آفاق بيئية :جيرنوت فاغنر

منذ عقود ، كان الاقتصاديون يناقشون أفضل الطرق لوزن التكلفة الحالية لخفض الانبعاثات مقابل
 التكاليف التي ستحدث في سنوات ، إن لم يكن قرون. لكن الإجماع أثبت أنه بعيد المنال لأن النماذج 
الاقتصادية التقليدية لا تتعامل مع الكربون الموجود في الجو كأصل.

Hand with bag with Dollar banknotes and hand with coal stone. Mining industry concept with dollars and coal. Financial concept.

في قلب التحديات العديدة المتعلقة بالسياسات هناك صراع بين “الواقعيين ” و”الراديكاليين”. ان هذا الطرح ينطبق على سباق الانتخابات التمهيدية الحالية للحزب الديمقراطي الامريكي على سبيل المثال كما ساهم هذا الصراع منذ فترة طويلة في تشكيل الجدل المتعلق بالتغير المناخي فهل يمكن لسياسات تدريجية مثل سعر كربون متواضع ان ينقذنا من الكارثة أو هل يستدعي التغير المناخي نهجا اكثر ثورية؟

ان محاولات الاجابة على هذا السؤال عادة ما تعتمد بشكل اكبر على الحدس السياسي اكثر منها على التحليل المعمق كما ان الجدل عادة ما ينطوي على انقسام في الاجيال بين المثاليين الشباب والمعتدلين من اصحاب التجربة كما حصل مؤخرا عندما رفض وزير الخزانة الامريكي ستيفن مونشين انتقادات الناشطة في مجال المناخ والتي تبلغ 17 عاما السويدية جريتا ثونبرغ وذلك عندما اقترح انه يتوجب عليها ان تأخذ دروسا في علم الاقتصاد.

عند مناقشة علم مقايضة الكربون فإن من الممكن ان يساعد الاقتصاد في اتخاذ قرارات تحت ظل ظروف تحددها قيود ملزمة وانتشار الشكوك وانعدام اليقين وعلى اقل تقدير من الناحية النظرية فإن الاقتصاديين لديهم الادوات لتحديد تكاليف ومنافع خفض انبعاثات الكربون ولكن عمل تلك الحسابات بشكل دقيق شكل تحديا حاول الاقتصاديون التغلب عليه لعقود عديدة .

لقد تم منح ويليام د نوردهاوس من جامعة يال في سنة 2018 جائزة نوبل للاقتصاد على جهوده الرائدة من اجل تحديد السعر الأمثل للكربون . أن منطق مقاربته والنموذج القياسي لتسعير الكربون بشكل عام  يبدو صحيح تماما : تحديد كمية الاضرار المتوقعة من التغير المناخي وبعد ذلك مقارنتها بتكاليف خفض الانبعاثات اليوم ولكن هذه المقاربة تبدو اكثر صعوبة عند التطبيق. ان القصور الذاتي للنظام المناخي يوحي بإن معظم الاضرار ستحدث في المستقبل البعيد- بعد عقود او حتى قرون- بينما معظم تكاليف تخفيض الانبعاثات سيتم تكبدها اليوم .

بالإضافة الى ذلك يوجد تباين متأصل في كيفية حساب المنافع والتكاليف ومع انعدام اليقين لدى الطرفين فإن المشكلة تستدعي استقراء بطولي والتخمين الصريح ولكن عند حساب المنافع نجد انه تقليديا فإن ” الاشياء المؤكدة” فقط هي التي تجد طريقها للارقام المذكورة في العناوين الرئيسية بينما يذهب التحيز في الاتجاه الاخر في حالة التكاليف : يتم بشكل عام تجاهل التقدم في تقنيات الطاقة النظيفة على الرغم من تأثيراتها المحتملة في التخفيف من التكاليف .

ان تلك التحيزات لم تمنع الاقتصاديين في ان يقدموا تحليلات واثقة تتعلق بالمنافع والتكاليف . لقد اشتهر نوردهاوس بعمل ذلك من خلال نموذج يتطلب اقل من 20 معادلة رئيسية . لقد استنتج انه يجب تسعير كل طن من ثاني اكسيد الكربون يتم بثه اليوم في الجو بسعر 40 دولار امريكي وعلى النقيض من ذلك وفي تقرير منشور في سنة 2006 فإن نيكولاس ستيرن من كلية للندن للاقتصاد حسب السعر على اساس انه يجب ان يزيد عن 100 دولار امريكي بالطن في اسعار الدولار اليوم .

ان الفجوة الكبيرة بين التقديرين تعكس مقاربتين مختلفتين للخصم : كيف يقدّر مجتمع ما المستقبل (او يتوجب عليه ان يقيم ذلك المستقبل ). يبدأ نوردهاوس بمعدل خصم سنوي يصل لحوالي 4،25 % والذي يخفضه بعد ذلك بشكل بسيط مع مرور الوقت بينما مراجعة ستيرن تحدد سعر الخصم بنسبة 1،4% مما يعني التركيز بشكل اكبر على الاضرار المستقبلية مقارنة بتكاليف تخفيف الاضرار اليوم .

ان هذه التحليلات تعتبر تعهدات كبيرة وذلك نظرا للنطاق العالمي والأفق الزمني البعيد ومستوى انعدام اليقين ولكن كلا المقاربتين لا تضعان بعين الاعتبار امكانية حصول نقاط تحول لا رجعة فيها على مستوى الكوكب مثل الذوبان الدائم للصفائح الجليدية في جرينلاند او تبييض الشعاب المرجانية وكما جادل الراحل مارت ل وايتزمان من جامعة هارفارد في ذلك الوقت فإن مراجعة ستيرن كانت ” صحيحة للاسباب الخاطئة “.

لقد أكدت اعمال وايتزمان على المخاطر الاستثنائية للمناخ التي يمكن ان تقلل بشكل كبير من اهمية التحليل القياسي للفوائد والنفقات وبينما ركّز وايتزمان كثيرا على اظهار ان احتمالية وقوع نتائج كارثية بحق هي احتمالية غير مرجحة ، الا انه اعتقد ان العواقب الضحمة الممكنة لمثل تلك الاحداث يجب ان تدفع عملية اتخاذ القرار لدينا وعليه فإن وايتزمان طيلة فترة حياته المهنية رفض باصرار ان يقدر سعر مثالي للكربون وفي كتاب صدمة المناخ الذي الفته انا ووايتزمان بشكل مشترك ذكرنا انه نظرا لإنعدام اليقين والشكوك في هذا الخصوص فإن تسعير الكربون بحوالي 40 دولار امريكي وهو سعر ظهر نتيجة لتحليل قياسي للمنافع والتكاليف في ذلك الوقت يجب استخدامه كحد أدنى مطلق .

اذن كيف يجب ان نتعامل مع المشكلة اذن ؟ ان النماذج الاقتصادية التقليدية بشكل عام تتجاهل كيف يمكن لخطر المناخ ان يتفاعل مع حالة الاقتصاد ولكن ماذا سيحصل لو اتبعت الاستثمارات في مجال تخفيض الانبعاثات نفس المنطق المستخدم من قبل مدراء الاصول المحترفين ؟ ان هناك سبب جيد لماذا يضع المستثمرون اموالهم في السندات على الرغم من هبوط عوائدها بالمعدل الى مستوى أقل من الاسهم : السندات هي اقل مخاطرة وهكذا حتى عندما يكون الاقتصاد في وضع غير جيد فإن بعض الاستثمارات سوف تؤتي ثمارها .

أما في كتاب صدمة المناخ فإن أحد شخصياتنا المهمة هو روبرت ليترمان وهو من اهم مدراء المخاطر السابقين لدى جولدمان ساكس والذي شعر بالصدمة عندما رأى كيف تتعامل تحليلات المنافع-والتكاليف القياسية للتغير المناخي مع المخاطرة وانعدام اليقين . لقد قمت مع كينت دانيال من كلية كولومبيا لادارة الاعمال وليترمان ببناء نموذج اقتصادي مبسط للتعامل مع المناخ والذي يأخذ بشكل جدي الرؤى الاساسية من القطاع المالي .

على عكس مراجعة ستيرن والتي اختارت وبكل بساطة سعر خصم تعتقد انه معصوم عن الخطأ فلقد جعلنا سعر الخصم في مقاربتنا نتيجة عوضا عن ان يكون احد المدخلات. ان تعاملنا مع الكربون بالجو كأحد الأصول ( وان كان بعوائد سلبية) جعلنا نتوصل الى سعر كربون بعد ان وازنا بين الاساليب المستخدمة من القطاع المالي لتسعير الاصول وفي نهاية المطاف وبغض النظر عن المحاولات الحثيثة التي قمنا بها ، لم نستطع ان نخفض سعر الكربون الى سعر اقل من 100 دولار امريكي بالطن .

في الوقت نفسه فإن التحليلات الاخرى قد توصلت لاسعار كربون تمتد من 200 الى 400 دولار امريكي او اكثر بالطن ولكن حتى لو اشترط المرء ان السعر يجب ان يكون 100 دولار امريكي بالطن فإن هذا سيترجم الى حوالي 0.90 دولار امريكي لكل غالون من البنزين (3.8 لتر) وهو سعر في محطة البنزين سيشكل ثورة عوضا عن ان يكون احد السياسات المتواضعة.

على الرغم من ذلك فإن ردة الفعل المحتملة من العامة لن تجعل الرقم ” خاطئا ” او حتى راديكاليا . ان الاقتصاد قد يتعلق بمقايضة الكربون ولكن فيزياء الكواكب تشكل احد القيود الصعبة على الميزانية والتي لا يستطيع احد تجنبها وخاصة الاقتصاديين وفي هذا السياق فإن الراديكالي الحقيقي يتجاهل الفيزياء ويستمر في الاختباء خلف تحليلات منافع وتكاليف غير كافية والتي تتجاهل المخاطر الواضحة لكوكب يسخن بسرعة .

*جيرنوت فاغنر:  (www.gwagner.com) يدرس اقتصاديات المناخ في جامعة نيويورك. وهو مؤلف مشارك ، مع الراحل مارتن فايتسمان ، من صدمة المناخ: العواقب 
الاقتصادية لكوكب أكثر سخونة (مطبعة جامعة برينستون ، 2015).
عن بروجيكت سنديكيت

اترك تعليقاً