اخر المقالات: الرأسمال الطبيعي للمحيط الحيوي لأركان : القيمة والتثمين || احتجاج بقمة مدريد ضد الإيقاع والطموح المنخفض الذي يظهره المؤتمر || تغير المناخ يهدد الإنتاج الزراعي || حلول تغير المناخ القائمة على الطبيعة تحتاج إلى توسيع نطاقها عبر النظم الغذائية || أمل جديد في تحرك أميركي لحماية المناخ || مذكر ة تفاهم لتطوير قطاع النخيل بالأردن || معرض أبوظبي الدولي للتمور 2019 || جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي بمعرض “فوود افريكا” 2019 || تغير المناخ يشكل أيضا أزمة صحية || الاستفادة من الطبيعية لمواجهة تغير لمناخ || إنذار نُظُم الأرض || الدورة الخامسة للمؤتمر الدولي لأركان والدورة الأولى للمعرض الدولي لأركان || هجرة العقول العربية || مقاربات متعددة القطاعات للوفاء بالتزامات المغرب المناخية || المنظمة الدولية للهجرة والإسكوا تطلقان الطبعة الثالثة من تقرير حالة الهجرة الدولية في المنطقة العربية || تقرير الفجوة السنوي للانبعاثات يتوقع ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 3.2 درجة مئوية || كونوا كبار بعيون الصغار # خفف_بلاستيك # || الدعوة إلى حالة الطوارئ المناخية للحفاظ على حياة الانسان والارض. || إعداد قوائم جرد الغازات الدفيئة لمدينة أكادير || المستقبل اللامع (والأخضر) للتجارة العالمية ||

آفاق بيئية :  مارينا سيلفا *

لن تنجو غابات الأمازون المطيرة إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون إرادة المحافظة عليها أقوى من الرغبة في تدميرها. لكن الدلائل الحالية غير مبشرة، إذ تهدد غيوم الكلام الرنان والجدال والنقد الاستعراضي، وهي أشد كثافة من الدخان المتصاعد من حرائق الغابات، بصرف الانتباه عن التحرك الهادف المطلوب لحماية أكبر غابة مدارية في العالم، في الوقت الذي يتواصل فيه الدمار دون هوادة.

2019GustavoBasso

 

لا يعدو الإجماع الظاهري على ضرورة منع فَنَاء الأمازون كونه إجماعا أجوف، فنسمع قادة البرازيل السياسيين الحاليين يتحدثون عن الدفاع عن الغابة المطيرة، لكنهم لا يحركون ساكنا لتغيير نمط التنمية الجائرة الذي يدمرها، حيث لا يكترث معظم واضعي السياسات كثيرا بالجمع بين النمو والرخاء من ناحية، والشمولية الاجتماعية وحماية الغابات والحفاظ على الثقافات الأصيلة من ناحية أخرى. وبدلا من التعرف على التنمية المستدامة الحقيقية الجارية بالفعل في الأمازون، نجدهم يعارضون كل محاولة لتغيير المنطق الاقتصادي المنحرف القائم على الاستغلال.

غير أنه توجد بالفعل مبادرات عدة لتعزيز التنمية المستدامة في المنطقة، منها خطة الأمازون المستدامة التي ظهرت عام 2008، وتضمنت إسهامات من العلماء والسياسيين والقادة المدنيين، ومبادرة أمازونيا 4.0 الأحدث، التي صاغها فريق من العلماء يقودهم عالم المناخ البرازيلي كارلوس نوبري.

ورغم التقدم الكبير في مجال الوعي بقضية الأمازون وتطوراتها المحتملة، نلاحظ أن أذكى الأفكار لم توضع بعد موضع التطبيق. كما قُتل الكثيرون ممن حاولوا الدفاع عن الغابات، ومنهم النشطاء تشيكو منديز، ودوروثي ستانج، وخوسيه كلاوديو، وماريا دو إسبيريتو سانتو، إضافة إلى إميرا واجابي، زعيم إحدى القبائل الأصلية، الذي عُثر عليه مقتولا في يوليو/تموز من هذا العام.

وعقب احتجاج عالمي صارخ هذا الصيف كان الأحدث ضد الحرائق في الأمازون، عاد الإجماع الأجوف، لكنه جاء هذه المرة في صورة تمثيلية هزلية خطيرة. فالرئيس البرازيلي جايير بولسونارو لم يجتهد كثيرا لإخفاء احتقاره للبيئة والمدافعين عنها، سواء خلال حملته للانتخابات الرئاسية عام 2018، أو منذ توليه مهام منصبه في بداية العام. ورغم تعهده أمام كثيرين في أوقات ذروة المشاهدة التلفزيونية بالزود عن “أمازوننا” ومكافحة الجرائم البيئية، لم ترق أفعاله إلى أقواله.

واليوم نجد حكومة بولسونارو مشغولة بإزالة ما تحقق بشق الأنفس من مكتسبات في مجال حماية البيئة، ومنع أجهزة إنفاذ القانون من تطبيق اللوائح والقوانين، والاحتفاء بمرتكبي الجرائم البيئية “كأناس كادحين”، ومهاجمة السكان الأصليين، وتعنيف العلماء المشهورين، وانتقاد المانحين، مثل النرويج وألمانيا، الذين دعموا صندوق الأمازون الواسع النجاح في البلاد.

هنا يحظى بولسونارو بدعم جماعة الضغط الريفية القوية في البرازيل، التي تتحكم في وزارة البيئة ويشكل ممثلوها حوالي 40% من المجلس الوطني (الكونجرس)، إذ تسهم تلك المصالح الريفية بشكل فعال في خلق هذه الحالة من الإجماع الأجوف، بادعاء دعم حماية الأمازون في العلن رغم التشجيع فعلا على إزالة الغابات.

بل إن بعض ممثلي قطاع الأعمال التجارية الزراعية الأكثر تقدمية يشاركون في هذه التمثيلية الهزلية، فنراهم ينضمون لنشطاء البيئة في إعلان دعمهم للأمازون، بينما يتجنبون الضغط على ممثليهم بالمجلس الوطني لتبني أساليب ومعالجات أكثر استنارة، مما جعل كثيرين من هؤلاء النواب ينحازون بشكل مؤثر للحكومة وجماعة الضغط الريفية وكثير من العاملين في قطاع الأعمال التجارية الزراعية ممن يريدون إضعاف الرقابة البيئية، وإنهاء الحماية للأنواع والمناطق المهددة بالانقراض، وإضعاف قوانين الترخيص البيئي، وسحب حقوق السكان الأصليين المكتسبة.

ليس هناك من سبيل إذا لوقف تدمير الأمازون سوى المكافحة الصارمة ضد أنشطة الاستيلاء على الأراضي، وقطع الأشجار والتعدين غير الشرعيين، وتربية الماشية بشكل جائر. فهذه الممارسات تقوي شوكة الشبكات الإجرامية التي تمولها في المقابل، فيما تهدد تلك الشبكات بتحويل الغابة المطيرة الشاسعة إلى مراع متدهورة غير منتجة.

تمثل صناعة الماشية في البرازيل لب المشكلة. فلقد ازدادت قطعان الماشية في البلاد بنسبة 70% تقريبا فيما بين عامي 1975 و2017، وتَرَكَّز معظم هذا النمو في الأمازون. فبين كل عشرة هكتارات تُزال من الغابة، تُـحَوَّل ستة إلى مراع.

ينبغي للحكومة وقطاع الأعمال أن يتخذا إجراءات إضافية لوقف الجرائم البيئية. وأول ما يتعين على الحكومة فعله هو المسارعة إلى كفالة حقوق السكان الأصليين وتوفير الخدمات العامة الأساسية لهؤلاء المواطنين. كما يجب عليها وضع نهاية لتلك الحالة المتفشية من اللاعقاب التي ينعم بها المجرمون في حق البيئة، والتي تشجع بشدة على عدم احترام القانون، وتعرقل أي جهد نحو التحديث وتبني ممارسات أكثر استدامة. كذلك يجب على الحكومة أن تعمل على تحديث قطاع الأعمال التجارية الزراعية، الذي سيستفيد ويحقق مكاسب حال إدارة الأمازون بصورة أفضل، وإن كان القطاع نفسه مطالب بتقديم حلول ملموسة.

لا تقتصر حالة الإجماع الأجوف على البرازيل، والدليل على ذلك ما شهدته اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع الماضي، حيث قدمت خطابات بعض قادة العالم علاجات وهمية ووعودا زائفة، بينما يعاني السكان الأصليون في الأمازون، والجماعات التي تعيش بجوار النهر، وأصحاب المزارع الصغيرة هناك، وكذلك الناشطون البيئيون والموظفون الحكوميون من التهديد والهجوم من جانب المجرمين، والإهمال من جانب الدولة.

حقيقة يُحزنني كل هذا كثيرا. فلقد انضممتُ لمكافحة الجرائم البيئية وحماية الأمازون عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري، وسرت بجوار تشيكو منديز تضامنا معه لوضع حد لإزالة الغابات، وكانت “أسلحتنا” أجسادنا. ثم واصلت المعركة كعضوة في مجلس الشيوخ، ثم كوزيرة للبيئة في البرازيل (من عام 2003 حتى عام 2008). ولقد ساعدتُ عندما كنت في الحكومة في صياغة وتنفيذ خطة قومية لمنع إزالة الغابات في الأمازون والسيطرة عليها. وأسهمت تلك المبادرة في تقليص إزالة الغابات بنسبة 83% بين عامي 2004 و2012، مما منع انبعاث أربعة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، وأسهم في ظهور أكثر من 24 مليون هكتار من المحميات الطبيعية.

حققنا ذلك من خلال صياغة إجماع حقيقي يقوم على العلوم الطبيعية والشراكات القوية الصلبة، وروجنا لحوار جاد تشارك فيه فئات المجتمع، وعالجنا الأسباب الهيكلية لإزالة الغابات. كما قمنا بالتعاون مع كل طرف معني مستعد للمساعدة في حل التحديات الاجتماعية الكثيرة التي تواجهها منطقة الأمازون، بدلا من الاكتفاء بالحديث عنها.

مع تنامي التهديد الذي تواجهه الغابة المطيرة، لم يعد الوقت يحتمل التراجع والتسلي بالوعود الزائفة. فقد أضحى المجتمع البرازيلي بحاجة لأن يجد صوته أكثر من أي وقت مضى، وبات من الواجب على كل قطاع أن يضطلع بمسؤولياته. فلن يمكن للبرازيل العودة لسابق عهدها كنموذج للعالم يحتذى به، إلا بالتوصل لإجماع صادق وحقيقي للدفاع عن الأمازون.

المصدر : بروجيكت سنديكيت – ترجمة: أيمن السملاوي

* مارينا سيلفا : سياسية وبيئية.

اترك تعليقاً