اخر المقالات: الناشطة البيئية غريتا ثونبرغ تصبح أصغر شخص يدعم كوفاكس لمكافحة كوفيد-19 || تقرير أممي: العالم على حافة هاوية مناخية في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة || فرصة بايدن المناخية في أمريكا اللاتينية || التنسيق الإيراني الجزائري وتهديد الوحدة الترابية للمغرب || تثمين القدرة على الصمود بعد الجائحة || حركة الشباب من أجل المناخ-المغرب || تدابير لمكافحة النفايات البحرية || عمل دؤوب ومتواصل للتخفيف من آثار تغير المناخ || أم القصص الإخبارية || ارتفاع الأسعار العالمية للأغذية للشهر العاشر على التوالي || تقرير مؤشر نفايات الأغذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2021 || مشروع للحفاظ على التنوع البيولوجي || مصب واد سوس : تنوع بيولوجي ، مؤهلات اقتصادية  و إشكاليات بيئية ناتجة عن التدخل البشري || الطعام وليس الفولاذ هو أكبر تحدي مناخي يواجهنا || خارطة طريق لإزالة الكربون || حول سيادة اللغة الانجليزية في البحث العلمي || دعم مشروع المياه والبيئة (WES) تدابير مكافحة النفايات البحرية في المغرب || حليف تحت الماء لضمان الأمن الغذائي وصحة النظم الإيكولوجية || زعماء العالم يجتمعون لتعزيز التدابير المالية لدفع جهود مواجهة تداعيات كوفيد19 || مواكبة المهاجرات الإفريقيات لتحسين الريادة في الأعمال ||

آفاق بيئية : جوليو بوكاليتي*

في يناير ، استضافت هولندا قمة رقمية للتكيف مع المناخ، ناقش خلالها ممثلو الحكومات من جميع أنحاء العالم خططهم للتعافي بعد الجائحة. ومن أجل الاستفادة من التمويل العام الرخيص بصورة ملحوظة، أكد الكثيرون على الاستثمارات الموجهة من الدولة في البنية التحتية الخضراء لتعزيز التكيف مع المناخ وتحفيز الاقتصاد.

وبالنظر إلى الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن التحولات التي لا مفر منها في النظام المناخي جارية بالفعل، ينبغي الإشادة بهذا التركيز. إلا أنه لا ينبغي التقليل من الآثار الدستورية المترتبة على تدخل الدولة المتزايد. إذ في كل مرة تتعهد فيها الدولة بممارسة السلطة على نطاق المجتمع- في هذه الحالة، لحماية الاقتصاد بأكمله من المناخ- ستكون مصادر شرعيتها ونطاقها موضوع نقاش حاد.

19 August 2020, Brandenburg, Peitz: Water vapour rises from the cooling towers of the Jänschwalde lignite-fired power plant of Lausitzer Energie Bergbau AG (LEAG). Photo: Patrick Pleul/dpa-Zentralbild/ZB (Photo by Patrick Pleul/picture alliance via Getty Images)

وهذا ما يحدث بالفعل في دهاليز محاكم العديد من البلدان. ففي عام 2015، رفعت (أورجندا)، وهي منظمة غير حكومية، دعوى قضائية ضد الحكومة الهولندية على أساس أن هذه الأخيرة أخفقت في حماية الشعب الهولندي من المخاطر المتزايدة التي يشكلها تغير المناخ على البلدان الواقعة في مناطق منخفضة. وهذا معناه أن الإخفاق في تحقيق أهداف خفض الانبعاثات الوطنية دليل على إهمال الدولة. وفي عام 2019، وافقت المحكمة العليا في لاهاي؛ على الحكم لصالح (أورجندا)، وأجبرت الدولة على متابعة إجراءات التقليص من الانبعاثات بنسب أكبر.

وعلى الرغم من أن قضية (أوجندا) تم تأطيرها في البداية على أنها تطبيق لقانون الضرر، إلا أنها توقفت في النهاية على التزامات الدولة الهولندية بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ولأن التركيز تحول إلى المخاطر التي يعاني منها جميع السكان، فقد أصبحت قضية دستورية. إذ اعتبر قرار المحكمة العليا آثار تغير المناخ (التي توقعها العلم) انتهاكًا لحقوق الإنسان، ومن ثم قضت بأن على الدولة واجب التصرف. ومن المفترض أن نفس الواجب الذي يتعلق بالتخفيف من حدة المناخ (خفض الانبعاثات) سينطبق أيضًا على الاستثمارات في التكيف معه.

ومع ذلك، فإن التكيف المنهجي مع المناخ يعني ضمناً حدوث تحول في المشهد الطبيعي على نطاق من المؤكد أنه سيؤدي إلى تراجع. ففي أوائل القرن العشرين، تضاعف عدد السكان ثلاث مرات، وحدث انتقال من المجتمعات الريفية والزراعية إلى الاقتصادات الاستهلاكية الحضرية. ونتيجة لذلك، تغيرت التوقعات. إذ لم يعد بإمكان السكان الأكثر ثراءً والذين يتمتعون بحق الاقتراع أن يتحملوا المخاطر (أي الفيضانات والجفاف) التي كانت في وقت سابق جزءًا مقبولًا من الحياة.

وعندما حل الكساد الكبير، استجابت الحكومات ببرامج التحديث القائمة على البنية التحتية والمصمَمة للسيطرة على بيئة جامحة، ومنعها من تهديد النمو الاقتصادي والاستقرار. وكان انتشار السدود والجسور والقنوات بمثابة عرض غير عادي للسيادة. وكان جوهر هذه الحملة التكنوقراطية ضد انعدام الأمن الاقتصادي مشابهًا لما يود البعض رؤيته في استجابة الدولة لتغير المناخ اليوم.

وفي الولايات المتحدة، أصبحت شركة سلطة وادي تينيسي النموذج الأصلي للتحديث الذي تقوده الدولة. فمن خلال ممارستها لسلطة تنفيذية غير عادية بصفتها شركة مملوكة اتحاديًا، يمكن لـسلطة وادي تينيسي مصادرة الأراضي باسم المصلحة العامة، والسيطرة على موارد فيدرالية كبيرة. ومع ذلك، على الرغم من نجاحها في تحويل واحدة من أفقر المناطق في الولايات المتحدة، واجهت سلطة وادي تينيسي معارضة شديدة من أولئك الذين رأوا أنها تجاوز فيدرالي لدرجة أنه لم يكررمشروع مثلها في الولايات المتحدة. وبالفعل، زرعت ردود الفعل على سلطة وادي تينيسي بذور حركة مناهضة للبنية التحتية وللسدود اجتاحت العالم في النصف الثاني من القرن العشرين.

وبدون فهم مشترك للحدود التي تنتهي فيها الحقوق الفردية وتبدأ فيها المسؤولية الجماعية، فإن أي تحول منهجي للمشهد الطبيعي سيكون معركة شاقة، مهما كانت النية. ولا يمكن أن تصبح مشاريع التكيف مع المناخ عنصرًا أساسيًا في السياسة العامة إذا كانت مجرد تكنوقراطية بطبيعتها. وبدلا من ذلك، يجب أن تجسد عقدا جديدا بين الدولة ومواطنيها. ويجب أن يكون هناك ترتيب دستوري يحدد المخاطر التي يكون المجتمع على استعداد لتحملها، ويضع عتبة لاتخاذ إجراءات جماعية ضد التهديدات التي لا تطاق.

ونظرًا لأن الدستورية الحديثة تطورت جنبًا إلى جنب مع أزمات الجدري والحمى الصفراء، فإن الصحة العامة تقدم أحكاما مفيدة يمكن القياس عليها لوضع مثل هذه الترتيبات. إذ في قرارها الصادر عام 1905 في قضية جاكوبسون ضد ماساتشوستس، قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن حق المجتمع في حماية نفسه من وباء مميت يسمح له باتخاذ إجراءات ضد الأفراد الذين رفضوا أخذ التلقيح ضد الجدري- بما في ذلك عن طريق تشريع التطعيم الإجباري.

ومنذ ذلك الحين، أنتج قرن من المراجعة القضائية في معظم الديمقراطيات مجموعة كبيرة من المذاهب الدستورية التي تضفي الشرعية على سياسات الدولة لإدارة الصحة العامة. وكانت هذه الامتيازات ظاهرة برمتها خلال جائحة كوفيد-19. إذ أدت عمليات الإغلاق التي أمرت بها الحكومة إلى تقليص الحريات الفردية بطرق نادرًا ما تحدث دون محاكمة.

وقبل المواطنون إلى حد كبير هذه التدخلات ليس فقط بسبب الاجتهاد القضائي السابق، ولكن بسبب كل التاريخ الاجتماعي والسياسي الذي استقلبه النظام القانوني للوصول إلى ما هو عليه اليوم. ونحن المستفيدون من عقود من النقاش حول أهمية الصحة العامة؛ ومجموعة كبيرة من البيانات الوبائية التي حازت على ثقة كل من المحاكم والسياسيين؛ والاستثمارات الضخمة في شبكة معقدة من المؤسسات- الوكالات الحكومية والجامعات والمنظمين- التي بنت الثقة بمرور الوقت. وقد ساعدت هذه العوامل وغيرها المواطنين على الالتقاء حول مجموعة من المبادئ تجعل الصحة العامة أولوية جماعية قصوى.

لقد وصلت البشرية الآن إلى منعطف حرج يكتسب فيه تغير المناخ قيمة معيارية. كما أن الأدلة التي تبرر عمل الدولة المنسق آخذة في الازدياد. ولكن رغم أن التكيف مع المناخ يعد ضرورة ملحة ولها أهمية كبيرة، شأنه في ذلك شأن الصحة العامة، إلا أنه لم يكتسب بعد نفس المستوى من القبول الواسع النطاق.

ولكي تصبح سياسة المناخ أكثر من مجرد مشروع تكنوقراطي، ستحتاج الحكومات إلى الاستثمار ليس فقط في البنية التحتية وتغييرات استخدام الأراضي، ولكن أيضًا في رأس المال الفكري، والمؤسسات التنظيمية، والبحث، والتعليم. لقد حان الوقت الآن لتحفيز المشاركة العامة في المناقشات التي ستحدد الحدود بين الحقوق الفردية والمسؤولية الجماعية في عصر تغير المناخ. وبقدر ما تشكل القيود المفروضة على ممارسة سلطة الدولة حجر الأساس للدستورية الحديثة، فإن ترحيب المجتمع بالتكيف مع المناخ يمثل لحظة دستورية مهمة.

 بروجيكت سنديكيت –  ترجمة: نعيمة أبروش   

*جوليو بوكاليتي ، باحثًا مشاركًا فخريًا في كلية سميث للمؤسسات والبيئة بجامعة أكسفورد ، كبير مسؤولي الإستراتيجيات في منظمة الحفاظ على الطبيعة. وهو مؤلف كتاب “الماء: سيرة ذاتية” الذي سيصدر قريباً.

اترك تعليقاً