اخر المقالات: “النخلة بعيون العالم” تواصل قبول أجمل صور العالم للشجرة المباركة || التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر || الطبيعة الأم ضد تغير المناخ || إحصاءات بيئية تدق ناقوس الخطر || الفيلم  الوثائقي “المملكة المستدامة” || منح شهادة “إيزو 20121” لمؤتمر الأطراف كوب 22 || “مسارات 2050”: مبادرة لتطوير نموذج اقتصادي منخفض الكربون || تجربة واحة ليوا أمام مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ بمراكش || محرك مبادرات وتمويلات المساهمات المعتزمة المحددة وطنيا NDCs || إعلان مراكش للعمل من أجل المناخ والتنمية المستدامة || شراكة بين المغرب والولايات المتحدة الامريكية فيما يتعلق بالتدبير المستدام  للموارد الغابوية || قمة نساء الرائدات تجمع قياديات من أجل المناخ بمؤتمر COP22 || إطلاق شراكة مراكش من أجل العمل المناخي الشامل || تعزيز تكيف منطقة البحر المتوسط مع تقلبات المناخ || خطاب ملكي بقمة العمل الإفريقية خلال مؤتمر الأطراف COP22 || يخت عملاق لتنظيف المحيطات || مشاريع بيئية نموذجية بمدينة مراكش  || يوم التربية بمؤتمر الأطراف COP22 || الأميرة للا حسناء تفتتح يوم المحيط بمؤتمر الأطراف “كوب 22 “ || شجرة الزيتون ومواجهة آثار التغيرات المناخية ||

najibsaab

بقلم نجيب صعب

في اليوم الخامس والأربعين بعد انطلاقها من سان فرنسيسكو على الساحل الغربي للولايات المتحدة، حطت الطائرة الشمسية «سولار إمبالس» في واشنطن. وقد مُنحت كل مدينة حطت فيها بين نقطتي البداية والنهاية شهادة خضراء، تقديراً لدعمها التكنولوجيا النظيفة الصديقة للبيئة. ولم تكن هذه الرحلة الطويلة الأولى التي يقود فيها المغامر السويسري برتران بيكار طائرته الشمسية، إذ طار فيها العام الماضي بين قارتين، من سويسرا إلى المغرب.

 قد لا يجد المصرّون على التشكيك في الطاقة المتجددة إنجازاً في هذا. ففي رأيهم، لا يعني الكثير أن تحتاج رحلة جوية لطائرة براكب واحد إلى 45 يوماً لتقطع مسافة لا تتجاوز أربعة آلاف كيلومتر. غير أن هذا الإنجاز قد يفتح فجر عصر جديد للطاقة المتجددة. فالطائرة تعتمد كلياً على الطاقة الشمسية، التي تستمدها من عشرة آلاف خلية ضوئية على أجنحتها. وفي حين يتجاوز عرض الأجنحة تلك المستخدمة لطائرة «جمبو»، يقل وزن الطائرة الشمسية عن 1600 كيلوغرام، ما يوازي سيارة عائلية متوسطة. وتم تخفيض الوزن عن طريق تطوير ألياف كربونية خفيفة لبناء الهيكل. وقد استطاعت الطائرة أن تبقى في الجو 24 ساعة متواصلة، نهاراً وليلاً، باستخدام بطاريات لتخزين الكهرباء تم تطويرها خصيصاً لهذا الغرض. وكان هذا كله حصيلة تعاون بين عشرات من مراكز الأبحاث والشركات الأوروبية التي دعمت المشروع.

 أهمية رحلة «سولار إمبالس» عبر أميركا أنها أعطت دفعاً قوياً للطاقة الشمسية، في بلد منقسم بين مؤيد ومشكك. فبينما يتحمس الناس لأفكار إنتاج الطاقة من مصادر نظيفة ومتجددة، لا يملك الكثيرون الجَلَد لانتظار النتائج.

 الأبحاث والتطوير والتجارب، للوصول إلى حلول تكنولوجية اقتصادية يمكن استخدامها على نطاق واسع، تحتاج إلى وقت طويل. غير أن برتران بيكار نجح في إثارة فضول الأميركيين، إذ جعلهم يشاهدون بأم العين أن ما كان يعتبر حلماً بعيد المنال أصبح في المتناول. وكان وزير الطاقة الأميركي إرنست مونيز واضحاً في التعبير عن هذا، إذ قال بعد هبوط الطائرة في واشنطن إن الرحلة تفتح اتجاهات جديدة لمستقبل الطاقة النظيفة في أميركا. وأشار إلى أن التكنولوجيات المستخدمة في الطائرة الشمسية، من خلايا ضوئية ومواد خفيفة الوزن وبطاريات ذات كفاءة عالية، يمكن توظيفها لاستخدامات أنظف في السيارات والأبنية والأجهزة المنزلية وكثير من مناحي الحياة اليومية.

 رحلة «سولار إمبالس» لم تتوقف هنا. فالطائرة التي استُخدمت للرحلة الأميركية كانت نموذجاً تجريبياً لطائرة يعمل الفريق العلمي والصناعي على تطويرها، حتى تكون جاهزة لرحلة حول العالم سنة 2015. في ذلك الوقت ستكون الخلايا الضوئية أكثر فاعلية، والمواد المستخدمة لهيكل الطائرة أصلب وأخف وزناً، وبطاريات تخزين الطاقة أعلى كفاءة.

 التغيير يصنعه رواد يمتلكون روح التحدي ويحركهم قلق المستقبل. برتران بيكار واحد من هؤلاء. قبل الطائرة الشمسية، قام برحلة حول العالم بالمنطاد عام 1999. جدّه عالم الفيزياء أوغست طوّر كبسولة مضغوطة من الألومنيوم استخدمها عام 1931 ليحلق في المنطاد إلى ارتفاع تعدى 16 ألف متر، ما فتح الآفاق لتطور غير مسبوق في تكنولوجيا الطيران. حين التقيته قبل شهور في برلين، أخبرني برتران قصة جده مستخلصاً منها عبرة: بدل إضاعة الوقت في محاولة التغيير بالأساليب نفسها وفي المكان نفسه، يجب أحياناً التفكير بطرائق جديدة كلياً. قبل أن يطور أوغست بيكار الكبسولة المضغوطة، كانت سرعة الطائرات محكومة بعوامل الطقس والضغط الجوي في الارتفاعات المنخفضة. لكن تخفيف الوزن باستخدام كبسولة ألومنيوم مضغوطة سمح بالارتفاع أكثر وبالتالي زيادة السرعة، بعدما فشلت المحاولات على الارتفاعات المنخفضة.

 جواباً على الذين يشككون بإمكانات الطاقة المتجددة لأنه يصعب تخزينها، هناك من يثبت أن لا حدود أمام الإبداع والأفكار الخلاقة. فقد بدأت في مناطق ريفية برامج لضخ المياه بالطاقة الشمسية خلال النهار الى خزانات مرتفعة، لاستخدامها ليلاً في توليد الكهرباء بالطاقة المائية، بواسطة توربينات يشغّلها تدفق الماء بالجاذبية من أعلى الى أسفل. كما يتم استخدام الكهرباء من الطاقة الشمسية نهاراً لإنتاج الهيدروجين من المياه، ولو كانت مياه بحر، لاستخدامه في أي وقت في توليد الكهرباء. والهيدروجين ناقل نظيف للطاقة، لا ينتج منه إلا قطرات ماء بعد اندماجه، مرة أخرى، بالأوكسيجين. ولا بد أن يطوّر العقل البشري أيضاً تكنولوجيا فعالة  ومأمونة لتخزين ومعالجة الانبعاثات الناجمة عن حرق الوقود.

شكراً برتران بيكار، لأنك أثبتّ للعالم أن المستقبل يبدأ اليوم.

(ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد تموز/يوليو 2013)

اترك تعليقاً