آفاق بيئية : إدموند ألفانديري

باريس- يأتي تنصيب الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، بعدمرور شهر واحد فقط على الذكرى السنوية الخامسة لاتفاقية باريس للمناخ؛ وهذا يبشر بالخير فيما يتعلق بالتقدم الذي طال انتظاره في مجال الكفاح العالمي ضد تغير المناخ. وعلى الرغم من الالتزامات السياسية الأخيرة للجهات التي تشكل أكبر مصدر للانبعاثات بتحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن، لا يزال العالم خارج المسار الصحيح نحو منع الاحتباس الحراري من تجاوز درجتين مئويتين- وهو هدف يجب تحقيقه لتجنب حدوث اختلالات شديدة في المجتمعات البشرية.

ولحسن الحظ، يمكننا على الأقل تحديد حجم التحدي المطروح. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، بلغ إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في قطاع الطاقة في عام 2019 ما يقرب من 33 مليار طن- وهو معدل يجب تقليصه إلى صافي الصفر.

ويمكن أن يؤدي احتجاز الكربون وتخزينه إلى إزالة الكربون من الهواء، ولكن هناك تفاوتات كبيرة في تكاليفه. فإذا افترضنا أن استخدام هذه التكنولوجيا على نطاق واسع بمتوسط تكلفة قدرها 100 دولار للطن، فستصل تكلفة إزالة ثاني أكسيد الكربون المنبعث في عام 2019 إلى 3.3 تريليون دولار. وبالنظر، ليس بصورة غير منطقية، إلى أن تكلفة التخفيف (100 دولار للطن) تتزامن مع التكلفة الاجتماعية التي يتكبدها الاحتباس الحراري، يمكننا بعد ذلك مقارنة هذا الرقم بالثروة التي ولدها اقتصاد مثل اقتصاد ألمانيا، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي لعام 2019، 3.861 تريليون دولار. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع التكلفة السنوية لمنع حدة تغير المناخ من التفاقم.

ويرى علماء الاقتصاد أن الحل الواضح هو اتباع مبدأ “الملوث يدفع”. إذ يجب على كل دولة فرض ضريبة أو تحديد سعر 100 دولار لكل طن من ثاني أكسيد الكربون المنبعث على أراضيها، وينبغي أن تستثمر عائداتها في شراء الكربون الذي أزالته الشركات العاملة في مجال احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه. وتكمن مشكلة هذا الخيار في أنه يفتقر إلى أدنى فرصة لاعتماده في أي وقت قريب. فقد تعارض العديد من الدوائر الانتخابية هذا النهج بحجة أنه يضع تكلفة كبيرة على الأشخاص الأضعف اقتصاديًا على نحو غير متناسب مع غيرهم. ولكن ينبغي لنا أن نتذكر أن هؤلاء الناس هم من يعاني أكثر من تغير المناخ.

ويجب أن تكون المهمة الأكثر إلحاحًا هي تعبئة الأموال اللازمة لنشر عملية احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه على نطاق عالمي. إن أحد نقاط الضعف الأساسية لاتفاقية باريس، بالإضافة إلى أن “مساهماتها المحددة وطنياً” غير ملزِمة، هي أنها تهتم بحجم الانبعاثات، ولا تكاد تعطي أي دور لسعر الكربون. ومن خلال تطبيق سعر كربون أكثر وضوحا على نطاق عالمي، يمكننا في الوقت نفسه تثبيط الانبعاثات، وتشجيع الابتكار والاستثمار في تقنيات إزالة الكربون، مثل احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، والبدء في استخدامه لامتصاص الكربون من الهواء.

خذ الآن على سبيل المثال الاتحاد الأوروبي، الذي تعهد بتحقيق حياد الكربون بحلول عام 2050، والتقليص منه بنسبة 55٪ بحلول عام 2030. لقد اعتمد العديد من الدول الأعضاء بالفعل أهدافًا ملزمة قانونًا (بما في ذلك الدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، والمجر، والسويد). وللمضي بالأمور إلى الأمام، يمكن للاتحاد الأوروبي استخدام سوق الانبعاثات التي أنشأها قبل 15 عامًا. إن هذا السوق القوي يغطي بالفعل 45٪ من انبعاثات الاتحاد، ولكن يمكن تحسينه.

ونظرًا لأن سوق الكربون في أوروبا كان يستهدف في البداية حجم انبعاثات الكربون فقط- بالاعتماد على هيكل الحد الأقصى والتجارة- كان سعر الكربون متقلبًا للغاية. لِذا، بعد الأزمة المالية العالمية، فقد أكثر من 80٪ من قيمته، وظل يحتضر لسنوات عديدة. ولم تدرك المفوضية الأوروبية، أنها بحاجة إلى التركيز بصورة أكبر على سعر الكربون إلا في الآونة الأخيرة، و يزيد سعر الكربون الآن عن 30 يورو (37 دولارًا) للطن.

ويعتبر تسعير الكربون أكثر الطرائق فعالية للحد من الانبعاثات، لأنه يغير باستمرار عملية صنع القرار في الدول المسئولة عن الانبعاثات مع مرور الوقت. فكلما ارتفع سعر الكربون، زادت قوة الحافز للتحول إلى طاقة منخفضة الكربون أو خالية منه، وللسعي وراء مشاريع طويلة الأجل للطاقة النظيفة. وتتطلب المزايا النسبية المحتملة لهذه المشاريع المزيد من الاهتمام.

ولكن لا يمكن فرض سعر مرتفع للكربون بين عشية وضحاها. بل يجب زيادة السعر تدريجياً بمرور الوقت، باتباع مسار متوافق مع هدف معين من حياد الكربون. إن المفوضية الأوروبية محقة في أخذ ارتفاع الأسعار في الاعتبار. بيد أنها يمكن أن تعزز فعالية استراتيجيتها إلى حد كبير من خلال الإعلان عن سعر مستهدف للكربون في وقت مبكر. ولتعزيز هذه الفكرة، أنشأت فريق عمل معني بتسعير الكربون في أوروبا، يجمع ليس فقط الاقتصاديين وعلماء السياسة، ولكن أيضًا قادة الأعمال الذين يدركون أنهم بحاجة إلى إشارة سوق واضحة للقيام بالاستثمارات الصحيحة في الوقت المناسب.

وفي جميع أنحاء العالم، يتزايد عدد الحكومات- بما في ذلك اليابان، وكوريا الجنوبية، و نيوزيلندا، والمملكة المتحدة- التي أعلنت عن أهداف لبلوغ مستوى صاف صفري للانبعاثات. ويكتسي تعهد الصين الأخير بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060 أهمية خاصة، بالنظر إلى حجم ساكنة واقتصاد هذا البلد، الذي يمثل انبعاثات مجمعة (وإن لم يكن لكل فرد) تتجاوز نظيرتها في الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعين. زعلاوة على ذلك، أنشأت الصين بالفعل سوقًا للكربون. ولكن، على غرار أوروبا، يمكن استخدام هذه الآلية بكفاءة أكثر إذا كان هناك سعر أكثر وضوحًا للكربون.

ونظرًا لأن تغير المناخ قضية عالمية تتطلب التعاون بين الدول، فقد أطلقت فرقة العمل المعنية بتسعير الكربون في أوروبا مبادرة مشتركة مع المنتدى المالي الدولي، وهو مؤسسة فكرية صينية، لتعزيز سعر الكربون المتقارب. ويمكن للولايات المتحدة، حيث سيخضع نهج الحكومة الفيدرالية لسياسة المناخ إلى تغيير جذري قريبًا، أن تلعب دورًا رئيسيًا في هذا الصدد. وبالإضافة إلى إعادة تأكيد التزام أمريكا باتفاقية باريس، يعين بايدن، في مناصب رئيسية، صانعي سياسة المناخ المخضرمين، مثل وزير الخارجية السابق، جون كيري، ورئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي سابقا، جانيت يلين، التي قادت مجموعة عمل مجموعة الثلاثين المعنية بتغير المناخ و المالية. وعند تقديم نتائج المجموعة للصحافة، أوضحت يلين أنها تتفهم التحدي، مشيرة إلى أن “أسعار الكربون يجب أن ترتفع تدريجياً بمرور الوقت لتحفيز الشركات وتسريع التحول إلى صافي الصفر”.

ولا داعي للقول أن مبادرة مشتركة بشأن تسعير الكربون بين أكبر ثلاثة مصادر للانبعاثات في العالم- أوروبا، والولايات المتحدة، والصين- يمكن أن تعزز إلى حد كبير الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ. ونحن نعلم بالفعل أن تسعير الكربون ضروري للوفاء بجميع التعهدات الأخيرة بحياد الكربون. ومع وجود إطار عالمي موثوق به لسد هذه الفجوة في اتفاقية باريس، ستكون جميع الأطراف جاهزة أخيرًا لمواجهة أصعب تحدٍ في تاريخ البشرية.

بروجيكت سنديكيت – ترجمة:  نعيمة أبروش

* إدموند ألفانديري ، وزير مالية فرنسا الأسبق ، ورئيس فريق العمل المعني بتسعير الكربون في أوروبا.

اترك تعليقاً