اخر المقالات: التكيف مع أزمة تغير المناخ || وجوب وضع استراتيجيات متكاملة و تحديد أولويات واضحة لأهداف التنمية المستدامة || ربط النظم المالية مع أهداف التنمية المستدامة || تقرير علمي حول تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية || حوار حصري مع الكاتب والإعلامي البيئي المغربي محمد التفراوتي || أفضل جناح دولي للامارات في الملتقى الدولي التاسع للتمور 2018 بأرفود || اللوجستيك و تنمية سلسلة التمر || اكتشاف أداة مصنوعة من العظام يعود تاريخها إلى 90 ألف سنة بالمغرب || المغرب ينحو نحو شراكة بيئية إفريقية  قوية || تقييم الاجراءات الحكومية المحرزة بشأن تغير المناخ || مشروع نظام للتتبع والإبلاغ والتحقق من انبعاثات الغازات || مبادرة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها || القضاء على الجوع : أعمالنا هي مستقبلنا || الموارد المائية المستدامة والبيئة النظيفة في البحر المتوسط || تدبير ندرة المياه بين الابتكار والاستدامة || المستقبل لا يتوافق مع الوقود الأحفوري || العرب يطالبون بالماء والكهرباء وحل مشكلة النفايات || النقل المستدام وتحديات المستقبل || تحويل النظم الزراعية والغذائية لتحسين التغذية وحماية الكوكب || تحليل مخاطر الجفاف ورسم الخرائط ||

 

آفاق بيئية – البيئة والتنمية : خوسيه لويس إيريغوين 

 عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ، يقف قطاع النقل باعتباره الضحية والجاني في الوقت ذاته. فمن ناحية، تتعرض البنية الأساسية لقطاع النقل بشكل خاص لآثار التغيرات المناخية، كارتفاع درجات الحرارة، وزيادة هطول الأمطار، والفيضانات. وفي الوقت نفسه، يعد النقل مسؤولاً عن 23 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن استخدام الطاقة، كما أنه أحد القطاعات التي تشهد أسرع وتيرة لزيادة الانبعاثات الغازية. وهذه الإحصائية وحدها توضح بشكل جلي أنه لن يكون هناك تقدم كبير على صعيد العمل المناخي بدون وسائل نقل أكثر استدامة وصديقة للبيئة.

ولكن قبل الدورة الحادية والعشرين لمؤتمر المناخ، غاب قطاع النقل بشكل واضح عن محادثات المناخ. وأخيراً، بات الحضور القوي والمنظم الذي شهدناه في باريس سنة 2015 وفي مراكش سنة 2016 منسجماً مع الحاجة الملحة إلى التصدي للقضايا المتعلقة بالنقل والمدرجة على أجندة المناخ.

وتترجم الأهمية المتزايدة للنقل في المناقشات العالمية في شكل التزامات رئيسية كأهداف التنمية المستدامة واتفاقية باريس. وكمثال على ذلك، تضمنت أكثر من 70 في المئة من المساهمات الوطنية لمكافحة تغير المناخ التي اقترحتها البلدان لتنفيذ اتفاقية باريس تعهدات في مجال النقل تتراوح من زيادة وسائل النقل العام في المدن إلى تحويل شحن البضائع من الطرق إلى السكك الحديدية والطرق المائية.

على المستوى الوطني، ينشط المزيد من البلدان حالياً في البحث عن فرص للتحول إلى وسائل نقل أكثر نظافة ومراعاة للبيئة. ويمثل المغرب، الذي استضاف مؤتمر المناخ الأخير، قدوة حسنة في هذا الصدد، وذلك من خلال مبادرات مثل هيئة النقل البري المستدام التي يعتزم إنشاءها، فضلاً عن عدد من مشاريع النقل العام الصديقة للبيئة. وإلى الجنوب قليلاً، تدرس موزمبيق طائفة من السيناريوهات لنقل الأفراد والبضائع بطرق أكثر كفاءة مع مواصلة السيطرة على الانبعاثات الغازية التي تطلقها وسائل النقل. وفي الهند، سيلعب النقل دوراً رئيسياً في فصل النمو الاقتصادي عن الانبعاثات الكربونية والوفاء بالمساهمات الوطنية لمكافحة تغير المناخ في البلاد. وبصورة أكثر تحديداً، تنوي الحكومة تشجيع النقل المراعي للمناخ من خلال ثلاثة تحولات رئيسية: التحول من النقل الخاص إلى العام في المدن، والتحول من الطرق البرية إلى السكك الحديدية والطرق المائية لنقل البضائع، والتحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة غير الأحفورية.

ويعمل البنك الدولي على مساعدة البلدان على الوفاء بهذه التعهدات، مع التركيز على ثلاثة مجالات رئيسية:

النقل القادر على التكيّف مع تغير المناخ: يعرض تغير المناخ إمكانيات النمو وكذلك الاستثمارات، التي تقدر بتريليونات الدولارات، في مجال النقل للخطر، وهو ما يجعل زيادة القدرة على التكيف – خاصة بالنسبة للنقل البري – جزءاً أساسياً من أجندة البنك الدولي. وتتجلى أهمية ذلك خاصة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تزيد قيمة أصول شبكات الطرق عن 300 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للمنطقة. ويكشف تقرير حديث للبنك الدولي أن تحسين صيانة الطرق هو أداة أساسية في دعم قدرة الطرق على التكيّف مع التغيرات المناخية في المنطقة. وهناك عدد من الاستراتيجيات التي تساعد على بناء قدرة شبكات الطرق على التكيّف مع التغيرات المناخية، من خلال إصلاح المعايير والأساليب والمواد وتحسين فاعلية الاستعداد والتعاطي مع الظواهر المناخية الجامحة. ويعكف البنك الدولي حالياً على العمل مع الشركاء في أكثر من أربعين بلداً لبناء قدرة شبكات النقل على التكيّف مع تغير المناخ باستخدام استراتيجيات ملائمة.

نقل جماعي نظيف وآمن وكفوء: الاستثمار في شبكات النقل الجماعي هو أحد السبل الرئيسية لتخفيض انبعاثات الكربون التي يطلقها قطاع النقل. كما أن هذا الاستثمار يحقق مجموعة من المزايا الإضافية التي تشمل تخفيف التكدسات المرورية، وتحسين السلامة على الطرق، وتيسير الوصول إلى أماكن العمل والخدمات بمزيد من الكفاءة. وهذه مشكلة حادة في أفريقيا، التي تشهد حالياً أحد أعلى معدلات التوسع العمراني في العالم. ويعد المغرب من البلدان الرائدة في الاستثمار في النقل الجماعي بالقارة، مع استكمال العديد من خطوط الترام بالفعل ووجود أخرى تحت الإنشاء. وفي أماكن أخرى من المنطقة، تحدث مشاريع أخرى مراعية للبيئة (مثل شبكة الحافلات السريعة الجديدة في دار السلام) ثورة في وسائل تنقل المواطنين بين المدن.

شبكات النقل المتعددة الوسائط والكفوءة: من شأن وسائل الشحن الكفوءة، لا سيما الشاحنات الأكبر حجماً والأفضل حالاً، أن تخفض التكلفة وتحد من الانبعاثات الكربونية. وفضلاً عن ذلك، ولتعظيم مزايا الاستثمار في النقل، من الأهمية بإمكان التأكد من أن كل نوع من وسائل النقل يكمل الآخر، وتيسير الانتقال الانسيابي والمتواصل للبضائع والبشر بين مختلف وسائل النقل. ولذا، يجب مساعدة الحكومات على دمج الطرق وخطوط السكك الحديدية والطرق المائية في شبكات نقل متعددة الوسائل.

وللحفاظ على هذا الزخم، هناك حاجة إلى طرح رؤية واضحة ومتماسكة للنقل المستدام يضاهيها تمويل ملائم للأنشطة المناخية. ومن أجل هذا، يدعم البنك الدولي مبادرة النقل المستدام للجميع، وهي آلية تنسيق ستساعد الأطراف الفاعلة في مجال النقل من القطاعين العام والخاص على الاصطفاف في برنامج مشترك. ومن خلال برنامج النقل المستدام للجميع، سيتحدث مجتمع النقل بصوت واحد ومتماسك، وسيتمكن من مساعدة الحكومات على دمج الاعتبارات المناخية في خططها للنقل بقدر أكبر من الفاعلية.

لكن ما هي بالضبط القوة المحركة لهذه المبادرات؟ الأمر في النهاية لا يتعلق فقط بتخفيض الانبعاثات الكربونية لوسائل النقل، أو بحماية القطاع من الآثار المترتبة على تغير المناخ. إذ إنه بتعزيز النمو الاقتصادي وتوسيع نطاق الوصول إلى أماكن العمل والحصول على الخدمات، فإن الاستثمار في النقل المواتي للمناخ يمكن أن يكون مكسباً حقيقياً لجميع جوانب التنمية التي تؤثر إيجابياً في جوانب الاستدامة كافة. هذا بالضبط هو نوع المكاسب المشتركة التي ينبغي أن نعمل على تحقيقها إذا كنا جادين في بناء مستقبل أكثر مراعاة للبيئة ورخاء وشاملاً للجميع.

خوسيه لويس إيريغون، البنك الدولي

(يُنشر بالاتفاق مع البيئة والتنمية)

اترك تعليقاً