اخر المقالات: قنص إيكولوجي و مستدام بمنطقة الأطلس الكبير || إنشاء مؤسسة “المبادرة من أجل تكييف الفلاحة الإفريقية” بالمغرب || إعادة تمويل الصندوق العالمي || دليل متفائل لتغير المناخ ||  دليل للنيازك في افريقيا والعالم العربي || بنايات المستقبل رشيقة وصديقة للبيئة || لا يمكن لمعركة تغير المناخ تجاهل القضايا الاجتماعية || استعراض لأهم أحداث سنة 2018 والإجراءات اللازمة لخلق عالم أكثر شمولاً واستدامة. || البيئة في 2018: كوارث مناخية وحرب على البلاستيك || قمة المناخ نجحت || المنتزه الوطني للحسيمة بالمغرب || أبرز الاكتشافات العلمية لسنة 2018 || الواحات المغربية تراث إنساني يستحق الحماية والتثمين || التأثير الجيني : تجارب بدون موافقة || المغرب يوقع إعلانًا مشتركًا مع 4 دول من الاتحاد الأوروبي || حملات قنص الخنزير البري بسوس ماسة || نموذج أعمال من أجل الاستدامة || للسلامة المناخية، اتصل بالمهندسين || الترابط (Nexus) بين موارد المياه والطاقة والغذاء || حلقات نقاش تشاورية حول الجفاف وأمن المياه وتعريف مناطق الحماية في المغرب ||

batir_photo

باتر محمد علي وردم – عمّان

يدرك معظم الأردنيين أن هنالك أمراً متميزاً واستثنائياً في الطريقة التي يتم بها «إنشاء» البرنامج النووي الأردني، الذي يسير قدماً بدعم سياسي ومالي كبير منذ خمس سنوات لأنه البرنامج الوحيد في العالم الذي يتضمن مفاعلاً نووياً طائراً ينتقل من مكان إلى آخر من دون أن يستقر في أرض واحدة!

 بعد خمس سنوات من الإدارة والاتفاقيات والسفر والاطلاع على تجارب الدول الأخرى وإنفاق عشرات الملايين من الدنانير، ينطلق البرنامج النووي الأردني بقوة شديدة. ولكنه حتى الآن لم يستطع الإجابة عن خمسة أسئلة بسيطة وهامشية، وهي: هل هنالك كميات كافية من اليورانيوم في الأردن؟ أين هو موقع المفاعل؟ ما هي كلفته ومن سيغطيها؟ من أين سيتم تأمين المياه اللازمة للتبريد أثناء التشغيل الاعتيادي والحالات الطارئة؟ وأخيراً، كيف سيتم التخلص من المخلفات النووية؟

 بعيداً عن هذه الأسئلة غير المهمة، كل عنصر آخر بات جاهزاً للتنفيذ.

 بدأت عملية الترويج للمفاعل النووي عن طريق تصريحات مبنية على مرجعيات غير واضحة حول كميات اليورانيوم في الأردن، التي وصلت في بعض التقديرات إلى 70 ألف طن، وجعلت الملك عبد الله الثاني نفسه يعلن بناء على هذه الأرقام أن الأردن سوف يصدّر اليورانيوم بعد أن يستخدم الكميات الكافية لإنشاء البرنامج النووي. لكن حسابات الحقل لم تتناسب مع حسابات البيدر، حيث انسحبت شركتا «ريو تنتو» و«أريفا»، وهما أكبر شركات التعدين في العالم، بعدما ثبت لهما عدم وجود كميات كافية من اليورانيوم. هذا لم يردع هيئة الطاقة الذرية التي استمرت في التصريح بوجود «كميات أكبر مما كان متوقعاً»، عن طريق استكشافات قامت بها شركة حكومية بعد انسحاب «ريو تنتو» و«أريفا» اللتين أكدتا انعدام كفاءة هائلاً في تقدير اليورانيوم.

 كلفة المفاعل، بحسب تصريحات الهيئة، ستصل إلى أربعة بلايين دولار. ولعلها لا تدرك أن المفاعل الوحيد الذي يتم بناؤه حالياً من النوع نفسه في فنلندا وصلت تكاليفه إلى سبعة بلايين يورو (9,3 بليون دولار) ولا يزال غير مكتمل. هذا طبعا في فنلندا، سيدة العالم في محاربة الفساد، حيث كل فلس يخضع للرقابة. فما بالك في بلادنا! لا أحد يعرف من سيدفع الثمن، ولكن آخر إبداع من هيئة الطاقة الذرية كان في تقديم طلب إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي لاستخدام سيولتها النقدية من مدخرات العاملين للاستثمار في البرنامج العظيم!

 في ما يتعلق بمياه التبريد، لا توجد معلومات، ولكن الأمر يتعلق بالموقع الذي يتغير بين سنة وأخرى. كان الموقع المقترح الأول في مدينة العقبة الساحلية، ولكن بسبب نشاطها الزلزالي الكامن صُرف النظر عن الموقع بعد دراسات كلفت 30 مليون دولار، وهي معلومة يعرفها طالب ثانوي. الخيار الثاني كان في منطقة في شرق الأردن قريبة من أكبر محطة لمعالجة مياه الصرف، وذلك من أجل استخدام هذه المياه في التبريد. هذا منطق سديد، إذ تشكل مياه الصرف مصدراً مستداماً لا ينتهي، حيث يمكن لكل مواطن أردني تشغيل مفاعل نووي بمجرد قضاء حاجته! ولكن يبدو أن العلماء القائمين على المشروع اكتشفوا أن من الصعب الاعتماد على مياه الصرف لتبريد مفاعل بطاقة ألف ميغاواط، وهذا طبعاً بعد دراسات مستفيضة وجولات ميدانية في العالم حيث تم فتح مزاد جديد للبحث عن موقع.

 أخيراً، لا أحد يعرف كيف سيتم التخلص من المخلفات «البسيطة» التي ستنتج عن المفاعل النووي، وهذا أمر لا يدخل في دورة الكلفة والإدارة والتشغيل التي تتم مناقشتها حالياً. ولا وقت لدى العلماء المختصين بالطاقة النووية الذين يديرون المشروع للتفكير في قضية جانبية كهذه، وربما يكتشفون أن هنالك حاجة إلى إنشاء مكب نفايات يعمل بطريقة الطمر للتخلص من هذه المخلفات غير الخطرة بأقل كلفة وأبسط تكنولوجيا ممكنة.

 البرنامج النووي الأردني أصبح مصدراً للتندر والسخرية في البلاد. ولكنها سخرية مكلفة جداً، إذ تستنزف عشرات الملايين من موازنة دولة تعاني من ضائقة اقتصادية وتحديات سياسية شديدة. وإلى أن يحط المفاعل الطائر في موقعه النهائي، ربما في باحة منزلي في الصباح الباكر، سنكون قد شاهدنا المزيد من العجائب.

 (ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد تموز/يوليو 2013)

اترك تعليقاً