آفاق بيئية : ماريا نيرا *

إن أزمة المناخ لهي أيضا أزمة صحية. ذلك أن الانبعاثات ذاتها التي تسبب الانحباس الحراري الكوكبي مسؤولة أيضا إلى حد كبير عن تلويث الهواء الذي نتنفسه، وهو ما يؤدي إلى انتشار أمراض القلب، والسكتة الدماغية، وسرطان الرئة، والأمراض المعدية، ويؤثر على كل عضو في أجسامنا. أي أن تلوث الهواء هو التبغ الجديد، المسؤول عن عدد من الوفيات مماثل لتلك الناجمة عن تدخين السجائر. ورغم أن تلوث الهواء يهددنا جميعا، فإن الأطفال، وكبار السن، والنساء الحوامل، والبالغين الذين يعانون من ضعف الجهاز المناعي، هم الأكثر عُرضة للخطر.

 

BEIJING, CHINA – NOVEMBER 29: A Chinese man wears a mask as he waits to cross the road near the CCTV building during heavy smog on November 29, 2014 in Beijing, China. United States President Barack Obama and China’s president Xi Jinping agreed on a plan to limit carbon emissions by their countries, which are the world’s two biggest polluters, at a summit in Beijing earlier this month. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)

من المعلوم للجميع الآن أن تدخين التبغ يلحق الضرر الشديد بك وبمن حولك. ولهذا السبب أُخضِعَت حملات الضغط والإعلان في صناعة التبغ للتنظيم الصارم في مختلف أنحاء العالم. وعلى مستوى العالم، اتخذنا خطوات لحماية السياسات الصحية القائمة، وإرغام شركات التبغ على قول الحقيقة: وهي أن منتجاتها تقتل.

ورغم ذلك، تأتي ردود أفعالنا مغايرة تماما عندما نعلم أن تلوث الهواء وتغير المناخ الناتج عن استخدام الوقود الأحفوري لا يقل فتكا. فأين هي السياسات التي تمنع صناعة الوقود الأحفوري من ممارسة الضغوط على الحكومات، أو التدابير الكفيلة بإنهاء إعانات الدعم التي تبلغ 370 مليار دولار أميركي والتي تُـغدَق على شركات الفحم والنفط والغاز كل عام؟ ولماذا لا نزال ندفع المال مقابل منتج يقتلنا؟

كما هي الحال مع الاستجابة العالمية القوية للتبغ، فإن إنهاء الاستخدام الضار للوقود الأحفوري يستلزم زيادة التدخلات السياسية وجهود التعبئة الاجتماعية الحالية. وما يدعو إلى التفاؤل أن بعض المنظمات المالية المتعددة الأطراف أدركت بالفعل الفرصة المتمثلة في هذا التغير. فمؤخرا فقط، أعلن بنك الاستثمار الأوروبي أنه يعتزم إنهاء كل تمويله لمشاريع الوقود الأحفوري التي لا تنقطع، واستخدام موقعه لتوجيه رؤوس الأموال العامة والخاصة نحو الطاقة المتجددة.

الواقع أن الاختيار بين التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري والاستمرار على المسار الحالي شديد الوضوح ــ فهي مسألة حياة أو موت. فإما أن نقرر منع 7 ملايين حالة وفاة مبكرة سنويا من خلال تنظيف الهواء الذي نتنفسه وتزويد الناس بمصادر الطاقة النظيفة، أو لا نفعل. وإما أن نقرر منع 4 ملايين حالة ربو بين الأطفال سنويا بسبب عوادم السيارات، أو لا نفعل. في كل الأحوال، سوف تتأثر بشدة صحة أي طفل يولد اليوم على مدى حياته بفِعل القرارات التي نتخذها بشأن تغير المناخ الآن وفي السنوات المقبلة. ولهذا السبب، جعلت منظمة الصحة العالمية تغير المناخ أولوية مؤسسية عليا.

ويجب أن يكون تغير المناخ أولوية لكل الشركات، والحكومات، والمنظمات المتعددة الأطراف أيضا. إن إبقاء القضية على قمة الأجندة يوفر الحافز الضروري لاتخاذ اختيارات صعبة. ومن خلال التحرك الآن لخفض الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون والحد من الانحباس الحراري الكوكبي بحيث لا يتجاوز ارتفاع حرارة الأرض 1.5 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الصناعة، لن نضمن بقاء كوكبنا ملائما لحياة أجيال المستقبل فحسب؛ بل إننا سننقذ أيضا مليون حياة على الأقل سنويا، وفقا لتقديرات منظمة الصحة العالمية.

الواقع أن القضاء على تلوث الهواء في بلدان مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من شأنه أن يوفر للاقتصاد 4% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا من تكاليف الرعاية الصحية. وفي الصين والهند، سنجد أن خفض الانبعاثات بالقدر الكافي للحد من ارتفاع درجات الحرارة بما لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية يغطي تكاليفه ويزيد إذا وضعنا في الحسبان الفوائد الصحية المصاحبة. على نحو مماثل، سوف يفضي تحويل أنظمتنا الغذائية وأنظمة النقل إلى إنقاذ المزيد من الأرواح، من خلال توفير أنظمة غذائية صحية وتشجيع المزيد من النشاط البدني ــ كل هذا بينما ننظف الهواء ونعمل على تثبيت استقرار المناخ.

تعمل الأنظمة القانونية على نحو متزايد على إنفاذ حق الإنسان في حياة صحية ومستقبل مستدام، ويخضع المسؤولون الذين يفشلون في دعم هذا الحق للمساءلة. في فرنسا، على سبيل المثال، وجدت إحدى المحاكم أن الحكومة فشلت في بذل القدر الكافي من الجهد للحد من تلوث الهواء حول باريس، وعلى نحو مماثل قام سكان جاكارتا في إندونيسيا باتخاذ إجراءات قانونية ضد الحكومة بسبب تلوث الهواء.

وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، استجابت حكومات كثيرة لدعوة منظمة الصحة العالمية لتحقيق “نوعية الهواء الآمن للمواطنين، والمواءمة بين سياسات تغير المناخ وتلوث الهواء بحول عام 2030”. وهي خطوة أولى مشجعة. والآن، يتعين على بلدان كثيرة تتحمل العبء الصحي الأكبر نتيجة لتلوث الهواء أن تتخلص تدريجيا من مصادر الطاقة الأشد تلويثا للبيئة.

في منظمة الصحة العالمية، سنواصل التقدم نحو اتخاذ التدابير اللازمة للتصدي لهذه القضايا، بينما نتعاون مع الآخرين الذين يفعلون ذات الشيء. وفي السابع من ديسمبر/كانون الأول، خلال مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP25) في مدريد، ستعقد منظمة الصحة العالمية والتحالف العالمي للمناخ والصحة قمة ليوم واحد حول المناخ والصحة، مما يسمح لممثلي المجتمع المدني، والقطاع الصحي، وكل أصحاب المصلحة الآخرين بإلقاء الضوء على هذه القضية الحرجة.

مثله كمثل التلوث الذي يُحدِثه، لا يتقيد تغير المناخ بحدود وطنية؛ ولا تقتصر تأثيراته على أولئك المسؤولين عن التلوث، بل على العكس من ذلك، يُعَد التفاوت سِمة أساسية في أزمة المناخ: فأولئك الأقل مسؤولية عن المشكلة ــ الأطفال، والمجتمعات الفقيرة، والجنوب العالمي ــ يجب أن يتحملوا حصة غير متناسبة من العبء الصحي.

تُظهِر الدراسة الاستقصائية الجديدة التي أجرتها منظمة الصحة العالمية، والتي من المقرر أن تنشر في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، أن العديد من البلدان معرضة بدرجة عالية للمخاطر، وضعيفة، وغير مدعومة في التعامل مع المخاطر الصحية الناجمة عن تغير المناخ وتلوث الهواء. من الواضح أننا في احتياج إلى استجابة دولية وعادلة لهذه الضغوط المتزايدة على الصحة العامة. ويجب على جهود المستقبل أن تعكس التكاليف الحقيقية المترتبة على اقتصاد يعتمد على الوقود الأحفوري وأن تساعد الأكثر تضررا.

لتحقيق هذه الغاية، يتعين على كل الموقعين على اتفاق باريس للمناخ أن يعملوا على تعزيز خططهم الوطنية في التعامل مع المناخ بحلول عام 2020. وبعد ذلك، نحتاج إلى إنشاء آليات جديدة قوية لحماية الأكثر ضعفا ومساعدة المجتمعات على التكيف مع حقائق تغير المناخ. ويجب أن تكون الصحة في صميم التزاماتنا بموجب اتفاق باريس. لقد ظل التلوث الذي يخنق هواءنا ويزيد من حرارة كوكبنا يتراكم لأجيال عديدة. ولا يمكننا أن نتحمل الانتظار لأجيال أخرى قبل أن نصلح هذه المشكلة.

بروجيكت سنديكيت 

ماريا نيرا * هي مديرة قسم الصحة العامة والمحددات البيئية والاجتماعية للصحة في منظمة الصحة العالمية.

اترك تعليقاً