اخر المقالات: تطبيق جوال لحفظ الطيور الجارحة في البحر المتوسط || أفضل وسيلة لمكافحة تغير المناخ || سد فجوة أهداف التنمية المستدامة || إتفاق تحويلي من أجل الطبيعة || أسراب الجراد المفترسة تهدد منطقة شرق إفريقيا دون الإقليمية بأسرها || الإستغوار سياحة جميلة داخل مغارات عجيبة نحتتها أنامل الطبيعة || صفقة تحويلية من أجل الطبيعة || هل بلغ الاقتصاد العالمي ذروة النمو؟ || الملتقى 14 لمنظمة شبكة البرلمانيين المتوسطيين من أجل التنمية المستدامة || تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية || عندما يصطدم النشاط المناخي بالقومية || مناقشة عدم المساواة التي نحتاجها || تحديد القيمة الاقتصادية للتربة || الكفاءة قبل زيادة الانتاج || بيان من الأمين التنفيذي لتغير المناخ في الأمم المتحدة || أوروبا والهوية الخضراء الجديدة || موجة الديون العالمية تُسجِّل أكبر وأسرع زيادة لها في 50 عاما || رؤية الخلايا السرطانية وقتل الخلايا السرطانية || نتفاوض بينما يحترق العالَم || مدارسة محاور  الدليل البيئي للمدارس العربية في المغرب  ||

آفاق بيئية : نجيب صعب*

حين أطلق المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) عام 2008 سلسلة تقاريره السنوية عن وضع البيئة العربية، كان يسعى إلى رصد حالة البيئة في قطاعات مختلفة، واقتراح حلول تساعد في تطوير سياسات إصلاحية ملائمة. غطت التقارير تحدّيات المياه والطاقة وتغيّر المناخ والأمن الغذائي والاقتصاد الأخضر والبصمة البيئية، وعرضت لإدارة النفايات وتلوث الهواء وحماية البحار والشواطئ. وانتهت إلى وضع خريطة طريق لتحقيق المحتوى البيئي لأهداف التنمية المستدامة ومصادر تمويلها.

تنفيذ الإصلاحات والبرامج المطلوبة لرعاية البيئة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب مشاركة من الجامعات ومؤسسات البحث العلمي، ودمج المفاهيم البيئية في المناهج المدرسية، وتوعية الجمهور والسياسيين على أهمية رعاية البيئة. وفوق كل هذا ينبغي بناء القوى البشرية المسلّحة بالمعرفة والعلم، بما يؤهّلها لتطوير الحلول وتنفيذها. من هنا أهمية تحديث برامج التربية البيئية في جميع المراحل، من المدارس إلى الجامعات، لتواكب الحاجات الجديدة.

يبحث تقرير “أفد” الثاني عشر، لسنة 2019، العلاقة بين التربية والتنمية، تحت عنوان “التربية البيئية من أجل تنمية مستدامة في البلدان العربية”. وهو يتضمن أول مسح شامل للمحتويات البيئية في المناهج المدرسية والجامعية في المنطقة العربية، من أجل تحديد الفجوات وتقديم توصيات لتعزيز دور التعليم في النهوض بقضية حماية البيئة وتنفيذ أهداف التنمية المستدامة.

وجد التقرير أن الجامعات العربية، خلال العقد الماضي، شهدت زيادة سريعة في البرامج المتعلقة بالبيئة والتنمية المستدامة. ففي 57 جامعة تمت دراسة مناهجها، تبين أن هناك 221 شهادة في المواضيع البيئية، معظمها يغطي العلوم الطبيعية والصحة. وفي الدراسات العليا، ظهر أن السعودية ومصر هما الأكثر نشاطاً في مخرجات البحوث البيئية. لكن التقرير أظهر قصوراً في بعض المواضيع المستجدة، مثل تغيُّر المناخ والاقتصاد الأخضر والقانون البيئي والسياسات البيئية واقتصاد التنمية. ودعا الجامعات العربية إلى دمج أهداف التنمية المستدامة في نشاطاتها التعليمية والتدريبية والبحثية وتعزيز المبادرات المجتمعية، وإدخال برامج دراسات عليا تضمّ اختصاصات مختلفة، كما فعلت الجامعة الأميركية في بيروت، التي تقدم برنامج ماجستير مشتركاً بين كليات الزراعة والصحة والهندسة، بالتعاون مع مركز أبحاث السياسات العامة في الجامعة. كما أوصى التقرير بإحداث مقرَّر جديد يكون متاحاً لطلاب السنة الجامعية الأولى من جميع الاختصاصات، تحت عنوان “مقدمة في البيئة والتنمية المستدامة”. ولا بد من ربط الجامعات ومؤسسات البحث العلمي بالإدارات الحكومية والقطاع الخاص، من صناعة ومؤسسات تجارية وخدماتية ومالية، والمجتمع عامّة، لتتفاعل إيجاباً مع حاجات التنمية الفعلية وسوق العمل.

وفي حين أخذت البيئة مكانة أكبر في المناهج المدرسية العربية خلال السنين العشر الأخيرة، لا يزال التركيز محصوراً في مواضيع تقليدية مثل جمال الطبيعة والتلوّث والنظافة، مع قصور في مواضيع مثل تغيُّر المناخ والكوارث وأنماط الاستهلاك وعلاقة الأمن الغذائي بالبيئة. وما يسترعي الانتباه أن بعض الدول التي طوّرت أفضل الخطط لإدخال البيئة على نحو متكامل في المناهج المدرسية، مثل لبنان ومصر، تأخّرت كثيراً في الانتقال إلى التطبيق الفعلي.

كما لاحظ تقرير “أفد” ضعف التعاون بين وزارات التربية والتعليم والبيئة، مما أدى، في كثير من الحالات، إلى تكرار وتضارب في برامج التربية البيئية. ويوصي التقرير بأن تصبح التحدّيات الكبرى التي تواجه البلدان العربية، مثل ندرة المياه والتصحُّر والجفاف والتلوث البحري ومخاطر ارتفاع سطح البحر بسبب التغيُّر المناخي، جزءاً أساسياً من المناهج المدرسية. كما يدعو إلى زيادة النشاطات التطبيقية والرحلات التعليمية، وتشجيع إنشاء الأندية البيئية.

لا يمكن حصول التغيير الإيجابي بمعزل عن إصلاح الأنظمة التعليمية. فالتربية محرك رئيسي للتحوّل إلى نمط حياة أكثر استدامة، يضمن الانسجام مع الطبيعة والاستخدام المتوازن للموارد. كما أنها تزوّد المتعلمين الأدوات العلمية اللازمة للمساهمة في التغيير الفعلي، أكان في المختبر أم المكتب أم الحقل.

يستخدم تقرير “أفد” الأدلة المستندة إلى العلم لإثارة نقاش ضروري حول الحاجة الملحّة إلى اصلاح أنظمة التعليم العربية، من طريق إدخال قضايا البيئة والتنمية المستدامة كجزء متكامل في المناهج. وهذا يساعد في تعزيز دور التربية كمحرك لإدارة بيئية أفضل، وكذلك للنهوض بالتنمية المستدامة. فمن يربح معركة العلم، يربح معركة المستقبل.

* الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) ومحرر تقرير “التربية البيئية من أجل تنمية مستدامة في البلدان العربية”.

اترك تعليقاً