المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يطلق رأيه: التنوع البيولوجي رافعة للسيادة والتنمية المستدامة

محمد التفراوتي3 hours agoLast Update :
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يطلق رأيه: التنوع البيولوجي رافعة للسيادة والتنمية المستدامة

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيا استراتيجيا بعنوان: التنوع البيولوجي في المغرب: من أجل حكامة متجددة في خدمة تنمية ترابية مستدامة. هذا الرأي، الذي صودق عليه بالإجماع في دجنبر 2025، جاء ثمرة مقاربة تشاركية واسعة، حيث انفتح المجلس على مختلف الفاعلين عبر جلسات الإنصات، واستشارة مواطنة من خلال منصته الرقمية “أشارك”، إضافة إلى زيارة ميدانية لجهة سوس-ماسة، مما أضفى على الوثيقة شرعية جماعية وعمقا اجتماعيا وميدانيا.

ينطلق التقرير من تشخيص دقيق لمسارات تدهور التنوع البيولوجي الوطني، وما ينجم عنها من انعكاسات اقتصادية واجتماعية وإيكولوجية. ويؤكد أن المغرب، رغم ما يزخر به من ثروة طبيعية متنوعة تشمل الغابات والجبال والواحات والمناطق الرطبة والسواحل والأوساط البحرية، يواجه ضغوطا.متزايدة ناجمة عن التوسع العمراني غير المتحكم فيه، والتلوث، والاستغلال المفرط للموارد، وانتشار الأنواع الغازية، فضلا عن التداعيات المتفاقمة للتغير المناخي. هذه التحولات أدت إلى تراجع خطير في بعض الموارد، من بينها اختفاء نسبة كبيرة من الأصناف المحلية للحبوب وتعرض الثروة السمكية لمستويات استغلال تقارب حدود الاستدامة.

ويبرز المجلس أن السياسات العمومية، رغم ما تحقق من تقدم تشريعي ومؤسساتي، ما تزال تعاني من ضعف التنسيق واعتماد مقاربات قطاعية منعزلة تحد من إدماج قضايا التنوع البيولوجي في مسارات التنمية. لذلك يدعو إلى تكريس التنوع البيولوجي كدعامة مهيكلة للسيادة الوطنية ولنموذج التنمية، عبر اعتماد قانون إطار خاص يضمن انسجام السياسات القطاعية، ويؤسس لآليات قيادة وتقييم مندمجة تحت إشراف رئاسة الحكومة، بما يتيح التحكيم الفعلي بين القطاعات وضمان الالتقائية بين السياسات الفلاحية والمائية والبيئية والمالية.

كما يولي التقرير أهمية للحسابات الوطنية للرأسمال الطبيعي باعتبارها أداة لتثمين التنوع البيولوجي وتحويله إلى رافعة اقتصادية، بحيث تصبح الموارد الطبيعية جزءا من الحسابات الوطنية، لا مجرد عناصر خارجية. ويشير إلى أن انخراط المغرب في الديناميات الدولية مكسب مهم، لكنه لم يترجم بعد إلى أثر ملموس على السياسات الوطنية، وهو ما يطرح سؤال الفعالية في تنزيل الالتزامات.

في جانب الحكامة، يوضح المجلس أن المنظومة الوطنية تعاني من هشاشة بنيوية، حيث يظل التدبير محكوما بمنطق قطاعي مجزأ، ويغيب التنسيق الكفيل بضمان الانسجام بين السياسات العمومية. لذلك يقترح الارتقاء باللجنة الوطنية للتغير المناخي والتنوع البيولوجي لتصبح تحت إشراف رئاسة الحكومة، بما يعزز القيادة الاستراتيجية ويضمن الانسجام مع الالتزامات الدولية للمملكة.

أما في مجال التمويل، فيدعو المجلس إلى إعادة توجيه الموارد نحو عمليات الاستعادة والاستدامة البيئية، وربط الاستثمارات العمومية والخاصة بضرورة احترام معايير بيئية دقيقة تضمن أثرا إيجابيا صافيا على مستوى الخدمات الإيكولوجية. ويشدد على أن المشاريع ينبغي أن تثبت أثرها البيئي الإيجابي قبل الاستفادة من التمويلات والتحفيزات الاقتصادية.

ويؤكد التقرير أن الحلول المرتكزة على الطبيعة، بما في ذلك توظيف المعارف التقليدية، تشكل بديلا فعالا للبنيات التحتية المكلفة، وتساهم في تعزيز صمود المجالات الترابية. وفي المجال الزراعي، يشدد على ضرورة صون البذور المحلية والسلالات المتأقلمة، ودعم النظم الزراعية الإيكولوجية والواحات والمجالات الرعوية، فيما يدعو في المجال البحري إلى اعتماد مقاربة قائمة على النظم البيئية لمكافحة الصيد غير المشروع وضمان استدامة الموارد.

و يولي التقرير أهمية خاصة لإنتاج المعرفة والتملك الاجتماعي لقضايا التنوع البيولوجي، عبر دعم البحث العلمي، تقوية أنظمة الرصد البيئي، تطوير بنوك الجينات، وتثمين المعارف المحلية وهيكلة سلاسل الإنتاج المستدامة، خصوصا النباتات الطبية والعطرية والسياحة الإيكولوجية. ويؤكد على إدماج التنوع البيولوجي في المناهج الدراسية والجامعية وبرامج التكوين المهني، وإطلاق حملات وطنية للتحسيس والتوعية بمشاركة الإعلام والباحثين والجمعيات والفاعلين التربويين، بما يعزز التملك الاجتماعي ويجعل قضايا التنوع البيولوجي جزءاً من الثقافة العامة للمجتمع.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *


Comments Rules :

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!