبات التفوق، كما هي حال الحجر الكريم في الأرض المهملة الذي لا يظهر بريقه ولمعانه إلا بفضل الأيادي التي تجيد صقله!

 الناس في بلادنا لا يعرفون قيمة هذا الحجر الكريم، لأنه ببساطة حجرٌ خام «لا يلمع» بين أيديهم، ويفضّلون عليه الجواهر التقليدية البخسة لرواجها وسهولة الحصول عليها، وهي فوق كل ذلك تناسب جميع الأذواق. ولذلك ليس من المستغرب أن تكون الأبراج هي أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن العربي عند الحديث عن علم الفلك، بل الأدهى من ذلك أن يكون «حظّك اليوم» أحد أبرز المواضيع في موقع إلكتروني يحمل عنوان البيئة ويقول انه يسعى لتحقيق التنمية المستدامة. وكأن علوم البيئة وقضاياها لا تحقق التشويق والجذب اللذين تحققهما أخبار برج الحوت وبرج الدلو.

 يقول ويل ديورانت في مؤلفه الشهير «قصة الحضارة»: «لئن بدأ السحر بالخرافة فإنه ينتهي بالعلوم». وعليه، فالسياق التاريخي لمعرفة سحر الغيب عن طريق مراقبة الكواكب والنجوم أدّى إلى نشأة علوم الفضاء وتطورها. ومع ذلك فإن بعضنا ما زال يصرّ على البقاء في دوامة الخرافة!

 (ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد تموز/يوليو 2013)

اترك تعليقاً